واشنطن-“القدس العربي”:يراقب العالم، من القادة السياسيين إلى المواطنين في الشوارع، في الدول الكبرى والديمقراطيات النامية، دراما الانتخابات الرئاسية الأمريكية باهتمام متزايد وقلق ملحوظ لمعرفة كيف ستجري الأمور.
وأياً كان الفائز، سيكون هناك تأثير كبير على الحكومات في جميع أنحاء العالم، بسبب التأثير العالمي للولايات المتحدة، في حين ينتظر صناع السياسة على وجه الخصوص بلهفة نتائج الانتخابات، لمعرفة المسار السياسي الحزبي، الذي ستنتجه واشنطن بعد الإدارة الجديدة.
وليس هناك أي لغز في أسباب قلق قادة العالم من النتائج، لأن فوز ترامب يعني الاستمرار في مهاجمة المؤسسات الديمقراطية والابتعاد عن التعاون الدولي، في حين من المرجح أن تعود إدارة جو بايدن إلى معايير السياسة الخارجية المألوفة.
وقال دبلوماسيون أجانب، إن القارة الأوروبية لم تعد تحتمل الاستماع إلى الموسيقى الصاخبة الثقيلة “الهيفي ميتال” التي يعزفها ترامب كل يوم، في حين ستؤدي إدارة بايدن، في نظر الحلفاء الأجانب للولايات المتحدة، إلى القواعد المعمول بها، ولكن هناك آمالا في استمرار بعض جوانب إدارة ترامب، وخاصة فيما يتعلق بالاعتراف بالتهديدات التي تشكلها الصين.
وسترحب الحكومات الديمقراطية، أيضاً بإدارة بايدن، التي تضغط من أجل إصلاحات في المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ولكن مع مزيد من المشاركة بدلاً من الرفض الشامل من إدارة ترامب، مثل الانسحاب من منظمة الصحة العالمية والتهديدات المستمرة بالانسحاب من منظمة التجارة الدولية ناهيك عن العداء لحلف شمال الأطلسي “الناتو”.
ولاحظت الكاتبة لورا كيلي، أن كيان الاحتلال الإسرائيلي كان من أكبر المستفيدين من إدارة ترامب، التي قامت بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة ومهدت الطريق لضم المزيد من الأراضي الفلسطينية لإسرائيل، كما قامت بحملة سياسية قوية، من أجل تطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية والاحتلال.
ووفقاً لتوقعات كيلي، والعديد من المحللين الأمريكيين، فإنه من المتوقع أن يلتزم بايدن بإبقاء السفارة في القدس المحتلة وسيؤكد على ترحيبه بتطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، ولكنه من المرجح أن يمارس سياسة أقوى من الضغط ضد رئيس وزراء كيان الاحتلال، بنيامين نتنياهو، من أجل إشراك الفلسطينيين في التفاوض على حل الدولتين.
وتخشى بعض الدول العربية والخليجية من أن يسعى بايدن للحد من مبيعات الأسلحة الأمريكية، والتي تطلع ترامب إلى زيادتها إلى أقصى حد ممكن، كما أن هناك مخاوف في تلك الدول بشأن تعهدات بايدن بالانضمام إلى الاتفاق النووي الإيراني، وإن كان بإجراءات أكثر صرامة.
وقال بي تيرينس هوبمان، أستاذ العلاقات الدولية في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، في تقرير نشرته منصة “ذا هيل” القريبة من الكونغرس، إن مناقشات السياسة الخارجية لم تكن على رأس قائمة أولويات الناخب الأمريكي، ونادراً ما لفتت الانتباه طوال الحملة الرئاسية.
وقد تركت دراما الانتخابات الأمريكية القادة الأجانب في حيرة من أمرهم بشأن الشكل الذي قد تبدو عليه السنوات الأربع المقبلة، وأضاف هوبمان أن خطط أي من الطرفين للمستقبل ليست واضحة على الإطلاق.
وقال محللون أمريكيون إن الكل ينظر إلى النتيجة بطريقة مختلفة، مع تساؤلات حول دور الولايات المتحدة كزعيم عالمي، ومن سيحل مكانها إذ حدث أي شيء، واتفقوا أن العالم يعيش في لحظات عصيبة، كما سادت تقديرات بأن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا ستمضي قدماً ولكن ستكون مختلفة، بغض النظر عن هوية الفائز.
وبالنسبة للمواطن العادي في جميع أنحاء العالم، فقد وجدت غالبية الاستطلاعات أن السكان يفضلون بأغلبية ساحقة فوز بايدن على ترامب. وأكدت الدراسات أن طريقة تعامل ترامب مع وباء كوفيد- 19 قد عملت على زيادة النظرة السلبية للولايات المتحدة، كما أثارت انتقادات ترامب المستمرة للانتخابات والعملية الديمقراطية انتقادات على نطاق واسع من الخارج.
والمشكلة الأولى الكبيرة التي ستواجه الفائز هي انقسام الكونغرس، مما يخلق حالة من عدم اليقين في عالم السياسة الخارجية، وكما لاحظ الخبراء، فإن العالم يتساءل عن مدى تأثير الانقسامات الأمريكية على دورها القيادي، وما إذا كانت قادرة على لعب هذا الدور مع شكوك بشأن الطريق الذي تسلكه البلاد.
الموجة الزرقاء
وبالنسبة لتداعيات الانتخابات الأمريكية على الخريطة السياسية والحزبية في الداخل، وبغض النظر عن النتيجة النهائية، فإن فرصة الديمقراطيين الضائعة في “الموجة الزرقاء” التي تحدثوا عنها طويلا ستطاردهم بعد أن يتم تسوية الانتخابات بشكل نهائي.
وتحدث الديمقراطيون عن “تسونامي أرزق” متوقع في هذه الانتخابات، وأكدت استطلاعات الرأي حتى وقت متأخر من 13 تشرين الاول/أكتوبر أن بايدن سيفوز بنسبة مثيرة للاعجاب 51 في المئة مقابل 44 في المئة لترامب، ولم يكن السؤال عن فوز بايدن بل مداه، ورددت وسائل الإعلام توقعات بشأن “الجدار الأزرق” الذي سيتم بناؤه في الغرب الأوسط، ولم يكن هناك تهكن يثير الشك سوى من مدى قدرة الديمقراطيين على السيطرة على مجلس الشيوخ، ولكن هذا لم يحدث.
وفي الواقع، كانت هناك عدة أسباب للتفاؤل بالنسبة للديمقراطيين، فقد انشغل الحزب الديمقراطي في مواجهة ترامب والمساءلة التي كانت تسعى لعزله من السلطة، وبمجرد انتهاء المحاكمة، بدأ فيروس كورونا، الذي دمر أمريكا واقتصادها تحت سلطة ترامب، ولا أحد يعرف كيف أضاع الحزب الديمقراطي فرصته الهائلة في الثورة الزرقاء، وماذا ستكون تداعيات ذلك؟
وبالنظر إلى هذه الانتخابات، من الواضح تماماً أنه لولا الوباء أو التأثير الاقتصادي لعمليات الإغلاق، لكان ترامب سيفوز بقوة، وكان هذا سيحدث على الرغم من سياسته الانقسامية.
الاقتصاد
وبالنسبة لقادة الأعمال والاستثمار والاقتصاد، فإن حالة عدم اليقين والوضع السياسي في الولايات المتحدة، ليست في صالحهم، خاصة مع تفشي وباء فيروس كورونا والمعارك المستمرة بشأن حزمة التحفيز في الكونغرس.
وكانت القراءات الأولية المبكرة بين الاقتصاديين وخبراء وول ستريت هي أن الأسواق ستحلق لبضعة أسابيع، ولكنهم قاموا بتقليل توقعاتهم للنمو، ومع تصاعد حالة اليقين، لا يزال من المتوقع تمرير حزمة التحفيز، ولكنها ستكون أقل من 2 تريليون، أي أقل من سيناريو” الموجة الزرقاء”.
وبغض النظر عمن سيفوز بالرئاسة الأمريكية، يبدو أنه من المرجح بشكل متزايد أن تستمر الولايات المتحدة في الطريق نحو الانتعاش، ومن الغريب، وفقاً لدراسات خبراء الاستثمار في نيويورك، أن أسواق الأسهم تحقق أعلى المكاسب عندما يكون هناك رئيس ديمقراطي وانقسام في الكونغرس (أحدهما يسيطر على مجلس النواب والآخر يسيطر على مجلس الشيوخ).
وفي ظل سيطرة جمهورية على مجلس الشيوخ، من غير المتوقع أي زيادات ضريبية كبيرة، ومن المتوقع على نطاق واسع أن تبقى أسعار الفائدة بالقرب من الصفر لسنوات، مما يساعد الأثرياء نسبياً على مواصلة شراء الأسهم والمنازل.
ويعتمد مستقبل الاقتصاد في الولايات المتحدة- وإلى حد ما الأسواق- بشكل كبير على ثلاثة أسئلة رئيسية، وهي ماذا يحدث مع الفيروس وحزمة التحفيز؟ ومدى السرعة التي يبدأ بها الأمريكيون في الإنفاق مرة أخرى على خدمات مثل السفر والمطاعم والترفيه؟ وما إذا كانت الانتخابات المتنازع عليها بشدة تثير اضطرابات اجتماعية؟
الترامبية موجودة لتبقى
اعتقد العديد من المحللين أن الترامبية هي مجرد “فترة” وأنها ستختفي بعد ذلك، خاصة مع تعامل ترامب الضعيف جداً مع وباء فيروس كورونا، وقد تم وصف سياسات ترامب على أنها غير أمريكية وأن خطاباته فاسدة وتعامله النرجسي يقترب من الانحراف، وعلى النقيض من ذلك، ظهر بايدن كرجل سيعمل على إستعادة روح أمريكا.
ومع إعلان النتائج، وبغض النظر عن فوزه أو خسارته، فاق ترامب جميع التوقعات واستطلاعات الرأي وصوت له هذا العام، عدد أكبر من الأمريكيين مقارنة مع 2016 عندما كان يروج لفكرة تجفيف “مستنقع واشنطن”.
وفهم المحللون الآثار المترتبة على ذلك: لم يرفض الأمريكيون، كما كان يأمل الكثير، الترامبية، حتى لو فاز بايدن في النهاية.
وفي الواقع، أسفرت حالة الانقسام والاستقطاب في البلاد عن نتيجة مستقطبة، إذ أعلن ترامب النصر قبل الأوان وزعم أن خصومه كانوا يسرقون التصويت، وأظهر بأنه لا يهتم بالدستور أو باستقرار ورفاهية البلاد أو أي شيء من هذا القبيل، وسيؤدي تشكيك ترامب بالمؤسسات الأساسية في الحكومة والنظام الانتخابي إلى نتيجة مؤسفة، هي أن الولايات المتحدة ستعود محطمة ومنقسمة وقوة واهنة من الداخل وهناك شكوك في ديمقراطيتها، حتى لو لم يفز ترامب.
وخلص العديد من المحللين إلى أن الحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها لنتائج الانتخابات هي أن الترامبية ستظل تياراً قوياً في السياسة الأمريكية، ومن الواضح أن الطابع القومي الديماغوجي لترامب، وحملته الفاسدة واحتضانه للرسائل والتكتيكات المثيرة للانقسام قد وجدت الكثير من الدعم، وعلى حد تعبير الكاتبة مونيكا هيسه، الترامبية لن تنجرف إلى مزبلة التاريخ بل ستبقى على ما يبدو كجزء من “الأثاث الأمريكي”.