جدل إنشاء إقليم للسنّة في العراق: تخلص من «التهميش والاضطهاد» أم «تقسيم»؟

حجم الخط
2

بغداد ـ «القدس العربي»: منذ سنوات وتشهد الساحة السياسية في العراق طرح فكرة إقامة إقليم للعرب السنّة لإدارة المحافظات الغربية في العراق، والتي يقطنها أبناء المكون السني، إلا أن المشروع، وحسب ما يرى المراقبون، لم يتعد كونه مطلبا شعبيا لم يرتق إلى مستوى مشروع سياسي، في ظل الانقسام بين القوى والأحزاب السياسية السنية.
من الناحية القانونية يسمح الدستور العراقي (صوّت عليه في 2005) بتشكيل الأقاليم، حيث تنص المادة (116) منه على أن النظام الاتحادي في العراق يتكون من عاصمةٍ وأقاليم ومحافظاتٍ لا مركزيةٍ وإدارات محلية، كما وتحدد المادة 120 آلية تشكيل أي اقليم في البلاد. مع ذلك، تشكيل اقليم سني لا يواجه أي عائق قانوني بقدر ما يواجه عوائق سياسية، حسب مراقبين.
وتتباين آراء القوى السياسية السنية حتى هذه اللحظة تجاه فكرة الإقليم، وهي مقسمة بين من يرى التوقيت غير مناسب للذهاب به قدما، ومن يرى الحفاظ على وحدة العراق وضرورة حل المشكلات على أساس الوحدة الوطنية، كل ذلك، وسط غياب تبني أي طرف سياسي سني للمشروع بشكل علني ورسمي.

«الوقت غير مناسب»

رئيس حزب بيارق الخير النائب محمد الخالدي يقول في تصريح لإعلام حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» إن «الإقليم أمر دستوري، لكن لا اتصور أن الوقت مناسب الآن. هناك انقسامات ومشاكل، وخاصة اقتصادية» لافتا إلى أن «البلد الآن في وضع مادي صعب ولا يتم حتى صرف الرواتب» مبيناً أن «الأوان ليس أوان إعلان الإقليم السني».
وأشار الخالدي المنتمي أيضاً «للجبهة العراقية» بزعامة أسامة النجيفي، إلى أن «هناك جهات سنية تعمل على تأسيس إقليم سني، إلا أن الوضع السياسي الآن لا يسمح بتشكيل إقليم سني ولابد أن تكون هناك أجواء مناسبة لذلك».

«وحدة العراق»

النائب السابق حامد المطلك، رأى ضرورة الحفاظ على وحدة العراق، معتبرا تشكيل الأقاليم «هو إدخال البلد في المشكلات».
وأضاف: «لا أحبذ موضوع الأقاليم فهو يدخلنا في مشاكل كثيرة، وحتى إقليم كردستان لا تزال هناك قضايا عالقة بينه وبين الحكومة الاتحادية لم تحل حتى الآن» مشددا على ضرورة «الحفاظ على وحدة العراق ومستقبل البلد وأبنائه، لذلك يجب أن تحل جميع المشاكل على أساس الوحدة الوطنية، بغض النظر عن مسمى الإقليم سنيا كان أم شيعيا أم كرديا».
وبين أن «هناك واقعا في العراق منذ 2003 وهو أن هناك إقليم للكرد هو إقليم كردستان وما تبقى من البلد لم يتكون من أقاليم. من وجهة نظري أرى أن نبقى على هذا النموذج والاستفادة من كل الإيجابيات والسلبيات التي حدثت من ذلك، ونعمل على تعزيز أواصر وحدة وطنية حقيقية والحفاظ على وحدة البلد» مؤكدا أن «من الافضل الآن عدم إدخال البلد في متاهات أخرى، بعض المشاكل عالقة لحد الآن من 17 سنة ولم تحل، لذلك أرى أن الرجوع إلى مبدأ الوحدة الوطنية الحقيقية والعراق الواحد أفضل».

أقاليم إدارية

وزاد: إن «كان لابد من الأقاليم فلابد أن تكون أقاليم إدارية وليست أقاليم مذهبية أو قومية للحفاظ على وحدة البلد. الأقاليم على أسس طائفية أو قومية لن تخدم البلد وستدخلنا في مشاكل كثيرة». وقد شهدت الساحة السياسية السنية ومنذ تحرير العراق في 2003 محطات بارزة كان لها دور في وجود الدعوات لإقامة الإقليم، حسب مراقبين.
ففي 2003 قاطعت القوى السياسية السنية المشاركة في الحكومة ومؤسسات الدولة وكان المتصدر في هذا المشهد «هيئة علماء المسلمين» كما قاطعت القوى السنية التصويت على الدستور بادئ الأمر في 2005 لتعود وتتراجع عن قرارها وتشارك في عملية التصويت.
أما في عامي 2006 و2007 فكانت الحرب الطائفية في العراق والتي استعرت بشكل غير مسبوق، تبعها بروز تنظيم «القاعدة» حيث قام السنّة بتشكيل الصحوات في 2008 لمحاربة «القاعدة» وقاد هذا الحراك يومها كل من أحمد أبو ريشة وعبد الستار أبو ريشة.
وفي 2012 وأثناء ولاية حكومة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، أعلن عن إقليم صلاح الدين وديالى، لكن ملف الإقليم بقي في درج مكتب رئيس الوزراء حسب محللين من السنّة.
وبعد 2012 ولغاية 2014 شهدت المحافظات السنية حراكا شعبيا تمثل بتظاهرات واعتصامات عدة، ليتبعها بعد ذلك بروز تنظيم «الدولة الإسلامية» في 2014 واحتلال المدن في المحافظات الغربية، وليتم بعد عامين في 2016 و 2107 تحرير هذه المدن.

محلل سياسي يؤكد وجود رغبة شعبية في تشكيله… وسياسيون يستبعدون

في ظل الأحداث التي شهدتها المحافظات السنية ظهرت الدعوة لتشكيل إقليم يجمع هذه المحافظات، بيد أن سياسيين ومحللين سنّة يعتبرون أن هذا المطلب لا يزال شعبيا ولم يصبح مشروعا سياسيا.
نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، النائب ظافر العاني، قال: «الدعوة للإقليم تظهر وكأنها طوق نجاة في كل مرة يتم فيه الاعتداء على أبناء المحافظات المحررة ومصالحهم، وآخرها ما حصل في جريمة الفرحاتية حيث تصاعدت مطالب شعبية تنادي بالإقليم ولربما لما هو أبعد من ذلك».
وبين أن «ردود الفعل هذه ما تزال في إطارها المعنوي والعاطفي ولم تتحول بعد لمشروع سياسي، فدعاة الإقليم يجدون صعوبة في إقناع غالبية المجتمع السني بالإقليم، خصوصا مع القلق من فكرة التقسيم أو الحرب الأهلية التي قد تنشب على الحدود والموارد».
وأضاف: «الدعوة لإقليم المحافظة الواحدة يجد اليوم رواجا أكثر من ذي قبل، مع نفاد الأمل عند الناس بتغير ملموس لموازين القوى والمنهج الإقصائي في المركز واستشراء المليشيات في المحافظات المحررة».
الكاتب والمحلل السياسي، علي البيدر، أكد أن الإقليم السني سيرى النور سواء عاجلا أم آجلا، مشددا على أن هناك رغبة شعبية حقيقية في تشكيله.
«خيار مجتمعي»

ورأى أن «المطالبة بالإقليم للسنة حاجة مجتمعية وتوجه سياسي» مشيرا إلى أن «بعض السياسيين عندما يشعرون بالتهميش أو يتم إقصاؤهم أو إبعادهم خارج المشهد يقومون بالتلويح بهذه الورقة للضغط على الطبقة السياسية».
ومضى بالقول: «على المستوى الشعبي هناك رغبة حقيقية أخذت تتعزز بعد أن وصل الظلم والتهميش والإقصاء إلى طبقات بسيطة من المجتمع العربي السني في العراق، بعد 2003 كان الحديث عن إقصاء وتهميش النخب والطبقة المتقدمة داخل المجتمع، الآن وصل الظلم والتهميش والاضطهاد إلى أعمق نقطة في المجتمع».
وتابع: «هناك مجاميع مسلحة داخل المناطق السنية هي من تدير الحياة في هذه المناطق، ونتحدث عن وجود نازحين، وقوانين الهدف منها ضرب هذا المكون مثل قانون المساءلة والعدالة».
وأشار إلى أن «البعض أخذ يفكر بما هو أبعد من الإقليم حيث يفكر بالانفصال أو الكونفدرالية أو تأسيس دولة بين المناطق السنية وإقليم كردستان، أو اللجوء إلى دولة مجاورة والانضمام لها» مشددا على أن «خيار الإقليم خيار مجتمعي يحتاج إلى تنظيم وعمل مؤسساتي ليكون مشروعا ناضجا» منوهاً أن «قبل عام 2014 كان هناك مطلب حقيقي من قبل بعض السياسيين في محافظة صلاح الدين وصل إلى إدراج مكتب رئيس الوزراء لكن لم يتم تفعيله لأسباب سياسية».
وزاد: «الاخفاقات كبيرة وتتفاقم يوما بعد آخر وقضية الإقليم السني لا مناص منها، سوف تتحقق عاجلا او آجلا بعد الظلم الذي عاشه هذا المكون» لافتاً إلى أن «تحقيق مطلب الإقليم ربما يتأخر بحدود عقد من الزمن لكنه سيتحقق، إن فكرة هذا الطموح تشبه فكرة إقليم كردستان، الذي كان جزءا من العراق وحصل على حكم ذاتي وبعد 2003 كان له وضع خاص، وبعد فترة صوت على الانفصال عن العراق ليكون دولة مستقلة».
ورأى أيضا أن «العراق مضى قرن على تأسيسه وهو في حاجة إلى إعادة النظر في الكثير من القرارات التي اتخذت في السنوات السالفة وبعقليات وأمزجة وظروف اخرى. اليوم الظروف متغيرة عدد السكان تطور، والتقنية أصبحت متوفرة وكل ذلك يمهد لحصول القومية والمذهب العربي السني على إقليم وربما تمهيدا لإقامة دولة لهم».
الملفت والمثير في طرح تشكيل الإقليم السني هذه المرة تزامنه مع إجراء الانتخابات الأمريكية، حيث سيتنافس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، صاحب فكرة تقسيم العراق، فضلا عن أن عضو مجلس النواب غضنفر البطيخ النائب عن تحالف «الفتح» الذي يتزعمه هادي العامري، رئيس منظمة بدر واحد الشركاء في الحكومة الاتحادية، أعلن أن هناك حراك على الأرض لتشكيل الإقليم السني وبدعم أمريكي، فهل فعلا في حال فاز بايدن بالرئاسة الامريكية سيتم تشكيل الاقليم السني؟ أم ستذهب الفكرة في مهب الريح إن فاز ترامب بولاية جديدة؟

فكرة تقسيم العراق

الكاتب والمحلل السياسي، علي البيدر قال إن «نتائج الانتخابات الامريكية ليس لها تأثير على العراق فحسب بل على المنطقة برمتها، وسينعكس ذلك على مشروع الاقليم السني، فحينما يفوز مرشح الديمقراطيين جو بايدن بالرئاسة الأمريكية سيحصل هذا المشروع على أرضية جيدة وسقف جيد، فالأرضية هي المطالبة الجماهيرية، والسقف له هو بايدن صاحب فكرة تقسيم العراق» مشيرا إلى أن «هناك جهات سياسية عربية سنية كثيرة تتبنى فكرة الإقليم وتدعمه لأنها تريد الخلاص من واقع الحال وتحكم الآخرين».
ومضى يقول: «أما إن كان إقامة الؤقليم العربي السني تتناغم مع توجهات ترامب فالخير آت، وسيمضي بهذا المشروع وإن كان عكس ذلك ربما يجهض هذا المشروع، لكن أنا أرى أن توجهات ترامب تدعم هذا المطلب حتى وإن كان بشكل غير مباشر والدليل أن قاعدة عين الأسد وهي أكبر قاعدة للأمريكيين في العراق متواجدة في مناطق العرب السنة، وسينقلب الحال عندما يتواجد ترامب ثانية في السلطة وقد يكون داعما للمشروع بطريق غير مباشرة».

«تبني دولي وإقليمي»

في السياق، أعرب، السياسي والنائب السابق محمد الصهيود، من ائتلاف «دولة القانون» عن الخشية من أن يكون تشكيل الإقليم السني توجه نحو تقسيم العراق.
وقال إن «النظام في العراق بعد 2003 اتحادي، والأقاليم نظام معتمد عالميا وهو عبارة عن تقاسم الصلاحيات بين السلطة المركزية وسلطة الإقليم» مشيرا إلى أن «هذا يكون في الظروف الطبيعية للبلد، ولكن في العراق وفي الظرف الحالي لا يبدو أن موضوع إقامة الإقليم السني هو لتقاسم الصلاحيات بقدر ما هو ربما توجه باتجاه التقسيم، باعتبار أن مشروع التقسيم مشروع قائم ومتبنى من قبل قوى إقليمية ودولية، لذلك عندما نخشى من إقامة الإقليم السني أو أي اقليم آخر، فإننا نخشى من تقسيم البلد، لذا يجب أن لا نذهب في هذا الاتجاه لإقامة أي اقليم على الأقل في الوقت الحاضر إلى حين أن يستقر الوضع في العراق، سياسيا واقتصاديا، ويصبح في حكم المؤكد أن إقامة الإقليم هو توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، أما إن كان الغرض من هذا الإقليم هو البداية إلى التقسيم، فأعتقد أن هذا الموضوع صعب جدا».
وأضاف: «نتمنى في الوضع الطبيعي عندما تقام الأقاليم أن لا تقام على أسس طائفية أو فئوية، الإقليم السني والشيعي والكردي، لأن إقامة هكذا أقاليم على أساس طائفي أو فئوي سوف يكون بالنتيجة تقسيم البلد، لذلك لست مع هذا التوجه على الأقل في الوقت الحاضر».
ورفض، المقارنة بين المطلب بتشكيل الإقليم السني وإقليم كردستان حيث قال إن «إقليم كردستان ليس وليد هذا اليوم ولم يكن وليد الظروف الحالية، إنما بعد 2003 مباشرة وحتى قبل ذلك في زمن النظام الصدامي المحافظات الثلاث (أربيل- السليمانية- دهوك) هي كانت تقريبا شبه إقليم، وهو ليس وليد الظروف».
ورأى الصيهود، الذي كان نائبا عن محافظة ميسان، أن الحكومة الاتحادية لا تتدخل في شؤون المحافظات، وقال: «المحافظات سواء كانت الجنوبية أو الوسط أو الغربية لا تتدخل الحكومة المركزية في العمل الإداري لها، وهي شبه إقاليم وليس هناك نظام مركزي من قبل الحكومة المركزية تجاه البصرة أو باقي المحافظات، على سبيل المثال لم يكن هناك محافظا لميسان من أهلها في زمن صدام، وكانوا من المحافظات الأخرى، اليوم محافظ ميسان منها وهناك حرية في المحافظات والانتخابات تجري».
وتابع: « إن كانت هناك مظلومية لهذه المحافظة أو تلك فإن المظلومية ليست من الحكومة المركزية لأنها لا تتدخل في إدارة المحافظة، والمظلوميات التي تحصل فهي تحصل من الادارات المحلية للمحافظات، وهذا ليس مبرر لإقامة الأقليم، بل على العكس إن الفشل في إدارة المحافظات من قبل إداراتها المحلية هذا لا يعطي مبرر بأن نذهب باتجاه الإقليم لأنه في إدارة محافظة وحدة فشلنا فكيف نذهب إلى إقليم يتكون من عدة محافظات».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية