رفقي عسافكمشاهد وكمهتم، تتبعت مسيرة نادين لبكي، منذ أول أعمالها في الكليبات المصورة، أغنية ‘لا ما فينا’ للمطربة كاتيا حرب، ومنذ ذلك اليوم تنبأت بمولد مخرجة مهمة على مستوى الوطن العربي، ولم يخب ظني، فتتالت نجاحات لبكي في الكليبات المصورة، والتي كانت جميعها تحمل حساً سينمائياً مرهفاً. ينبىء بمخرجة سينمائية سيكون لها شأن كبير، وجاء أول أفلامها ‘سكر بنات Caramel’ ليؤكد هذه الحقيقة، ويجمع بين ثناء النقاد الكبير، وبين إعجاب الجمهور العريض، ليصل إلى حد احتلال المركز الثاني في شباك التذاكر الفرنسي في سابقة لفيلم عربي.
تعود نادين لبكي بفيلمها الجديد ‘هلأ لوين؟’، لتحقيق المعادلة الصعبة ذاتها، حيث إعجاب النقاد، وإقبال الجمهور، فما الذي تلعب عليه نادين لبكي لتحقيق هذه المعادلة؟.. فيلم ‘هلأ لوين؟’ يتناول قرية غير محددة المكان والزمان، ينقسم سكانها إلى ديانتين، مسلمون ومسيحيون، خرجوا للتو من حرب طاحنة بينها، في ترميز إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت ما بين عامي 1975 و1990 مخلفة ويلات كثيرة، تلعب نادين مجدداً على دور المرأة، كما في فيلمها الأول، ولكن هذه المرة تقدم لنا نساء القرية وهن يحتلن لمنع رجالهن من الاقتتال الطائفي مجدداً، ويستخدمن في ذلك كل الأساليب المتاحة.
خلطة سحرية جديدة تقدمها لبكي، في اللعب على التابوهات مرة أخرى، مختلفة هذه المرة، ففيما كان تابو الجنس هو نقطة انطلاق فيلمها ‘سكر بنات’، يأتي تابو الدين والصراع الطائفي ليشكل بؤرة فيلمها الجديد، ببراعة منقطعة النظير، وبسخرية لاذعة، في كوميديا إنسانية سوداء، تضحكك وتبكيك، موضوع عميق ومهم، مكتوب ومشغول بإدراك ينتزع ثناء النقاد، ومعالج بطريقة ساخرة وإنسانية معبرة تجتذب متابعة الجمهور، كل هذا في قالب سينمائي مصنوع بتأن، ومفعم بروح هذه المخرجة/الممثلة المبدعة.
تأخذنا نادين لبكي في رحلة بصرية ساحرة، مع مدير التصوير الفرنسي كريستوف اوفنشتاين، في ضيعة نائية ساحرة، يفصلها عن العالم جسر مهترىء في رمزية عالية، فتقدم لنا وجبة بصرية دسمة مليئة بالمضامين، والعلاقات الإنسانية التي تمس القلب لفرط تلقائيتها، معتمدة في ذلك على أداء مجموعة من الممثلين المبدعين، تقودهم هي كما دائماً في دور ‘آمال’، الفتاة المسيحية التي تجمع نساء القرية، في أداء مميز وخلاب يشف عن كون نادين الممثلة، لا تقل أبداً عن نادين المخرجة، والعكس صحيح تماماً، كما أعجبني كثيراً أداء جوليان فرحات في دور ربيع، الدهان المسلم، وليلى حكيم في دور عفاف.
المونتاج الذي تولته الفرنسية أيضاً ‘فيرونيك لانج’ التي سبق وأن عملت مع الفلسطيني ‘إيليا سليمان’ على فيلميه ‘يد إلهية’ و’الزمن الباقي’ بالإضافة إلى الفيلم الفرنسي الشهير ‘تاكسي’، المونتاج في هذا الفيلم جاء مميزاً وسلساً في التنقل بين أحداث الفيلم الكثيرة، وحافظ على خيط الاستمتاع بأحداث الفيلم بإيقاع لطيف للغاية، أما الموسيقى، والتي قام بتأليفها خالد مزنر(زوج نادين لبكي)، فكانت من أجمل ما في الفيلم، ولعبت دوراً مهماً في نقل الإحساس إلى المتلقي في كل موقف بالإضافة إلى استخدام مجموعة من الأغاني الجميلة.
نادين لبكي في فيلم ‘هلأ لوين؟’، تحاول أن تصل إلى حقيقة كم نحن متشابهون كبشر، حتى وإن اختلفت أدياننا، وبأننا لو تركنا التعصب يحكمنا فستحكمنا شريعة الغاب والقتل، هي تحاول من خلال فيلم جميل أن تسخر من عصبياتنا لا من أدياننا، وتقدم التعايش والحب بديلاً للسلاح والاقتتال، تحديداً الطائفي منه، نادين من أجل هذا ترسم على وجوهنا ضحكة، وتسرق من عيوننا دمعة، وتنجح تماماً في جعلنا نتورط في فيلمها، ومع أبطالها، لأنها تصنع شخصيات من لحم ودم، وتقدمهم لنا بأحاسيسهم، فنجد أنفسنا وقد تورطنا في بناء علاقة شخصية مع كل واحد منهم، علاقة مبنية على التعاطف والتفهم، وتتركنا بعد أن قدمت لنا رؤيتها للتشاحن الطائفي الذي تكفي شرارة لتجعل منه حرباً، تتركنا مع تساؤل حقيقي وحيد كعرب وكشاميين: ‘هلأ لوين؟” شاعر ومخرج أردني/فلسطيني