انهيار الصورة النمطية للإنسان العربي

حجم الخط
0

عبد الحكيم أجهر تحليلات لاتحصى كتبت عن الحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى ومصالحها بعد قيام الثورات العربية، تحليلات تتساءل: ماهو تأثير هذه الثورات على هذه المصالح، وماهي انعكاساتها على اسرائيل، وكيف سيتم حساب العلاقة المحتملة للأنظمة الجديدة على مستقبل المصالح الغربية…… الخ؟ ولكن ثمة شيء غير مرئي أصبح مع تقدم الثورات العربية عنصراً مهماً في تلك الحسابات، وهي صورة العربي النمطية التي بدأت تنهار، والصور المحتملة البديلة التي ستولد مع هذه الثورات. إن صورة العربي التي كانت جزءاً مكوناً لأي تفكير غربي واسرائيلي في حساباته الاستراتيجية عن المنطقة وإن كان عنصراً غير منطوق به دائماً، بدأت تتغير، بل بدأت تأخذ شكلاً مناقضاً تماماً لما كانت عليه الحال سابقاً. لقد أصبح هذا الإنسان فاعلاً متمرداً تملأه روح الكرامة والتغيير.

على الأرجح أن الولايات المتحدة واسرائيل لم تنتبها إلى هذا الأمر في ثورتي تونس ومصر القصيرتين نسبياً، واللتين لم تتركا فرصة لمنظريهم الاستراتيجيين أن يحسبوا حساباً آخر سوى مايتعلق بمستقبل اتفاقية كامب ديفيد في مصر. أما تونس فقد كانت بعيدة ومفاجئة بشكل لم يُشعرهم بأي تهديد مباشر على مصالحهم، خصوصاً اسرائيل. الثورات العربية تكشف بوضوح الآن أن صورة العربي التي اعتاد عليها الغرب لم تعد كما هي، هذا الإنسان الذي ارتسم في أدبيات الغرب واسرائيل على أنه يستسلم للقدر ويترك كل شؤونه لله من أجل تبرير عجزه وعدم فاعليته، هذا الإنسان الخائف دائماً والذي يدفعه خوفه إلى أن يمارس الانتقام من خصومه غدراً وفي الظلام، إنسان شرس عندما تسنح الفرصة أمامه ومرتعداً عندما يكون أمام قوة أكبر منه، إنسان محدود في خياله وغير قادر على إبداع شيء، لأن الحياة ليست من صنعه وليست ذات قيمة، وبالتالي فهو غير معني بتحسينها….. ، هذه الصورة التي صنعها خيال الغرب كصورة نقيضة لما يريد أن يقول عن نفسه، والتي عززتها اسرائيل وأضافت إليها ما يعمق الحط من شأن صورة العربي، بدأت تنهار اليوم. الإنسان العربي صار يريد، وصار قادراً على تصور نوع الحياة التي يرغب أن يعيشها، وأصبح يحمل إصراراً نادراً في طريق تحقيق هذا النمط من الحياة، لم يعد خائفاً ولم يعد يلجأ إلى الاغتيال السياسي كسلوك يقوم على (الغدر) من أجل التغيير. صار يصرخ في وضح النهار وهو يواجه الموت أنه يريد صناعة مستقبله بيديه. الكرامة والحرية لم تعودا مطلبين، بل شيئين امتلأت بهما روح هذأ الإنسان، وهما من سيرسم الصورة الأخرى له.

كانت صورة العربي النمطية عنصراً مع عناصر أخرى جعلت اسرائيل لا تتوقع الهجوم المصري السوري عليها عام 1973، ولا تتخيل أن هذا العربي قادر أن يبادر إلى شيء أو يصنع شيئاً. وهي نفس الصورة التي سيطرت على خيال الغرب وجعلته يبرر ويدعم الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية. ذلك أن هذه الشعوب وفق هذه الصورة لا تعرف إلا الاستبداد ولا تستطيع أن تعيش مع غيره، فالحرية هي نتاج غربي وهي حكر عليه فقط. هذا ماجعل صموئيل هنتغتون يعتقد ان الإسلام لا يمكن أن يتصالح مع الديمقراطية، وهذا ماجعل جاك شيراك يستقبل بشار الأسد أثناء حياة أبيه، وجعل أوروبا تتعامل مع أبناء القذافي على أنهم شخصيات سياسية، ويوافق ضمناً على فكرة وراثة جمال مبارك لأبيه. هذه الصورة هي ماجعلت الغرب يقبل فكرة التوريث وفكرة الدخول بشراكات اقتصادية مع أنظمة عربية تنتهك حقوق الإنسان كل يوم، وكأن الثقافة العربية تقبل مثل هذا الأمور من الحاكم وليس هناك مايدعو إلى الاستهجان، حتى لو تم بذلك كسر كل دساتير الجمهوريات، لأن التقاليد الثقافية أقوى، والشعب يسلك وفق ذهنيته وليس وفق الدساتير.

الأنظمة الاستبدادية هي قدر الشعوب العربية، لأن الإنسان الخائف يرى في النظام الاستبدادي ملجأ وحماية وليس خصماً. هذه الصورة غذتها كثيراً الأنظمة العربية نفسها عن مواطنيها. فالمواطن العربي ليس مؤهلاً للديمقراطية كما يقول بشار أسد في مقابلة صحفية أخرى، لأنه لم ينضج بعد. كان الخوف الذي زرعته تلك الأنظمة التي ثارت عليها شعوبها يؤكد الصورة نفسها التي يحملها الغرب واسرائيل عن العربي. كائن خائف، يفتقد للمبادرة، و لا يعرف أن يريد، إنه يطيع فقط. إن هذه الأنظمة الجمهورية، العسكرية، الوراثية، قد قدمت في سلوكها السياسي كل مايحتاجه الغرب واسرائيل لتعزيز الصورة النمطية عن العربي. وهذه واحدة من الأسباب غير المعلنة التي جعلت الغرب يدعم هذه الأنظمة لأنها تكرس صورة لا تخدم الغرب واسرائيل سياسياً فقط، ، بل تخدمه ثقافياً أيضاً من أجل الحفاظ على صورة الغرب عن ذاته وصورة الآخر المناقض له في كل شيء.

الغرب اليوم بعدما داهمته ثورتا تونس ومصر، وخرج يعلن أنه يؤيد الربيع العربي اتفاقاً مع قيمه الثقافية المنادية بالحرية، بدأ يشعر بالإنعطاف الحاد بالذي يصنعه هذا الربيع في كل شيء، سياسي وثقافي. والأهم من كل ذلك يُشعر اسرائيل مرة ثانية بأهمية الأنظمة الاستبدادية في الحفاظ عليها. إن أقل شيء تفعله هذه الأنظمة هو الحفاظ على خوف الإنسان العربي من صناعة تاريخه وقدره ومستقبله. إن مايقال اليوم عن احتمالات حرب أهلية في سوريا واليمن، وعن انفلاتات أمنية، وحروب طائفية وعشائرية… لغة تخفي عودة التفضيل الخفي أو المعلن للأنظمة الاستبدادية، ولغة بدأت تشعر بخطورة مايحدث، من أن هذا الإنسان قد امتلأ شعوراً بأنه قادر على صناعة المستحيل، وقد يذهب إلى أبعد من مجرد تغيير أنظمة سياسية.’ أستاذ جامعي وباحث سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية