الوحدة اليمنية: هل تبقى في ظل الثورة؟

حجم الخط
0

من تابع الثورة اليمنية، ثورة شباب التغيير منذ بدايتها قبل تسعة أشهر، يلاحظ أن الشعب اليمني بات أكثر وحدةً وتلاحماً عما قبلها، فقد شاهدنا خلال الأسابيع والأشهر الماضية، مظاهرات متواصلة في شوارع مدينة عدن بجنوب اليمن، تطالب برحيل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وبقايا نظامه ومحاكمتهم، وتتضامن مع عشرات القتلى ومئات من الجرحى سقطوا برصاص بلطجية نظام صالح، خلال خروجهم في مظاهرات سابقة في العاصمة اليمنية صنعاء، أو تحت قصفه المدفعي أو الجوي على أحياء الحصبة ومنطقة أرحب، وحي صـوفـان، غرب صنعاء. وفعل الشيء نفسه أهل الشمال اليمني، حينما أطلقوا اسم إحدى الجُمع (جمعة الانتصار لشعب الجنوب)، وكذلك احتفوا هذا الشهر بالذكرى الـ 48 لثورة الرابع عشر من أكتوبر، ضد الاستعمار البريطاني البغيض في عدن جنوب اليمن عام 1963، ليس في ساحة التغيير بصنعاء فحسب، وإنما في مختلف ساحات الحرية وميادين التغيير في اليمن.

ولم نشاهد مطلقاً وطيلة اشهر الثورة التسعة والانتفاضة اليمنية الحالية، في كافة مدن الجنوب اليمني خروج مظاهرات ترفع شعارات انفصالية، أو تطالب بانفصال الجنوب اليمني عن شماله، بل على العكس تماماً، فقد توحدت شعارات وحناجر المنتفضين في الشمال والجنوب، على إسقاط نظام صالح اليمني الموغل في الفساد.. ما جعل البعض من المراقبين العرب، يُغرقونَ في التفاؤل، وبالقول أن لا خطر على الوحدة اليمنية. لكننا كصحافيين، ومواطنين يمنيين في الوقت نفسه، صدمنا وشعرنا بخيبة أمل كبيرة، عندما سمعنا قبل أيام، وقرأنا يوم الاثنين الماضي24 تشرين- أكتوبر الجاري على صحيفة الأولى (العدد 249) اليمنية اليومية المستقلة، ضمن مقالة للزميل الصحافي شفيع العبد (غُيَبوا عن الجنوب.. فأعادتهم تعز للواجهة!) عن دعوات لقيادات في الحراك الجنوبي، تدعو إلى تشكيل مجالس عسكرية تناط بها مهمة قيادة الحراك خلال المرحلة المقبلة، وأن ثورة التغيير تخص الشماليين وحدهم ضد نظام علي صالح، وأن وسائل الإعلام اليمنية تجاهلت القضية الجنوبية خلال ثورة شباب التغيير، منذ تسعة أشهر، ودعوات كذلك لاستعادة دولة (الجنوب العربي الاشتراكية)، التي كانت في عدن، قبل الوحدة اليمنية، التي تتكاثر محاولات فصم عراها في الوقت الحالي، بعد 21 شمعة على توقيع اتفاقها بين الشطرين الشمالي والجنوبي، التي تكللت بالنجاح عام 1990، وبدأت تلك الدعوات تتصاعد لدى الكثير من قيادات مجلس الحراك الجنوبي ونشطاه، وليس أهل الجنوب اليمني ككل، خصوصاً مع صدور تقرير لمنظمة مجموعة الأزمات الدولية في العاصمة البلجيكية بروكسل، الأربعاء الماضي، تحت عنوان ‘نقطة الانهيار.. قضية اليمن الجنوبي’، داعياً إلى التحرك نحو نموذج فيدرالي، في الوقت الحالي، أو فدرالية (أربعة إلى خمسة أقاليم)، معتبرة أنه إذا تم تفويت هذه الفرصة، فإن ثمة مخاطرة في أن يصبح الصراع أكثر دموياً، وقد تصبح وحدة اليمن جزءاً من الماضي’. متناسية أي منظمة مجموعة الأزمات أو كأنها تذر الرماد في العيون، حينما تتجاهل أن خيار دولتين (شمالية وجنوبية) في اليمن، لمدة أربع إلى خمس سنوات، يتبعها استفتاء على الوضع النهائي للجنوب، يؤدي في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب اليمن، مثلما حدث مع جنوب السودان (إقليم ابيي)، والمطالبة بحصته من النفط السوداني.. وقد لا يستطيع البعض المجادلة، في أن السودان والعراق قبل انفصالهما وتقسيمهما إلى عدة دول فيدرالية وأقاليم صغيرة بأعلام طائفية مختلفة (إقليم آبيي بين الشمال وجنوب السودان، وإقليم كردستان العراق في شمال العراق)، على سبيل المثال لا الحصر، كانا موحدين، وأكثر قوة وأمناً، وأفضل حالاً عما بعد التقسيم، بكل المقاييس الأمنية والاقتصادية. ونخشى من أن يتكرر شبح ذلك التقسيم الطائفي الاثني ذاته وبجدرانه الأسمنتية العازلة الأكثر طائفية، والأقاليم الصغيرة ذاتها في اليمن. نعود لنقول أننا مع قضية الجنوب اليمني، وإعطاء إخواننا الجنوبيين كافة حقوقهم التي سلبت، وليس فقط أراضيهم ومنازلهم التي نهبت بالقوة العسكرية من قبل صقور نظام الرئيس صالح، وحولوها إلى مزارع خاصة بهم وقصور وفُلل لا تخلو من الفساد، في فترة التسعينيات بعد اتفاق الوحدة، وبضوء أخضر من الحكومة المركزية في صنعاء بشمال اليمن، وسوف يكون لهم ذلك، ولكن بعد رحيل نظام صالح وسقوطه، وعمل كافة اليمنيين في الداخل والشتات(الخارج)، على إقامة حكم ديمقراطي، ودولة يمنية مدنية موحدة ورشيدة، يكون الجميع سواسية أمام قوانينها النافذة. لكن من حقنا كيمنيين أن نقلق على وحدتنا ونضع أيدينا على قلوبنا، ونحذر من خطر تقسيم اليمن وتفتيتها إلى أقاليم، وكانتوناتٍ صغيرة، ستلتهم ما تبقى فيها من ثروات وخيرات، وتحولها ربما إلى ما هو أبعد من صومال أخرى، ونرفض في الوقت نفسه أي تدخل غربي، على هذا الأساس أو غيره، والذي نرى بعض ملامحه عن طريق مجموعة الأزمات الدولية، وقد لا نستطيع أن نتكهن كيف ستبدو صورة اليمن غير موحداً لا سامح الله. لكننا على ثقة أن الوحدة اليمنية باقية، رغم كل المؤامرات لفصم عراها، في ظل ثورة التغيير الناجحة لا محالة، لأن الشعب اليمني في الجنوب قبل الشمال، لا يريد سواها، وقد عانى من عذابات التقسيم والتشطير سنوات ليست قليلة.

محمد رشاد عبيد – اليمن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية