في حال انتهاء عمليات فرز أصوات الناخبين، وحسم الخلافات القانونية بتأكيد فوز جوزيف بايدن برئاسة الولايات المتحدة، يرحل دونالد ترامب عن الحكم مخلفا وراءه تركة ثقيلة من الممارسات السياسية والاقتصادية التي تحتاج إلى الكثير من العمل الشاق لتنظيفها والتخلص من آثارها. أخطر ما تركه وراءه في حقل الاقتصاد هو إصدار تشريعات وأوامر تنفيذية تغلِّب مصلحة القلة على مصالح الأغلبية، وتنقل تقييم الأداء من معايير الكفاءة الاحترافية إلى اعتبارات الولاء وتحقيق مصلحة الجماعات الخاصة، والارتكاز دائما وفي كل مناسبة على تفضيل خيارات قصيرة النظر لتحقيق المصلحة الأنانية للقلة بصرف النظر عن تكلفتها على المدى البعيد، سواء فيما يتعلق برفع معدلات الإنتاجية والتنافسية أو فيما يتعلق بحماية البيئة واتخاذ إجراءات للحد من تدهور المناخ، أو في مجال تنظيم العلاقات التجارية مع العالم. وعلى الرغم من تحقيق معدلات نمو ملموسة خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم ترامب، فإن تحليل عناصر النمو يكشف عن الإنحياز إلى القطاعات التقليدية مثل النفط والغاز، وزيادة وزن سوق الأوراق المالية، التي تسيطر عليها مصالح جماعات محدودة من كبار المستثمرين.
إضافة إلى ذلك، فإن سياسة ترامب الاقتصادية كانت تميل إلى الخروج على القواعد، وخرق القانون والدستور، كلما اتيحت له الفرصة لتحقيق ذلك، مثلما حدث في تمويل بناء جدار عازل على الحدود مع المكسيك بأموال فيدرالية، بدون الحصول على موافقة الكونغرس، ومثلما حدث في اب/أغسطس الماضي عندما أصدر أوامر تنفيذية بخصوص إجراءات مالية لمواجهة تداعيات وباء كورونا، بدون موافقة الكونغرس، وهي موافقة لازمة دستوريا، على إعتبار أن الكونغرس هو صاحب السلطة الأصلية في تحديد الإنفاق الفيدرالي.
وكان ترامب قد جاء إلى الحكم في ذيل برنامج اقتصادي ناجح قاده الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ساعد الولايات المتحدة على تجاوز الأزمة المالية التي بدأت في عهد سلفه الجمهوري جورج بوش الصغير (الإبن) عام 2007. وعلى الرغم من أن ترامب ركب موجة إنجازات البرنامج الاقتصادي الذي نفذه أوباما، الذي أضاف 7 ملايين وظيفة جديدة لقوة العمل، فإن الرئيس الأمريكي سوف يغادر بينما الولايات المتحدة تعاني من أسوأ كساد في تاريخها، وبعد أن فقد الاقتصاد الملايين من فرص العمل. صحيح أن الكساد الحالي هو أحد نتائج انتشار وباء كورونا على مستوى العالم، لكن سياسات ترامب في التعامل مع الوباء جعلت الأمر أشد سوءا؛ فأصبحت الولايات المتحدة فريسة سهلة للفيروس، لتصبح أشد دول العالم إصابة وأكثرها في عدد الوفيات، لتستحوذ وحدها على ما يقرب من 20 في المئة من أعداد المصابين والوفيات بفيروس كورونا على مستوى العالم.
أمة تلعق جراحها
الأشهر الثلاثة المقبلة ربما ستكون الأقسى اقتصاديا على المواطنين الأمريكيين الذين يعانون من انتشار وباء كورونا وتداعياته الاقتصادية مثل البطالة، وتراجع القدرة على الإنفاق، وتضاؤل المساعدات الفيدرالية والمحلية، وتهديد فقدان المسكن بسبب العجز عن دفع الإيجار أو أقساط الرهن العقاري، وتضاؤل فرص العمل المتاحة في كل القطاعات.
وتقدر وزارة العمل الأمريكية أن أكثر من 21 مليون مشتغل فقدوا وظائفهم، منهم 3.6 مليون متعطل دائم منذ أكثر من 6 أشهر، ووصل معدل البطالة إلى ذروته مسجلا 15 في المئة وهو أعلى معدل للبطالة منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ومع ذلك فإن الاقتصاد بدأ يظهر قدرا من التعافي في الربع الثالث من العام الحالي لينخفض معدل البطالة في تشرين الأول/اكتوبر إلى 7.2 في المئة. وبسبب البطالة وانخفاض الدخل مع تراجع النمو زاد عدد الفقراء في الولايات المتحدة، خصوصا بين الأمريكيين من أصل أفريقي الذين يصل معدل الفقر بينهم إلى 20 في المئة، بينما ينخفض بين البيض من أصول أوروبية إلى 7 في المئة فقط.
ومن المتوقع أن تكون الإدارة الأمريكية مفككة جدا في الأشهر الثلاثة المقبلة، حتى موعد انتقال الحكم إلى الرئيس الأمريكي الجديد. وسوف يتوقف أداء الإدارة بشكل عام على عاملين أساسيين، الأول هو سلوك الرئيس نفسه وميوله إلى الانفراد بالقرار، الأمر الذي يسبب الكثير من الصدامات بينه وبين مرؤوسيه. والثاني هو مدى رغبة الجمهوريين في التعاون مع الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب، من أجل التوصل إلى حلول وسط لتسوية الخلافات بينهما في المسائل الحرجة العاجلة مثل حزمة التحفيز الاقتصادي الضرورية لحماية قطاعات الأعمال والأفراد من تداعيات وباء كورونا، خصوصا مع ازدياد حدة الموجة الثانية من الوباء خلال فصل الشتاء. أما بالنسبة للديمقراطيين في الكونغرس، فإنه من المرجح ألا يقبلوا بتمرير تشريعات رئيسية خلال الفترة من الآن وحتى انعقاد المجلسين بتشكيلهما الجديد في كانون الثاني/يناير المقبل، وتسلم الإدارة الجديدة مهام عملها. وسيكون من نتائج ذلك بالضرورة تأخير إنجاز الكثير من المهام، بسبب الخلافات بين الجانبين، بما في ذلك تشريعات الرعاية الصحية وبرنامج التحفيز المالي، مما سيترك أثرا سلبيا على الاقتصاد، خصوصا وأن الجمهوريين يعتقدون أن الاقتصاد يتمتع بقدرة على التعافي التلقائي ذاتيا بدون الحاجة إلى مساعدات فيدرالية، طبقا لتصريحات أدلى بها لاري كودلو كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس ترامب.
احتواء تداعيات كورونا
التحدي الأول العاجل هو احتواء تداعيات انتشار وباء كورونا، بينما يقترب عدد المصابين من 10 ملايين في غياب رؤية واضحة وبرنامج متماسك صحيا واقتصاديا. ويفضل ترامب ترك الأمور لتداعياتها التلقائية في المواجهة بين الأفراد والفيروس، تاركا لشركات الخدمات الصحية، وشركات إنتاج الأدوية فرص تحقيق أقصى أرباح ممكنة من الأزمة. وطبقا للبيان الذي أصدره مجلس الإحتياطي الفيدرالي مساء الخميس الماضي، فإن انتشار وباء كورونا سوف يستمر في الضغط على النشاط الاقتصادي، وعلى سوق العمل، وعلى التضخم في المدى القريب، وهو ما يشكل أيضا تهديدًا في المدى المتوسط. وقد أكد جيروم بأول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن احتمالات مواصلة النمو الاقتصادي غير مضمونة بالمرة، وأنها تتوقف بشكل رئيسي على مدى النجاح في محاصرة وباء كورونا.
ويواجه الأمريكيون معضلة مؤلمة تتمثل في الارتفاع الصارخ في تكلفة الرعاية الصحية مترافقا مع سوء هذه الخدمات. وقد بلغ متوسط إنفاق الفرد على الرعاية الصحية في العام الماضي أكثر من 11 ألف دولار، وهو واحد من أعلى المعدلات في العالم، وذلك في مقابل خدمات هي الأسوأ في العالم من حيث العائد على الإنفاق.
ويستعد الديمقراطيون ببرنامج واسع النطاق لإصلاح منظومة الرعاية الصحية، باعتباره أهم الأولويات الراهنة. ويتضمن البرنامج إعادة تقييم الدور الذي تقوم به شركات الرعاية الطبية، ووضع نظام لتحسين هذه الرعاية، وتعظيم العائد من التأمين الصحي، وتنظيم عملية تسعير الأدوية للحد من المبالغة في الأسعار بواسطة الشركات المنتجة. وسوف يكون هذا البرنامج موضوعا لمواجهة شرسة مع الجمهوريين خلال الأشهر المقبلة، وخلال الفترة الأولى من حكم الرئيس المنتخب.
ويتمثل التحدي الثاني العاجل في إقرار حزمة تحفيز النمو الاقتصادي، ومساندة قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق طاقات النمو من أجل إتاحة عدد أكبر من الوظائف، إلى جانب تحفيز النمو الصناعي، وزيادة قدرته التنافسية، خصوصا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وتوسيع وتطوير البنية الأساسية على أساس الاقتصاد الصديق للبيئة. ومن الضروري حسم الصراع الحالي حول قيمة حزمة التحفيز الاقتصادي، بين الديمقراطيين الذين يقترحون تمويلها بقيمة 3.4 تريليون دولار، والجمهوريين الذين تقدموا بخطة بديلة قيمتها تريليون دولار. وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، إنها على استعداد للتوصل إلى حل وسط إذا ضاعف الجمهوريون قيمة التمويل المقترح في خطتهم، لكن وزير الخزانة ستيفن منوتشين رفض العرض. وبينما يغدق الجمهوريون في خطتهم على الأجهزة الحكومية، خصوصا الدفاع والمباحث الفيدرالية، بزيادة ميزانية الدفاع بنحو 30 مليار دولار، وإقامة مقر جديد للمباحث الفيدرالية في واشنطن بقيمة ملياري دولار، فإن ترامب ما يزال مصرا على موقفه المتشدد تجاه مساعدات البطالة الإضافية. ويريد الديمقراطيون زيادة تلك المساعدات بقيمة 600 دولار أسبوعيا حتى نهاية العام، في حين حدد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب المبلغ بـ 400 دولار تسدد الولايات نسبة 25 في المئة منها من ميزانيتها المثقلة بالديون فعلا ولا تستطيع تحمل أي مصروفات إضافية. كذلك أكد جيروم بأول أن إعادة النشاط الاقتصادي إلى المستوى الذي كان عليه حتى أوائل العام الحالي يحتاج إلى المزيد من المساندة النقدية. ويتولى المجلس شراء أذون وسندات الخزانة الأمريكية بمعدل يصل إلى 80 مليار دولار شهريا، أي ما يزيد عن 3 مليارات دولار في كل يوم عمل، من أجل إتاحة السيولة النقدية الكافية لتشغيل الاقتصاد.
لكن طريق الديمقراطيين إلى تحقيق برنامجهم في إعادة تشغيل الاقتصاد، وتحفيز النمو، وزيادة فرص العمل، وزيادة الإنتاجية، وحماية البيئة لن يكون مفروشا بالورود. وسوف يحتاج الحزبان الديمقراطي والجمهوري إلى قدر كبير من التعاون لتحقيق توافق حزبي داخل السلطة التشريعية، لمساندة سياسة نقدية صائبة، خصوصا وأن مقومات برنامج بايدن الاقتصادي تتضمن زيادة الضرائب على الأثرياء، وعلى المؤسسات المالية والصناعية الضخمة، وفرض قيود على الاستثمارات الضارة بالبيئة، وإعادة النظر في برنامج مبيعات الأسلحة لعدد من الدول. هذا البرنامج يسهل تنفيذه فقط في حال سيطرة الرئيس على مجلسي الكونغرس. لكن في غير هذه الحالة سيحتاج الديمقراطيون إلى إبداء قدر من المرونة، وتقديم بعض التنازلات.
ولا تبدو تقديرات النمو للعام الحالي وردية، إذ ان أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى انكماش محتمل بنسبة 4.3 في المئة وهو أفضل من متوسط معدل الانكماش للدول الصناعية المتقدمة ككل الذي يبلغ 5.8 في المئة. ويتوقع الصندوق أن يحقق الاقتصاد الأمريكي في العام المقبل نموا بنسبة 3.1 في المئة. لكن هذا التقدير ربما يكون متفائلا جدا إذا فشل الديمقراطيون في السيطرة على وباء كورونا، لأن النشاط الاقتصادي لن يعود بقوة إلى ما كان عليه حتى يطمئن الناس على سلامتهم أولا حسب رأي جيروم بأول. وسوف يتطلب حصار فيروس كورونا الاستمرار في زيادة الإنفاق العام، وهو ما يعني استمرار زيادة الدين القومي للولايات المتحدة الذي يصل الآن إلى ما يقرب من 140 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، حتى بزيادة الضرائب التي يقترحها الديمقراطيون. وتبلغ قيمة أذون وسندات الحكومة الأمريكية وحدها أكثر من 20 تريليون دولار في الوقت الحالي. ولذلك فإن خيارات السياسة الاقتصادية التي يواجهها الرئيس المنتخب ليست سهلة، وسوف تحتاج إلى الكثير من المراجعة بمرور الوقت على مدار الفترة الرئاسية المقبلة.
ونظرا لأن محركات نمو الاقتصاد الأمريكي لا تعتمد على إتاحة المزيد من السيولة في السوق المحلية فقط، وإنما تعتمد أيضا على استثمار امكانات التوسع في الأسواق الخارجية، فإن برنامج الرئيس المنتخب يحتوي على ذراع آخر لتحقيق النمو يتمثل في زيادة الإنتاجية والتنافسية من أجل التوسع في الأسواق الخارجية. وسوف يترافق ذلك مع سياسة تجارية أكثر تعاونية مع حلفاء الولايات المتحدة مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي، واتباع سياسة أكثر اعتدالا تجاه الصين، بدون التخلي عن المنافسة الشرسة معها. هذا البرنامج الذي يتبناه بايدن يتيح للاقتصاد الأمريكي فرصة النمو متخلصا من العراقيل التي وضعتها سياسة ترامب والتي أدت إلى تراجع إيرادات شركات أمريكية كبرى في أسواق أوروبا والصين.