قفصة – الأناضول: بعد أن كانت ثالث أكبر منتج لمادة الفوسفات في العالم قبيل الثورة، وتحديداً في 2010 بإنتاج فاق 8 ملايين طن، أصبح قطاع الفوسفات في البلاد معطلاً ومتعثراً، لأسباب تشغيلية واحتجاجات تطالب بالتشغيل.
وخلال وقت سابق من العام الجاري، لجأت تونس لأول مرة في تاريخها، إلى استيراد الفوسفات بسبب تعطل إنتاجها. ففي أواخر الشهر الماضي، وصلت إلى الميناء التجاري في مدينة قابس جنوب شرقي تونس، سفينة مُحملة بـ 16.5 ألف طن من مادة الفوسفات، آتية من ميناء عنابة الجزائري.
وفي تصريحات سابقة له، أعلن عبدالوهاب عجرود، الرئيس المدير العام للمجمع الكيميائي التونسي، أن البلاد اتبعت خطة لتوريد 500 ألف طن على دفعات من الفوسفات، ما يعادل مخزون استهلاك شهر لوحدات التحويل التابعة للمُجمّع.
وفي منطقة الحوض المنجمي في محافظة قفصة الجنوبية معقل مناجم الفوسفات في البلاد، يتواصل تعطل الإنتاج مع استمرار التوقف الجزئي في عملية إمداد معامل المُجمّع الكيميائي، و»الشركة التونسية الهندية لصنع الأسمدة». هذا التوقف، دفع المُجمّع إلى التوقف عن العمل منذ أكثر من 10 أيام.
وحتى منتصف الشهر المنصرم بلغت كمية الإنتاج 2.8 مليون طن من الفوسفات، وإلى 3 ملايين طن نهاية الشهر الفائت، حسب مصدر مسؤول في «شركة فوسفات قفصة» طلب عدم الكشف عن اسمه.
وكباقي شركات القطاع العام الذي تأثر بتداعيات التغير السياسي والاجتماعي بعد الثورة، تعيش الشركة صعوبات عديدة.
وأصبح الاحتجاج على الطريق الواصل إلى الشركة وسيلة الضغط الوحيدة على الحكومة، للاستجابة لمطالب التشغيل من جانب مواطنين، ما أثر على حجم الإنتاج ووصوله إلى أقل من ثلاثة ملايين طن، نزولا من 10 ملايين قبل 2010. وعلى الطريق الذي يربط بين مقاطع الإنتاج والمغسلة الرئيسية في الرديف، يعتصم العشرات من شباب الرديف لمنع مرور شاحنات نقل الفوسفات من أن تصل إلى المغاسل.
ويقول المحتج منصف بالخيري «نحن هنا بشكل يومي.. نوزع المحتجين على مدار أمس لضمان حضورنا الدائم لمنع مرور شاحنات نقل الفوسفات».
ويضيف ‹»طلبنا من الشركة أن تستأنف عملها وسنسمح بوصول الفوسفات إلى المغاسل، ولكن بشرط أن لا يتم إخراجه وتسويقه إلا بعد أن تتم الاستجابة لمطالبنا المتمثلة بالتشغيل».
ويقول زميله عبد القادر رحيلي «هذه الدولة تماطلنا منذ أكثر من خمس سنوات، مع كل تغيير حكومي تطلب منا الجهات الرسمية مهلة من 3-4 أشهر، نرفع الاعتصام ونسمح باستئناف العمل، لكن مطالبنا لا تتحقق».
ويضيف «الرئيس السابق الباجي قائد السبسي وعدنا بتسوية الوضعية، كذلك فعل الرئيس الحالي قيس سعيد، انتخبناه بناءً على وعوده التي قال فيها سيكون صوت الشباب.. يبدو أنه أخل بوعده…نحن لن نسمح بعمل الشركة.. إما حقنا في العمل وتوفير الوظائف أو أننا هنا مرابطون، لن ترهبنا سياسة الحكومة».
وحسب بيانات معهد الإحصاء الحكومي في تونس، فقد ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى 18 في المئة خلال الربع الثاني 2020، مقابل 15.3% في الربع الأول، وبلغ عددهم أكثر من 746 ألفا.
وتتراكم جبال الفوسفات الجاهزة للتصدير داخل المغسلة الرئيسية في الرديف لأن المعتصمين يمنعون إخراجها.
ويقول أحد العاملين في الشركة «هذه نتيجة خيارات الجهات الحاكمة بعد الثورة بسياستها التشغيلية التي اتبعتها، وعمقت أزمة المناخ الاجتماعي والتشغيل العشوائي، وهو ما دفع آلاف العاطلين عن العمل للمطالبة بانتدابهم».
ويضيف «هنا 1.5 مليون طن جاهزة للتصدير، الأمر نفسه بالنسبة إلى مدينة أم العرائس، حيث يوجد 1.3 مليون طن جاهزة للتصدير أيضا.. نحن لا نعيش أزمة إنتاج، بل أزمة تسويق».
ولم ينظر المهتمون بنشاط الفوسفات في تونس إلى خبر استيراده، إلا كفعل إعلامي ضاغط، بعد التوقيف الممنهج لنسق حركية الإنتاج.
ويقول جمال فتّاح، وهو ناشط مجتمعي «خبر استيراد الفوسفات كان نتيجة حتمية ومنتظرة، بسبب تفاقم أزمه الشركة الفوسفات في قفصة داخليا ومع محيطها». ويرى أن «إبرام اتفاقية بين شركة فوسفات قفصة والشركة الوطنية للسكك الحديدية، وشركة نقل المواد المنجمية وشركة أشغال سكك الحديد (شركة تهتم بصيانة السكة) مع محيطها الاجتماعي، قد يمثل أحد الحلول للأزمة».
ويضيف «كما يمكن إنتاج 16 مليون طن من الفوسفات، وسيسهم في خلق 1500 فرصة عمل جديدة.. بذلك سيتم الحد من الاضطرابات الاجتماعية، ولكن الشركة لا رؤية إستراتيجية لها».
يذكر أن الشركة تأسست عام 1987، برأس مال 268 مليون دينار (95.7 مليون دولار) وتشغّل حالياً 7400 عاملا بطاقة إنتاج متوسطة قدرها 8.3 مليون طن سنوياً. ومنذ عام 2011 لم يتجاوز معدل إنتاجها 3.5 ملايين طنّ سنوياً. وتبلغ احتياطيات تونس المؤكدة من الفوسفات 7 مليارات طن.