يوميات الألم والحزن

حجم الخط
0

■ لم تعد هناك ثوابت في حياتي اليومية أحرص عليها كما كنت في أعوام ما قبل الزلزال، فانا ابن النكبة ووسمت جلدي النكسة، والآن تحفر في أعماقي توابع الزلزال الذي نعيشه منذ حوالي أربعة أعوام، ذاكرتي لم تعد تحفظ صور النكبة ولا تفاصيل النكسة، الآن تحاصرني صور الموت والدمار ويسكن في اعماقي اليأس والخوف والإحباط، أحاول اغلاق ملفاتي يومياً قبل النوم وفي عقلي شعور بأن هذه الليلة هي الأخيرة في حياتي، وفي اليوم التالي أستقبل ضوء النهار مع يأس متجدد، وتتكرر المشاهد وكأنني أعيد مشاهدة مسلسل حلقاته تتواصل بلانهاية، ولا أستطيع أن أتوقف عن المشاهدة وأنا محكوم بالفرجة عليه بدون اعتراض.
منذ نصف قرن أعيش على الهامش، وأنا مُغيب مسلوب الإرادة، معصوب العينين، يقودني أولياء الأمر حيث يريدون، ويرسمون لي مساراتي ويقررون بالنيابة عني – بدون تفويض ـ نوع الطعام الذي يجب أن أتناوله، ونمط الحياة التي أعيشها، مع أنني فقدت حاسة التذوق منذ نصف قرن أيضاً، تحول وجودي إلى رقم يقولون إنه (رقم وطني) تحمله بطاقتي الشخصية إلى جانب صورتي التي لم تعد تشبهني، مما يثير غضب عناصر الحواجز المكلفين بتنغيص حياتي، رقم افتراضي يشير إلى انتمائي إلى وطن أصبحت غريباً فيه، والآن أواصل حياتي في الوقت الضائع، وأتابع المسلسل الكريه الذي أجبروني على التعايش معه، حتى أصبح قدري الذي لم أفلح في الهرب منه، وفي كل يوم يتكرر الكابوس الذي يقلق نومي المتقطع، وأرى فيه المطوعين الجدد الذي يريدون إرغامي على دخول الجنة من بوابتهم، بحجة تعويضي عن أعوام الجحيم الذي عشته خلال نصف قرن.
أعلن الآن أنني أصبحت غير قادر على التفكير والرؤية، وأنا أدور حول نفسي من باب الحذر خوفاً من المجهول، وأشعر بأن هناك حالة من فقدان التوازن تتحكم بكل ردود أفعالي التي أصبحت خارج السيطرة، حتى أنني اصبحت أرى الأبيض أصبح أكثر سواداً من الأســــود، والعكس، الأمور كلها اختلطت، وأصبحت لدي قناعة بأن الجميع يستهدف الجميع بعبثية مدمرة تستـــهدف إلغاء الحياة على وجه الأرض، وكل الطرق أصبحت مسدودة، ولا مفر، حصار الروح أكثر قسوة من حصار الحـــواجز، وتحول البيت إلى سجن، والشارع أصبح يضيق بخطــواتي الحذرة، أتلفت يميناً وشــمالاً، من الأمام ومن الخلف، ولا أرى سوى ظلي الذي فشلت في الهرب منه، أشعر بأنني محاصر من كل الجهات، حتى السماء أغلقت أبواب الرجاء والأمل، ولم تعد تستجيب لدعوات الباحثين عن الخلاص، حين نفقد الأمل ونُصاب بالعجز يتحول الباقي من عمرنا إلى جحيم.
كنا سنفرح ونرقص في الشوارع، لو كان البعث السوري والعراقي هو الذي أزال الحدود بين البلدين ودفن «سايكس بيكو» في مزبلة التاريخ، مع أنهما كانا يرفعان شعار الوحدة العربية الشاملة من (المي للمي) وبدلاً من ذلك انشغلا بقتال بعضهما، كما يفعل الإخوة الأعداء، وكان كل منهما يتهم الآخر بحياكة المؤامرات ضده، وصرفا ثروات بلديهما على تمويل حروبهما ضد بعض، مع أن هذه (الثروات) لم يورثها لهم طيب الذكر ميشيل عفلق ولا مخترعو المنطلقات النظرية والغيبيات التي أدخلوها في مناهج التربية الوطنية (عفوا التربية القومية) وفرضوها على الأجيال اللاحقة التي انقلبت عليهم، وكنا نحن كشعب محكوم نردد صباحاً ومساء شعار الأمة الواحدة، ونتوه كل يوم في تفسير الرسالة الخالدة، ومع كل دعواتنا بتحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية، إلا أنها بقيت عصية على التحقيق، ولا أحد من السوريين استطاع معرفة أسباب الفشل وبقي (الرفاق) يتكتمون في تبرير ذلك حتى أوصلونا إلى زمن الخراب. حين قامت «داعش» بإلغاء الحدود بين سورية والعراق، لم تقم بذلك لتحقيق الوحدة بين البلدين، التي فشل البعثيون في تحقيقها، بل من أجل (السيطرة الظلامية) على البلدين لتوسيع رقعة الخلافة الجديدة التي ألغت الإسلام، وتقاتل لتحرير كل (آبار النفط) حتى لا تقع بأيدي الكفرة الأنجاس، واخترعت لنا إسلاما ينتهج أسلوبا جديدا في أصول الدعوة والهداية لاعلاقة له بالإسلام الذي ورثناه منذ عهد الرسول الأعظم حتى أيامنا هذه، واعتمدت سياسة (جزّ الرؤوس) لكل من يخالفها الرأي أو يشكك في شرعية الخليفة الجديد الذي اجتهد بتوزيع الموت على كل الطوائف بعدالة واستحق لقب (الخليفة السادس)، بعد الخلفاء الراشدين، والاموي العادل عمر بن عبد العزيز الذي استحق لقب الخليفة الراشدي الخامس.
بنهاية عام 1962 كنت أمشي في جادة الرئيس ببطء، وأنا أقدم خطوة وأرجع أخرى، حيث كنت أبحث عن بيت صديق لي كنت على موعد معه، ولم يخطر في بالي أن تسمية الشارع بجادة الرئيس هو بسبب وجود منزل الرئيس شكري القوتلي في الشارع نفسه، بجوار العمارة القريبة التي يوجد فيها بيت صديقي، ولم تكن هناك (كولبة) أو حاجز أو مظاهر استثنائية في الشارع بسبب وجود منزل الرئيس.
اقترب مني شاب أنيق، وقال لي بلطف: بماذا يمكن أن أساعدك، استغربت سؤاله، وأجابني أنه رجل أمن – ولم يكن يحمل أي سلاح يشير الى طبيعة عمله ولم يسألني عن اسمي أو يطلب هويتي – وأشار بيده الى أحد البيوت وقال لي إن هذا بيت رئيس الجمهورية شكري القوتلي، وعندما قلت له إنني أبحث عن بيت صديق لي في الحارة، تطوع وأشار لي إلى البيت الذي كنت أقصده، شكرته وصافحني بمودة.

حاشية:
عندما تنتشر الفوضى، يصبح حامل السلاح هو القاضي والجلاد في وقت واحد، البعض يحكم باسم السلطة، والبعض الآخر يحكم باسم الدين، وكلاهما يفتقد الشرعية. فلا الشعب اختار حكامه، ولا الله تعالى أرسل انبياء جددا يحكمون باسمه ويكفّرون الناس ويأمرون بقتل الأطفال الأبرياء.

٭ كاتب سوري

صبري عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية