منذ إعلان الرئيس إنه يخضع للعزل الذاتي بعد أن ثبتت إصابة العديد من كبار مساعديه بفيروس كورونا، شكل الخبر مادة دسمة للمتابعين، غطت على حملة للترويج لتعديل الدستور.
الدوحة ـ”القدس العربي”:انشغل الجزائريون عشية الاستفتاء الذي طرحته السلطة لتعديل الدستور، بوضع الرئيس عبد المجيد تبون الذي يتلقى العلاج في ألمانيا، وانصب اهتمامهم على مستقبل البلد الذي يواجه تحديات، فرضها حراك شعبي دفع بوتفليقة للانسحاب من المشهد.
وجذب نقل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى مستشفى بألمانيا لإجراء “فحوصات طبية” حسب ما أفاد التلفزيون الرسمي، اهتماماً محلياً، ودولياً واسعاً، وتصدر النبأ النشرات، مع ما يطرحه الأمر من تساؤلات.
منذ إعلان الرئيس البالغ من العمر 75 عامًا إنه يخضع للعزل الذاتي بعد أن ثبتت إصابة العديد من كبار مساعديه بفيروس كورونا، شكل الخبر مادة دسمة للمتابعين، غطت على خبر الحملة الدعائية التي تقوم بها السلطة للترويج لتعديل الدستور.
وحتى من دون إعلان رسمي بأن اختبار تبون كان إيجابيًا لكوفيد-19 لم تتوقف التكهنات حول مصيره، خصوصاً وأن الأمر تلاه خبر توجهه إلى ألمانيا لإجراء “فحوصات طبية متعمقة بناء على توصية من الطاقم الطبي” بحسب بيان من مكتب تبون لم يحدد سبب علاجه.
وغطت أخبار الرئيس الموجود في منصبه منذ أقل من عام، بعد أن حل محل الرئيس الجزائري المخلوع عبد العزيز بوتفليقة، لتؤثر أكثر على حماسة الجزائريين في الأسابيع الثلاثة الماضية.
واستدعي نحو 25 مليون ناخب لإبداء رأيهم في التعديل الدستوري الذي يرتجى منه إنشاء “جمهورية جديدة” والاستجابة لتطلعات الحراك الاحتجاجي، على حد وصف السلطة.
وكان الرئيس تبون اقترح التعديل، بعدما شكّل أحد وعوده في الحملة الانتخابية الرئاسية، واصفاً إياه بأنه “حجر الزاوية في تشييد الجمهورية الجديدة”.
دعوات لإصلاح حقيقي
وصبت آراء المحللين للشأن الجزائري أن محتوى الدستور المعدل لا يشكل أي تحد حقيقي، من منطلق أنه لم يأت بجديد يفرقه عن الدستور الحالي، أو دستور بوتفليقة.
ويركز المعارضون لخيار السلطة انتقادهم لتوجه السلطة نحو تعديل الدستور، واعتباره رهاناً أساساً، من دون الاستجابة للمطالب الحقيقية التي تؤكد على ضرورة إحداث قطيعة مع ممارسات النظام السابقة.
التصريحات الرسمية لأقطاب النظام الجزائري حول حتمية التغيير عبر استحقاقات انتخابية لا تزال محل تشكيك، يعتبرها خبراء أنها تعاكس المطلب الأصيل للمحتجين وهو القطيعة مع النظام.
وأشار معهد واشنطن للدراسات في ورقة بحثية نشرها، أن استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بعد عشرين عامًا من حكم البلاد، شكلت في الواقع حدثًا بارزًا في الحياة السياسية المعاصرة في الجزائر. لكنه استطرد أن الأسابيع القليلة الماضية، أظهرت أن استقالته لم تكن سوى بداية سلسلة أحداث سياسية غير متوقعة، إذ خلقت مناخًا سياسيًا أكثر تعقيدًا كما اتضح اليوم.
وعلى الرغم من التظاهرات المستمرة والتي توقفت مؤقتاً بسبب جائحة كورونا، ستحتاج البلاد، بحسب توقعات كثيرة، إلى المزيد من الوقت لإرساء دعائم الاستقرار، إما من خلال الانتخابات، كما ينص الدستور، أو الإجماع حول فترة انتقالية سياسية، كما تطالب بعض القوى الاجتماعية والسياسية.
ويشكل الخيار الثاني، أي فترة انتقالية سياسية، حجر الزاوية في مطالب المعارضين لتوجهات السلطة.
ويذهب التيار المعارض لاستفتاء الدستور مع توقعاتهم أن نتيجته لن تختلف عما سبقه من استحقاقات، على ضرورة المضي في إصلاحات حقيقية تؤسس لدعائم انتقال في البلاد.
ويشدد معارضو التعديل في انتقادهم لمسار التعديل، أن السلطة تمضي في تنفيذ أجنداتها، حد طرح التعديل وحدها، من دون الأخذ بتوجهات الشارع، لتثبت بالواقع، أن لا تغيير منتظرا من الناحية السياسية، وأن تعديل الدستور مجرد “كرنفال” لا معنى له ولا يؤسس لأي تغيير فعلي، حيث أن محتوى التعديل لم يحقق أي من تطلعات الشعب من أجل إعادة السلطة للشعب.
انعدام الثقة بين النظام والشعب
ويرى باحثون أن عدم ثقة المتظاهرين بالمؤسسة الحاكمة الجزائرية، أفشل هذه المحاولات، ومحاولات أخرى سابقة، لفرض خريطة طريق النظام نحو الانتقال في الجزائر. فقد سعى قائد الأركان الراحل قايد صالح، أن يقسم الحراك الشعبي عبر خطوط إيديولوجية وإثنية والتذكير بالهوية الأمازيغية، واعتبار العلم الأمازيغي تهديدًا للوحدة الوطنية. ولكن خطابه اعتُبر على نطاق واسع عنصريًا ومهينًا لأحد أبرز رموز الهوية الجزائرية. وبالرغم من الجهود الدعائية، ما زال المتظاهرون غير مقتنعين بخريطة طريق القيادة العسكرية الحاكمة ويخشون أن تسمح الانتخابات، من دون أي تغيير منهجي سابق، ببساطة للنظام القديم بإعادة التكون بحلّة جديدة.
ويشدد مركز “إريس” الفرنسي للأبحاث السياسية، التأكيد على أن حركة الاحتجاج الحالية يقودها شباب جزائريون من الطبقة الوسطى، متعلمون جيدًا وناضجون سياسيًا، يطمحون للمشاركة السياسية والتغيير. ظهرت هذه الفئة بفضل التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي تم إحرازه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، واعتماد نظام السوق المفتوحة، وارتفاع الأجور، والتوظيف الجماعي الضخم.
كما تلعب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، على حد تأكيد الباحثين، دورًا مهمًا في مساعدة الجزائريين على نشر الأخبار حول الفساد، كبدائل للإعلام الخاضع للرقابة، وكذلك في بث الاحتجاجات وتنسيقها في جميع أنحاء البلاد ، خارج الهياكل السياسية التقليدية.
وغابت المعارضة عن مسار تعديل الدستور، وكانت منقسمة بين تيارين، أحدهما يقاطع الاستفتاء بشكل كامل ويعتبره محاولة لفرض خارطة طريق للنظام، وآخر يتحفظ على مضمونه ويعتبره غير توافقي.
ويقود تيار المقاطعة تحالف يسمى “قوى البديل الديمقراطي” ويضم أحزاباً ومنظمات يسارية وعلمانية، وحتى أطراف معروفة باتجاهها الإسلامي.
واعتبرت تلك الأحزاب في بيان لها قبل الاستحقاق أن “النظام يصر على فرض سياسة الأمر الواقع من خلال استفتاء أول نوفمبر لتمرير تعديل الدستور”.
أما التيار الثاني من المعارضة فيمثله الإسلاميون الذين دعت أغلب أحزابهم ومنظماتهم إلى التصويت بـ “لا” على المشروع بدعوى أنه يمثل “تهديدا لهوية البلاد الإسلامية، كما أنه صيغ بطريقة غير توافقية”.
لكنها لم تتحدث عن أبعاده حول ما يتعلق بمطالب المحتجين الداعين إلى القطيعة.
واقتصر حضور معارضي المشروع على شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت بحملات كبيرة داعية للتصويت ضده، أو المقاطعة.
“الجزائر الجديدة لا تختلف عن الجزائر القديمة، فنحن نرى الوجوه نفسها والممارسات نفسها التي عرفناها في عهد عبد العزيز بوتفليقة” يلخص أحد المشاركين في الحراك الشعبي، وتحدث عن التحديات التي يواجهها البلد.
تحديات
وتواجه الجزائر تزامناً والاستحقاق الانتخابي تحديات اقتصادية واجتماعية تعجز السلطة حتى الآن في الاستجابة لها وفق المؤشرات المسجلة في الفترة الأخيرة.
ويمر البلد بأزمة مالية تلوح في الأفق، بسبب سنوات من انخفاض عائدات الطاقة، وضعف القطاع الخاص، حيث الإصلاحات قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية في البلاد.
وعلى الرغم من إقرار الحكومة والبرلمان علنًا، بالحاجة إلى إجراءات طويلة الأجل لتقليل العجز، إلا أنهما يواجهان أيضًا أكبر تحد لسلطة الدولة منذ الحرب الأهلية في التسعينيات.
ويرى الخبراء أن السلطات الجزائرية لم تفكر كثيراً في إيجاد البدائل للمداخيل النفطية، ذلك أن طبيعة نظام الحكم، جعلت آلية الإنفاق العام تستخدم كوسيلة من وسائل التحكم في الوضع العام للبلاد، وذلك باتجاه التصرف في أموال الدولة بصورة إدارية لا تمت للمنطق الاقتصادي بصلة.
وتذهب الدراسات التي تتناول الشأن الجزائري، التأكيد على أن شراء السلم الاجتماعي قد دفع إلى تبني سياسات واسعة للدعم، عن طريق التحويلات الاجتماعية وذلك بتخصيص نصف ميزانية الدولة للسنة المقبلة 2021 في شكل مساعدات اجتماعية مباشرة وغير مباشرة. بما يقارب 4000 مليار دينار (ما يقابل 31 مليار دولار تقريباً). وهو ما يعني الإبقاء على صيغة الدعم الشامل دون التفريق بين مختلف أصحاب المداخيل، وهو النهج المتبع منذ العام 2011 عند انطلاق ثورات الربيع العربي. حيث رفعت السلطة آنذاك مستوى الإنفاق العمومي بـ 60 في المئة دفعة واحدة من أجل مواجهة أي اضطرابات اجتماعية في علاقة مع سوء الأحوال المعيشية.