الفيلم الفلسطيني «ميلاد مُر»… شاعرية التناول الدرامي وقسوة الحدث الواقعي

ما بين الصورة الواقعية للحياة القاسية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، والمحاكاة الدرامية مسافة يُدركها جيدا المخرج محمد فرحان الكرمي، لكنه آثر أن لا يأتي فيلمه «ميلاد مُر» سوداويا صادما على النحو الذي يوحي به العنوان، إذ ترك المعنى متواريا خلف الصورة، ومُتضمنا في ثنايا الحوار الحي بين الأبطال، واللغة الشاعرية الخاصة الحاملة للأوجاع الشخصية والعامة، فهكذا يكون التأثير الأقوى من وجهة نظره، حيـــث البُعد عن التباكي والرثاء، وآيات الضجر المتكرر وعبارات العزاء الغثة.
بدأ الفيلم أحداثه بنعومة، كأنه ينقل الصورة المضادة ليُنبئنا بما هو مخبأ داخل النفوس، وخلف الجدران، وفي صوت القيثارة التي تشدو شدوا حزينا شفيفا، فنسمع ويسمع العالم آهاتها، ونعي الرسالة المعزوفة على الأوتار الحزينة بفيض من مشاعر الشاب الرقيق الذي بات يرى الحياة كُلها في آلته الموسيقية الحساسة، فيظــن أنه امتلك الدنيا بين أصابعه، بينما ترفض أمه الخبيرة بدروب المآسي والأحزان، استسلامه لغواية العزف، وتدفعه إلى ميدان العمل كي يُصبح أكثر استعدادا لأهوال الجوع والعوز، فلا يصير صيدا سهلا لأولئك المتربصين بمستقبله وعمرة وشبابه.
وعلى هذه الخلفية يأخذنا صاحب الرؤية السينمائية النافذة إلى أغوار الحكايات اليومية وقصص الكفاح وتفاصيل المحنة، لكنه لم يتخلَ عن رومانسيته، ولم يفقد إيمانه بالسلام الداخلي، الذي تتمتع به شخصيات فيلمه الواقفة على أعتاب المستقبل، تنشد الأمن وتستشرف الطمأنينة في الغد المنظور، فها هو رب الأسرة الفلسطينية، يعتني بشجرة الصفصاف الوارفة ظلالها على البيت، ويجتهد في تقويم أغصانها المائلة كي تستقيم بلا انحناء، في دلالة عبقرية لرمزية المشهد، وعمق الفكرة المنبثق منها المعنى. وعلى امتداد الأحداث لا يكف الراوي عن تلاوة أبيات الشعر المنظوم على قافية الوجع، وأنين الروح التواقة إلى الاستقرار، فبين الشطر والشطر تتكون الصور الإنسانية، ويتجدد الطواف حول أزمنة الكبد والرمق وعذابات الاعتقال والحصار من غير يأس أو قنوط أو خنوع ، وتصدح الموسيقى مأخوذة برياح الغضب المكتوم، في صدور المعذبين في أراضيهم وأوطانهم، المسجونين في صمت الرفاق والأشقاء ودُعاة التفاوض وهواة الجلوس حول الموائد المُستديرة، كل في محله المختار، وحسب راحته وانسجامه ومقعده الوثير على عرش الشعارات والأماني والأغاني، على مقربة من العدو الواقف على أبواب القرى والمدن الفلسطينية، يُمعن في القتل والانتهاك وسفك الدماء وإجهاض الأمهات حتى يقطع دابر النسل والسلسال، فلا تجد القضية العادلة من يحمل لواءها ويرث نضالها التاريخي المقدس. يغاير المخرج طبيعته الرومانسية ويغير لوحات إبداعه السينمائي الشجي، ويذهب مضطرا إلى الصورة الواقعية في معترك المواجهات اليومية لنُبصر بأعيننا، ما جنته الآلة الصهيونية التي أتت على كل مُبهج، فحولت الأحلام إلى كوابيس، ولم تدع عصابات القتل ذنبا إلا اقترفته، ولا بيتا إلا هدمته، فلم يحُل بينها وبين الخراب قانون أو قوة، حتى بيوت الله أغلقتها سُلطاتهم الهمجية، وأبعدت المُصلين عن حرم المساجد وباحاتها، وكذا كان الفعل ذاته في الكنائس بلا ورع أو خوف! لذا جاء السياق البانورامي للجزء التسجيلي في الفيلم مُعززا لفكرة الوحدة الوطنية ولُحمة الشعب الفلسطيني، فلم يتحمل ضريبة الدم، إلا أبناء فلسطين المرابطون على كل الجبهات وفي القلب منهم الفقراء، الذين رمز إليهم المخرج بشخصية تاجر الروبابيكيا، الفقير الذي عاش حياته مُتطلعا للحب، آملا في حياة أسرية سعيدة مع من خفق لها قلبه، لكنه كان أول المضحين في سبيل القضية، إذعانا لقدره، وتلبية لنداء وطنه، وهو المعنى الرمزي المضاف أيضا لبقية المعاني المقروءة بين السطور.
لقد جاءت الرسالة الرومانسية التي بعث بها محمد الكـرمي عبر فيلمه الغني بليغة في لُغتها وخصوصيتها ودلائلـــها الذكية، فمن الصورة الشاعــــرية تولدت المقاومة من داخل النص الدرامي ذاته بلا أدنى محاولة للمزايدة، أو المتاجرة أو اللعب على وتر الاستعطاف والاستجداء، بل على العكس كان الإباء والكبرياء ملمحين مُتجليين في العنوان والمتن، فليس هناك أمرّ من ميلاد يتزامن مع الموت ويترقــــب الفناء، إلا ذلك الميلاد التاريخي لقضية الوجود والحدود.. يقطر شهدا وله رائحة المسك.

٭ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية