المعركة على البيت الأبيض بعيون إسرائيلية
الناصرة-“القدس العربي”:قبيل وخلال يوم الانتخابات الأمريكية، تمنت الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين فوز دونالد ترامب، وذهب بعضهم للصلاة من أجله، ولكن ما أن لاحت بوادر هزيمته حتى تغير الموقف المعلن وبدأ التركيز على صداقة جو بايدن لإسرائيل واستذكار تصريحات قديمة بأنه صهيوني رغم كونه ليس يهوديا. وهذه الحسابات الانتهازية القائمة على مرافقة ومصادقة من هو في الكفة الراجحة، دفعت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قبل أيام لدعوة وزرائه لعدم الإدلاء بتصريحات حول انتخابات الرئاسة الأمريكية بعدما كان بعضهم قبيل الانتخابات قد أشاد بترامب وتمنى فوزه. وثمة عدد كبير من المراقبين الإسرائيليين يرون أن تعامل الولايات المتحدة بزعامة بايدن مع إسرائيل لم يتغير في الجوهر رغم توقعات بتغيير اللهجة والتصريحات المعلنة حول الاستيطان وتسوية الدولتين، لكنهم يرون أن الخاسر الأكبر من هزيمة ترامب هو نتنياهو. وعبر عن ذلك المعلق السياسي البارز في القناة الإسرائيلية 12 أمنون أبراموفيتش الذي قال إن نتنياهو كان سيسارع لفك الشراكة مع “أزرق-أبيض” ويعلن عن انتخابات جديدة نتائجها محسومة لصالحه لو فاز ترامب وتابع “بعد فوز صديقه الشخصي ترامب سيصدق الإسرائيليون أن المزيد من الهدايا والعطايا من العم سام في طريقها للدولة اليهودية ما سيدفعهم للتصويت لنتنياهو مجددا”. ويعتقد هؤلاء أن تأثير بايدن على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي سيبقى محدودا بسبب المشاكل الداخلية الملحة في الولايات المتحدة.
ايهود اولمرت: ترامب صديق بالتصريحات
إلى ذلك هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود أولمرت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وذلك خلال مقابلة معه عبر إذاعة 103 إف إم التابعة لصحيفة “معاريف”. وقال إنه لا يريد تلخيص فترة ولاية ترامب في الوقت الحالي، لكنه تساءل هل تعد صداقة ترامب مع إسرائيل ضرورية لتصوره وفهمه للقيم الأساسية التي تمثلها دولة إسرائيل؟ هذا سؤال كبير. ويتابع “البيان حول مرتفعات الجولان كان تصريحا أكثر منه واقعا فعلا. أنت تفترض أن ترامب كان صديقا لإسرائيل، بينما أفترض أن الصداقة مع ترامب كانت أكثر للتصريحات”. وبخصوص العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران، قال اولمرت “العقوبات كانت من قبل، هل تعلم متى بدأت العقوبات؟ خلال فترة ولايتي كرئيس للوزراء، بدأت العقوبات في كل من الأمم المتحدة ومجلس الشيوخ الأمريكي. لذلك أولاً وقبل كل شيء، لم يبدأ ترامب بالضغوط الاقتصادية على إيران، كما بدأ من قبل”. واعتبر ان الاتفاق الذي أبرمه الرئيس أوباما بشأن الملف النووي مع إيران معروف لجميع الخبراء النوويين في إسرائيل، و”تحدثت شخصيا مع الجميع، وكان رأيهم أن هذا الاتفاق يحسن القدرة على الضغط على إيران وليس العكس”. وأضاف: “الآن، اتفق الجميع على أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران أضر بالقدرة على الحد من إمكانية تسليح إيران بأسلحة نووية. إذا تمت العودة إلى الاتفاق السابق أو اتفاق أفضل مع مزيد من الإكراه والضغط على إيران فلن يكون هناك تراجع في ذلك، وأطلب أن نتوقف عن ترويع أنفسنا وإخافتنا طوال اليوم ونزعج الإسرائيليين، فإسرائيل والولايات المتحدة تملكان في ظل هذا الرئيس أو الآخر أدوات كافية لمنع التسلح النووي الإيراني. ليس لدي شك في أن بايدن، إذا أصبح رئيسا، سيعرف كيفية استخدام الوسائل اللازمة وسيرغب في ذلك، وأخبرك بذلك بناء على معرفته شخصيا”. وأوضح اولمرت أن بايدن هو صديق إسرائيل، وكان عضوا في مجلس الشيوخ لأكثر من 35 عاما وأحد قادة الحزب الديمقراطي وتميز في التصويت لصالح القضايا المتعلقة في دعم إسرائيل، “انه صديق حقيقي ولا يكره إسرائيل”. وأوضح “لقد تقاطعت طرقنا دائما وقد التقيت به عدة مرات كرئيس بلدية القدس، ورئيس الوزراء بالنيابة، ورئيس للوزراء. بايدن شخص ذكي ومفوه للغاية”.
ثورة بايدن في الشرق الأوسط
وفي ذات الاتجاه يرى محرر الشؤون العربية في صحيفة “هآرتس” الدكتور تسفي بار ايل انه في الموضوع الإيراني سينتظر بايدن ليس فقط موقفا إسرائيليا قويا واستفزازيا إذا بدأ في تطبيق سياسته. معتبرا ان إيران نفسها ما زالت لم توضح هل ستكون مستعدة للمفاوضات مع الولايات المتحدة، وكيف ستؤثر الانتخابات الرئاسية المخطط إجراؤها في إيران في حزيران/يونيو المقبل على منظومة العلاقات معها، وهل ستوافق على العودة إلى الاتفاق النووي كما هو أم أنها ستضع شروطا جديدة. في هذه المسألة هناك سؤال لا يقل أهمية عن ذلك وهو أي حكومة ستشكل في إسرائيل بعد الانتخابات ومن الذي سيترأسها؟ وقال ان هذا السؤال يمس مباشرة الخطة الرئيسية لترامب وهي “صفقة القرن” والنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. ويضيف “رأى ترامب في خطته جوهر سياسته الخارجية في الشرق الأوسط، وحتى أنه نجح في إحداث ثورة هامة في شبكة العلاقات بين إسرائيل والدول العربية. ولكن حزام التطبيع الشامل الذي حصلت عليه إسرائيل لم يكن بالامكان أن ينشأ بدون اسهام وتدخل السعودية المباشر. ترامب أعلن أن زعماء دول عربية أخرى ينتظرون في الطابور من أجل مصافحة نتنياهو. ولكن بدون سياسة واضحة للولايات المتحدة تجاه السعودية فإن هذه العملية ستتجمد في مكانها”.
ويتساءل بار ايل هل بايدن سيكون مستعدا لقبول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومنحه الدعم الذي حصل عليه من ترامب وأن ينسى قتل الصحافي جمال الخاشقجي وأن يتجاهل استمرار الحرب في اليمن (التي تديرها الآن بالأساس السعودية) مقابل تطبيع السعودية ودول عربية أخرى مع إسرائيل؟ كما يتساءل بشكل عام، هل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني سيحصل مجددا على اهتمام الولايات المتحدة؟ أم أن بايدن سيكتفي بإعادة فتح خزينة الولايات المتحدة لصالح السلطة الفلسطينية؟ على هذه الأسئلة بايدن ليس الوحيد الذي يجب عليه أن يجيب. ويضيف “سيكون من الخطأ، ليس للمرة الأولى، الاعتقاد أو الأمل بأنه يجلب معه عصا سحرية يستطيع بواسطتها أن يحقق ما لم ينجح رؤساء أمريكيون على مر الأجيال في تحقيقه”.
نتنياهو وأعراض ما بعد ترامب
ويرى محلل الشؤون الحزبية في صحيفة “هآرتس” يوسي فيرتر أنه إذا أصبح بايدن الرئيس، سيضطر نتنياهو إلى مواجهة أعراض ما بعد ترامب. وأشاد فيرتر بتصريحات بايدن الرسمية والمتصالحة والحاضنة وقال إن كل إسرائيلي لم يُصب بفيروس الترامبية، أو بطفرة البيبية (نسبة إلى بيبي نتنياهو) نظر إلى بايدن بعيون طال انتظارها بلا أمل. وتابع “الإسرائيليون غارقون حتى رؤوسهم في سموم نتنياهو ومسمّمون بغازات الانقسام والشيطنة والتحريض. كثيرون نسوا متى تحدث معهم رئيس حكومة إسرائيل مثل النعسان جو بايدن”. على افتراض أن بايدن هو الرئيس، هذه هي النقاط الأساسية التي ستسيطر على جدول الأعمال في الجبهة الإسرائيلية-الأمريكية: عودة الموضوع الإيراني. يمكن الافتراض أن بايدن سيطلب العودة إلى الاتفاق وستحظى القيادة الفلسطينية بالعودة إلى واشنطن، وإلى البيت الأبيض ووزارة الخارجية وستفتتح ممثلية منظمة التحرير من جديد، وموفدون أمريكيون سيأتون إلى رام الله. ويتابع المحلل الإسرائيلي “سيضطر نتنياهو إلى المرور في مرحلة تكيّف غير سهلة، مثل ما بعد كورونا، إنما بالمقلوب، ما بعد ترامب، ليس من المتوقع حدوث اشتباك جبهوي بين نتنياهو وبايدن. فهما يُعتبران صديقين جيدين. معرفتهما ببعضهما البعض تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود. لا وجود لأي عداء معه مثل الذي كان موجوداً مع أوباما، أو مع بيل وهيلاري كلينتون. لكن بايدن والحزب الديمقراطي لم ينسيا تسلُّل رئيس الحكومة إلى الكونغرس، من وراء ظهر الرئيس، عشية الانتخابات في سنة 2015 وسيذكرانه بما يود لو ينسونه”.
ويؤكد فيرتر ما يؤكده زملاء آخرون له حول خسارة نتنياهو لا إسرائيل من هزيمة ترامب: “فترة التكيف ستكون صعبة من نواحٍ أُخرى: زعماء العالم الذين جاؤوا إليه كي يتوسط لهم لدى ترامب صديقه العزيز، سينتظرون ليروا كيف ستتطور شبكة العلاقات الجديدة. القوة الهائلة والنادرة التي بناها نتنياهو لنفسه في السنوات الأربع الأخيرة اعتمدت في الأساس على درجة الحميمية بينه وبين ترامب. مع بايدن هذا انتهى. البيت الأبيض لن يعود البيت الثاني للسفير رون دريمر. السفير الجديد في إسرائيل لن يكون مستوطناً مسيانياً في روحه، مثل ديفيد فريدمان”. ويخلص للقول إن الورقة القوية لدى نتنياهو كانت سياسية وفي “مباراة انتخابية أُخرى” سيلعب مع فريق مختلف، وهو ما يزال قوياً في هذا المجال لكن عليه أن ينسى أنه سيحصل على هدايا أُخرى في حملته الانتخابية، وعليه أن يكتفي بما لديه.
إذا كان هذا بايدن
ويرى ناحوم برنيع أبرز المعلقين السياسيين في إسرائيل، أن الفلسطينيين لن يكونوا على جدول أعمال بايدن، ليس بمبادرته ولكن انتخابه سيعطي ذريعة جيدة لأبو مازن لاستئناف الاتصالات مع الأمريكيين، للعودة لتلقي المال، وربما أيضا لاستئناف التعاون الأمني مع إسرائيل. متوافقا مع بقية المحللين يرى برنيع أيضا خسارة نتنياهو بالقول “نتنياهو يمكنه ان ينسى صفقة القرن لترامب، فقد ماتت. تلقى نتنياهو إسنادا من ترامب لكل خطواته في الضفة أما بايدن فلن يسمح له بالتمتع”. ويخلص برنيع للقول “قبل سنوات التقيت بايدن في القدس. فاجأني بمعرفته الواسعة عن الشرق الأوسط وعن السياسة الإسرائيلية. تأييده لإسرائيل كان نموذجيا للديمقراطيين من الجيل الذي ولد في أثناء الحرب العالمية والكارثة. الالتزام بالفكرة، وليس الالتزام بالسياسة؛ الالتزام بالأمن، وليس الاحتلال. موقف هذا الجيل من إسرائيل يختلف عن موقف الافنجيليين المبني على الإيمان المسيحاني. هم سيبيعون الإسرائيليين مقابل كرسي في المحكمة العليا، قال لي بايدن في ذاك الحديث. منذ ذلك الحين حصلت أمور. في ثماني سنوات أوباما كان بايدن نائبا للرئيس. في هذه السنوات انفتحت هوة بين موقف بايدن من إسرائيل والموقف من نتنياهو. ومنذئذ قام جيل جديد في الحزب الديمقراطي، يشخص إسرائيل مع الاستعمار، الاحتلال والأخطر من ناحيته-مع ترامب. لقد أحرق نتنياهو أو على الأقل سحق، العلاقات مع القوة الصاعدة في الحزب الديمقراطي. أما مع بايدن فسيتدبر أمره”. وحاليا يقول رئيس منظمة “بتسيلم” حجاي إلعاد ان إسرائيل استغلت جيداً الـ 4 سنوات من حكم إدارة ترامب من أجل أن تدفع قدماً بمشروع نهب الفلسطينيين واستيطان اليهود.