يوسف مكي في برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة حول الثورة في البحرين الذي بث مساء الثلاثاء الماضي 25/10/ 2011، والذي استضاف فيه الإعلامي فيصل القاسم شخصيتين بحرانيتين معروفتين بمواقفهما التي ينافحان عنها: هما السيدة سميرة رجب، والسيد خليل المرزوق. لذلك فإن خروجهما على فضائية الجزيرة لم يضفْ جديدا إلى شخصيهما بقدر ما أكد على مواقفهما وخاصة في الشأن السياسي البحراني، من جهة وعرف بهما لمن لا يعرفهما فيما سبق من ناحية أخرى، لقد عبر كل منهما عن شخصه والجهة التي يدافع عنها. بالنسبة للسيدة سميرة رجب، فإن كل الشعب البحراني يعرف أنها مدافعة عن النظام الخليفي بامتياز فهي من حزب الحكومة، وفي كل الأحوال، سواء كان هذا النظام على حق أو باطل، وهذا خيارها ومتروك لحكم التاريخ. وقد لوحظ من خلال ردودها على الطرف الآخر في هذا البرنامج أنها قوية من حيث الصراخ واكل الطرف الآخر بالكلام، وقلب الحقائق والاستخفاف بقيمة الإنسان البحريني وحياته ونضالاته وشخصنة الأحداث التاريخية، خاصة عندما أشار السيد المرزوق إلى الشهداء الذين سقطوا في الحراك الشعبي وجاوزوا الأربعين وإنهم مواطنون يستحقون الإشادة. فكان الرد من قبل السيدة رجب: إن الملك سيعوضهم (ما هذا الكلام؟) ولكن ما وراء الكلام يعني أن هؤلاء القتلى قد سقطوا من جراء فعل النظام وقمعه، وإلا لماذا يعوضهم رأس النظام؟. أقول، صراخ السيدة رجب كان عاليا وقويا، لكنه كان ضعيفا خافتا متهالكا من حيث المضمون والحجة، لأنه يمثل موقف النظام الذي تكذبه الوقائع على الأرض ، ولأنه موقف بلا قضية، وأصحاب المواقف المدافعة عن استبداد وظلم الأنظمة غالبا ما تكون ضعيفة حتى لو تمنطقت بالمنطق وتعالت أصواتها بالصراخ وبالحجج الشكلية. كنت أتمنى من السيدة رجب أن يكون برنامج الاتجاه المعاكس لحظة صحوة ضمير، وعندها سيكون فعلها أشبه بضربة معلم في الوقت المناسب، ولكن الفرص لا تتكرر، ويبدو أن السيدة رجب قد حسمت أمرها في أن تسير في الاتجاه المعاكس لتطلعات الشعب البحراني التي صار لها قرن من الزمان وقد دفع في سبيلها الغالي والنفيس والعشرات من قوافل الشهداء. أما بالنسبة للسيد المرزوق، وهو من حزب العارضة، فقد كان فيما يبدو في البرنامج ضعيفا إزاء صراخ السيدة رجب واتهاماتها المتشظية في كل الاتجاهات، وكان يكرر المواقف والمطالب المعروفة، ولم يكن هناك جديد، كما كان هادئا في برنامج لا يستمر إلا بالصراخ والزعيق، ولا يتطلب الهدوء الذي بدا عليه السيد المرزوق إزاء السيدة رجب، لكن الحق ليس بالضرورة مع صاحب الصوت المرتفع. لكن مع ذلك، فإن هدوء السيد المرزوق، هو في الحقيقة هدوء صاحب القضية العادلة المؤمن بقضيته، وليس به حاجة للصراخ والعويل لإثبات عدالة قضيته، لكن القضية التي كان يدافع عنها أشبه بالشمس في رابعة النهار لا تحتاج إلى العويل والصراخ، فهي واضحة بذاتها. بمعنى أن السيد المرزوق من حيث الشكل كان يبدو ضعيفا في مماحكاته، لكنه من حيث المحتوى كان قويا، لأنه يدافع عن قضية قوية وعادلة وقائمة على الأرض يعيشها الناس يوميا لحظة بلحظة، قضية شعب، قد حسم أمره بأن يستمر في النضال من اجلها، وأن لا يرجع خائبا. لقد كان السيد المرزوق في البرنامج في اتجاه معاكس للطرف الآخر وبحياء، ولكنه كان متوافقا مع اتجاه وتطلعات الشعب البحراني، وهنا مكمن قوة موقف السيد المرزوق في برنامج الاتجاه المعاكس، لقد كان منسجما وصادقا مع نفسه ومع تطلعات شعبه، وذلك بخلاف السيدة رجب. هنا كان السيد المرزوق صاحب قضية، هي قضية الشعب البحراني، وقضايا الشعوب تعلو دائما على قضايا الأنظمة والحكام مهما كانت قوة تلك الأنظمة وجبروتها، وقوة منطق وصراخ المدافعين عنها كالسيدة رجب، حتى لو في برنامج الاتجاه المعاكس. ذلك أن الصراخ وتوسل المنطق الشكلي لا يجعل من استبداد الأنظمة عدلا، كما لا يستطيع أن يسلب من الشعوب حقها في الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة، وحتى إسقاط الأنظمة إذا قرر الشعب ذلك. هكذا بدا برنامج الاتجاه المعاكس حول الثورة البحرانية، السيدة رجب في اتجاه معاكس للشعب والحقائق والحاضر والمستقبل، والاصطفاف مع نظام متهالك من الناحية التاريخية، ومعاكس في الوقت نفسه لتطلعات الشعب البحراني، والسيد المرزوق في اتجاه متوافق مع تطلعات الشعب وأمانيه المشروعة، وبالضد من نظام أكل الدهر عليه وشرب وأصبح شائخا، وكأنه في العناية المركزة، ويصر على الحياة دون حياة، وقد تخشب. ‘ باحث في علم الاجتماع – البحرين