لوثة الفنانين ـ مثال عاصي الحلاني

حجم الخط
0

حسين سليمان في ليلة باردة ليست من طبيعة هيوستن، الشتاء على الأبواب ويحمل الهواء في خباياه، مطرقة، أو ربما رذاذا غير مرئي مشبع بقوة اللا أرض، قوة بيضاء تشع فيها النجوم الروحية التي لا يرتفع نحوها رؤوس الكثيرين، إلا القليل النادر منها، ومتى كان آخر مرة رأى أي منها السماء والنجوم؟ الأرواح الممتدة تهب الانسان قدرهـ (ــو) وقيمته ـ التي- يفنى عمره من أجلها ولا يحصل عليها إلا المحظوظ الذي لائم الحياة الداخلية مع حياة الخارج وكوّن منهما بنيانا متماسكا. ظهر لي أن العالم منقسم إلى طرفين، نحن الآن في هيوستن مع أعداد معقولة من الجالية السورية التي جاءت للتظاهر امام ‘نادي بيبلوس’ الليلي، اللبناني (الليلي) الذي سيقيم حفلة غنائية لعاصي الحلاني. مازال في ذهني ليل وشوارع، لبنان ـ إضاءة العشق-، ولا ثمة فرق كبير بين لبنان وسورية فهي طبيعة واحدة وشعب واحد، ليلة الجمعة التاسعة مساء، شموع ترتفع بأيدي صبايا ولا يعود هناك ظلام، النور في الزنود والوجوه، يترقرق كجريان نهر لا تدري أين ينام نصف قمره ينتظر فيها الحبيبة الغائبة البعيدة ومرات ومرات يجرد الخيال بحزن وجداني حين يشعر بالوحدة أن العالم تمثال صامت، لكن المظاهرة سربت النور من الشقوق العليا للروح التي بدأت تنهض وتستيقظ وقد كانت هناك بالتأكيد أيد تدق الأبواب المنسية كأنها مطرقة في البال وراحت تقرع بجرس إلهي أن ما يحدث هو معجزة لا تجاريها معجزة أخرى وأن الدبابات والبنادق والطيران لن تغير مجرى التاريخ. لأن الذي يستيقظ الآن هو الباطن الكلي خالق الدبابات ومحرك البنادق ورافع الطيران ينهض ولا قدرة ليد نظام أن تعيد نومته مرة ثانية.

هذا الباطن المستيقظ لن يستطيع الوقوف أمامه بشار… إلى عاصي الحلاني وغيره (وإيراد اسم عاصي ليس لأنه رمز بل شاهد)، مثلا دريد لحام، رغدة، بكرة خيوط مناصرة النظام تكر حتى تكشف اسماء كنا نظن انها وطنية تعيش مع آمال الشعب (مثلا وقفة دريد لحام على المسرح وهو يتصنع إنشاد: بكتب اسمك يابلادي على الشمس اللي ما تغيب- وقفة مضحكة تملأها مراهقة وانعدام خبرة) الواقع الفني يكشف كم هو تخلف الفنان وتفاهة ما يقدمه فنيا. يحمل طبيعته الانتهازية التي لن تساعد في ولادة ابداع جديد فهو ليس سوى مقلدا، حكواتي مقهى كان قد نقل مكانه من المقهى الى المسرح. ولهذا فهو لن يصنع شيئا للثورة من مبدأ أن صعود نجمه المحلي كان مدفوعا بأيد النظام ودعمه. لست في سورية كي أعاين اللحظات الروحية العارمة التي تشتعل داخل المتظاهر وهو ويرفع راية الحرية، هذه اللحظات لمستها في مظاهرات اسبوعة تعلنها الجالية السورية كل يوم أحد في هيوستن، اطفال وصبايا وأسر وشباب، نساء يرفعن أصواتهن، لحن الشام ( التي كاد لحنها ينسى بعد أن استولت القرى غير المتحضرة على دمشق، نزولا من الجبال ومن القرى البعيدة باسم الحزب والبعث والاشتراكية) الشعب يريد اسقاط النظام من أجل الحرية- النظام الذي أفقدنا انسانيتنا وقدرتنا على الحياة. وأنا اتساءل لماذا هذا الزمن الطويل لبقائه 40 او 50 عاما؟ مملؤة بالقهر والجهل وانعدام التهذيب وانعدام انسانية المواطن. مظاهرات هيوستن تدار من قبل بعض اعضاء الجالية (عيونهم حمراء) ومنهم ابناء واحفاد رئيس سوري سابق. لم يفقد النظام السوري شرعيته فقط لكنه فقد ايضا شيئا هاما وهو امكانية استمراره في ضمير المواطن، انعدام إيمان الشارع به، حين تكف العامة عن الإيمان بك فإنك لا محال ساقط. الضمير الذي استيقظ داخل الفئات السورية المنكوبة سوف يستمر وينمو، فئات لم يناصرها الى الآن تجار الولادات الحديثة، انتهازيو الشام وحلب الذين لا اخلاق لهم ولا دين، هم سوءة النظام ومؤخرته والتي آن الآوان لها أن تمسح القذارة عنها وتتطهر. الفن باعتباره فنا لم يتدخل منتجوه كثيرا في المحنة السورية ماعدا قامات أصيلة من أمثال الراحل عمر اميرالاي وعلي فرزات… وبالمناسبة عمر اميرالاي الذي رحل قبل تفجير الثورة السورية بأيام، لم ير نتائج تصميمه الابداعي الذي استمر منذ سبعينيات القرن الفائت بأفلام تسجيلية وصلت الى المصاف العالمية هذا الرجل كان اليد الخفية وراء: الشعب يريد اسقاط نظام البعث والنظام الانتهازي الذي انكشفت أوراقه. كم يتألق الفنان حين يضع مشروعا وطنيا أمام ناظريه ويوظف الماكنة الابداعية لمحاربة الاستغلال والجشع والضمائر الميتة. كيف لنا أن نقول له: السيد عمر، مافعلته، ما قمت به من زمان كان قد نما ووصل بخطوات ثابته الى نتائجه؟

أسر سوريين بنات وشباب امام رصيف نادي بيبلوس العاشرة ليلا ترفع صور لمجازر النظام وصورة لعاصي الحلاني الذي غنى على اشلاء شهداء الثورة تقول هذه الصور: ‘مؤيدو قتلة الأطفال غير مرحب بهم في هيوستن عار عليك ياعاصي الحلاني’ ترفع الشموع التي وقودها الخفي الساهب كانت ارواح الشهداء السوريين تتراقص مع نجوم بعيدة، حين تقصي النظر نحوها تتساءل عن معنى التعسف والظلم اللذين دخلا قلوب طغاة العرب ومرت سيارة مسرعة ففتحت نوافذها وسمعنا منها كلمة: تحيا ليبيا! سورية وليبيا ومعمر القذافي الذي تخيل أن شعبه ليسوا سوى جرذان كانت المصادفة أن وضعته في مجرى صحي – موطن الجرذان- وكم كان يشبهها حين كان ثوار ليبيا يقودنه خارج المصرف الى حتفه الأخير والذي أغضب البعض وراحت العقائر ترتفع عن ضروة محاسبتهم ناسيين أنه كان السبب في دمار هؤلاء الذين أنهوا حياته ـ الثورة في النهاية لا يمكن ان تكون منطقية انسانية كونها نابعة من الاعماق اللا واعية تمر كما نهر وكما طوفان- لا أحد سيقول للطوفان اذهب هناك ومر من تلك الناحية، تصرف بأدب، لا تمر من هنا… انها الطبيعة حين تزأر. حال مخيف أيها الطغاة أليس كذلك؟ ناقد من سورية يقيم في امريكا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية