الرقص العاصف لبعض السياسيين، المغردين واليساريين على الدم المجازي لدونالد ترامب، زائد.
فلو كنا سنفحص ترامب بمقياس أخلاقي أو إنساني لكان واضحاً أن الرجل غير مناسب لأن يقف على رأس أي شيء، فكيف وهي القوة العظمى الأقوى في العالم. ولكننا إسرائيليون، وعليه فلا مفر: يجب الفصل بين شخصيته المقيتة، وأنه فعل لنا بضعة أمور مهمة. لا، لا أقصد الضم ولا قصة الغرام مع المستوطنين التي أدارها السفير ديفيد فريدمان. لا حاجة للمرء أن يكون مريضاً كبوعز بسموت كي يفهم ما ساهم به الرئيس لأمن إسرائيل وازدهارها بمساهمته الواضحة في الموضوع الإيراني، والموضوع الأمني، وفي عرض خطة القرن، وتصفية قاسم سليماني، وفي اتفاقات إبراهيم. وأحياناً يمكن ببساطة القول شكراً. هذا مجاني.
قد يكونان مبررين شكوى وبكاء اليمين والناطقين بلسانه على ضياع ولاية ثانية لترامب، وقد لا يكونان كذلك؛ إذ لا نعرف أي ترامب سيظهر في الولاية الثانية. فهل كان سيسعى بكل القوة لاتفاق مع إيران كي يحظى بجائزة نوبل، أم يواصل سياسة “الضغط الأقصى” كي يسقط آيات الله؟ شيء واحد مؤكد: كل أولئك الذين يؤبنون أمريكا، يخضون القمقم. كل أولئك الذين يقولون إن هذا التأييد المذهل لترامب يثبت أن ترامب هو أمريكا، لا يعرفون أمريكا. فالسبيل الأفضل لنشرح ما هي أمريكا هو أن نسألهم متى استصدروا تأشيرة واشتروا بطاقة سفر غالية، وطاروا 12 ساعة، واجتازوا الطابور الطويل في الهجرة واعتلوا السيارة العمومية الصفراء كي يصلوا إلى بيرميغهام في ألباما أو إلى أوماها في نبرسكا. عبثاً: ولا مرة. عشرات ملايين السياح، وبينهم كثير من الإسرائيليين يتدفقون إلى نيويورك، وبوستون، وشيكاغو، ولوس أنجلوس، وسان فرانسيسكو. هذه أمريكا الذي يعرفها العالم، هذه أمريكا التي يقدرها العالم، هذه أمريكا التي تقود العالم الحر. هذه أمريكا التي يعجب بها العالم. أي التي أعجب بها إلى أن جاء ترامب.
هذا وغيره: كابتن أمريكا ترامب فاز قبل أربع سنوات بالرئاسة، رغم أنه حصل على 3 مليون صوت أقل من هيلاري كلينتون. إحدى المرشحات الأضعف التي تقدم بها الحزب الديمقراطي. هذه السنة حصل على نحو 5 ملايين صوت أقل من جو بايدن، الذي سيحتفل بسن الثمانين بعد سنتين. ما حصل في أمريكا الأسبوع الماضي لم يكن انتصار بايدن، بل هزيمة جارفة لترامب. أمريكا ستقتلع ترامب من البيت الأبيض.
غريبة حجة كورونا القائلة بأن لولاها لفاز ترامب، فكورونا كانت فيتنام لترامب. الاختبار الأعلى، المطلق للزعيم. فمن أجل الانتصار على كورونا لا يكفي إلقاء الخطابات الملتهبة وضمان بناء سور (“يموله المكسيكيون”) وعدم الإيفاء بالوعد. من أجل الانتصار على كورونا هناك حاجة لزعيم مع رؤيا ومسؤولية وقدرة تنفيذية وكفاءة زعامة. كل ما لم يكنه ترامب. فمعالجته الإجرامية للوباء، الذي قتل حتى الآن أكثر من ربع مليون أمريكي، هو فشل ذريع ولا يمكن فصله عن الولاية نفسها.
لننتقل إلى بايدن. أهو صديق حقيقي متفان لإسرائيل؟ الجواب هو هذا وذاك معاً، والوضع معقد. بالتعابير التي ترسخت هنا لسنوات، فإن بايدن أحد العاطفين المتفانين، القدامى، الثابتين والمحبوبين لإسرائيل، ووصف نفسه بالصهيوني غير مرة، فهو ملتزم بإسرائيل، ومحبته لها طبيعية، غير مفتعلة، ويعتقد أننا الجانب المحق وأن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تقف هناك وتعطي كتفاً وتفتح لنا مظلة وتوفر لنا كل ما نحتاجه كي نضمن أمننا ومستقبلنا.
حتى إشراق ترامب في سماء الشرق الأوسط ما كان يمكن الصلاة لأحد ما أفضل من بايدن. كل الإدارات الأمريكية، الديمقراطية والجمهورية، اتخذت السياسة ذاتها: المساعدة السخية لإسرائيل، ومظلتها السياسية، والحلف الأمني العسكري والاقتصادي مع إسرائيل، وثمة ملاحظة تحذير: التزام مطلق بحل الدولتين، وعدم الاعتراف بالمستوطنات، وتحديد الخط الأخضر كأساس للمفاوضات، وعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ لأن شرقي المدنية تنتمي إليها (ليس لأي أمريكي مشكلة مع غربي المدينة).
ولكن عندها جاء ترامب، وبركلة طائرة حطم كل هذا. عين مستوطناً متطرفا ًسفيراً، ونقل السفارة إلى القدس، واعترف بالسيادة في هضبة الجولان، وشطب الفلسطينيين، وأوقف التمويل لوكالة الغوث، وتمويل السلطة، وما زالت اليد ممدودة. وهذا أفرح اليمين وأرقص المستوطنين. ولكن كل من توقف للحظة ليفكر، عرف بأنه مثلما جاء هذا، هكذا سيرحل أيضاً. متى؟ عندما ينهي ترامب مهام منصبه. وعليه، فإن سقوط ترامب هو سقوط المستوطنين.
في الواقع الترامبي نشأت معادلة جديدة مع متغيرات مختلفة تماماً. فجأة رئيس أمريكي من نوع كلينتون، وبوش الابن، وبايدن، لم يعد عاطفاً لإسرائيل فقط لأنه سيسعى إلى تنفيذ حل الدولتين.. فجأة رئيس لا يبعث بتهنئة رئاسية ليوسي داغان على شرف عرس ابنة أخته، يعد معادياً.. فجأة من لا يقسم بوجود “ايتمار ج”، يعد طاغية. طورنا شهية سليمة في فترة ترامب، ابتلعنا وهضمنا وكأنه لا يوجد غد، ولكن فجأة جاء الغد. أي، أمس، عندما اقتحم بايدن حاجز المجمع الانتخابي وأعلن الرئيس المنتخب. والآن بتنا في حالة سكرة مبيتة.
مع كل الاحترام للمستوطنات، فإن المسألة الإيرانية وجودية أكثر قليلاً. في هذا المجال، القصة مركبة أكثر. وفر ترامب البضاعة في كل ما يتعلق بالضغط على طهران، وبقوة. من جهة أخرى، إيران قريبة اليوم إلى القنبلة النووية أكثر بكثير مما كانت قريبة في آخر يوم لـ “الطاغية” أوباما في منصبه. لم يكن الاتفاق النووي كامل الأوصاف، كانت فيه ثغرات وثقوب، ولكنه وفر للعالم ولنا هدوءاً من النووي الإيراني لـ 10 – 12 سنة. وخروج الولايات المتحدة من الاتفاق سمح للإيرانيين بخرق نصيبهم (وعن حق) ويقتربوا من القنبلة.
هل كان ترامب سيواصل في ولايته الثانية ما فعله في الأولى؟ لا أحد يعرف. برأيي، ترامب هو الآخر لا يعرف. لم ينم جهازا الأمن والاستخبارات عندنا بهدوء في السنوات الأربعة الأخيرة. الرئيس غير المتوقع، والمتقلب والغريب هذا، كان قادراً على أن يفعل كل شيء: أن يواصل الضغط على الإيرانيين، ولكن قد يفقد الاهتمام بالقصة كلها أيضاً. ماذا كان سيفعل لو قرر الإيرانيون الاقتحام إلى النووي بشكل علني، قرار موضوع على طاولة خامنئي منذ زمن طويل؟ هل كان سيهاجم؟ وكيف سيهاجم إيران؟ مثلما هاجم كوريا الشمالية؟ باختصار، لغز. كفاحية ترامب تجاه إيران لم تثبت نفسها بعد ولا يمكن أن نعرف إذا كانت ستثبت نفسها في الولاية الثانية أم تصبح مصيبة استراتيجية رهيبة من ناحيتنا.
وبايدن؟ التقدير أنه سيسعى إلى استئناف المفاوضات مع إيران. وبالمناسبة، ترامب أيضاً أعلن بأنه سيجري مع إيران مفاوضات بعد الانتخابات. التقدير هو أن بايدن سيوافق على بادارات طويلة مع طهران كي يحسن الأجواء. وهو سيسعى إلى اتفاق نووي محسن. نأمل بأن يكون لنا ما يكفي من الروافع وما يكفي من التأثير في واشنطن كي يكون اتفاق بايدن جيداً ومحسناً أكثر من اتفاق أوباما. ينبغي الصلاة ليحرص نتنياهو (إذا كان بالفعل رئيس الوزراء) ألا يكرر الخطأ الفتاك الذي فعله مع أوباما، وألا يصبح عدو البيت الأبيض، وألا يدق إصبعاً في عين الرئيس، كي “يبقى في غرفة” المفاوضات مع إيران ويتمكن من التأثير عليها.
وأخيراً: بايدن ليس أوباما، فهو ليس ليبرالياً مثل أوباما ولا سلمياً مثله. بايدن، مثلما قال لي إسرائيلي يعرفه على نحو ممتاز، كان يدخل في مشادات بالأيادي طوال طفولته الصعبة في دلاور، وهو ليس إمعة. إذا كان أوباما هو يوسي بيلين، فبايدن هو إسحق رابين الحزب الديمقراطي. وهو صديق نتنياهو منذ جيل، يعرف إسرائيل على نحو ممتاز ويحبها ويجب مساعدته ومساعدة إسرائيل بدلاً من الشقاق معه.
بقلم: بن كسبيت
معاريف 8/11/2020