يصادف 15من الشهر الجاري نوفمبر/تشرين الثاني مرور 47 سنة على رحيل الشاعر الروائي الأردني تيسير سبول، الذي أقدم على إنهاء حياته بنفسه، ولما يتجاوز الرابعة والثلاثين. فقد ولد في مدينة الطفيلة في جنوب الأردن عام 1939 وقيل 1938 ولكن إقامته الدائمة كانت في الزرقاء على نحو 20 كيلومترا شمال شرقي عمان. وعندما أنهى دراسته الثانوية بتفوق عام 1957 شد الرحال إلى بيروت ليتابع الدراسة في الجامعة الأمريكية، وكانت قد ظهرت لديه ميول أدبية. ونظرا لحسه القومي توقف عن الدراسة في بيروت، وغادرها إلى دمشق ليلتحق بكلية الحقوق. وفي الأثناء انتسب لحزب البعث الذي انسحب منه لاحقا. وتزوج من مي اليتيم 1963.
بعد عودته، عمل تيسير سبول في ضريبة الدخل، وفي 1963 غادر للبحرين راغبا في العثور على عمل رائق في المنامة، إلا أنه لم يستقر فسرعان ما غادرها إلى جدة ليعمل في أحد المصارف. وفي عام 1964 غادرها عائدًا إلى عمان، ووجد عملا في الإذاعة الأردنية موظفا بعقد سنوي. وفي عام 1969 تحول إلى موظفٍ مصنَّف. ولمع ذكره وذاعت شهرته بسبب البرنامج الأدبي الذي ظل يعده باسم «مع أدبنا الجديد» حتى رحيله عام 1973. وخلال هذه الحقب دأب على نشر قصائده في «الأفق الجديد». وتعرف على عبد الرحيم عمر، وأمين شنار، وجمال أبو حمدان، ونشر مجموعته الشعرية الأولى عام 1966 عن دار مكتبة الحياة في بيروت وكانت بعنوان «أحزان صحراوية». وفي عام 1967 أو 68 كتب روايته الأولى والوحيدة «أنت منذ اليوم»، وفازت هي ورواية «الكابوس» لأمين شنار بجائزة جريدة «النهار» اللبنانية لأفضل رواية عن نكسة يونيو/حزيران 1967. وبعد هذه الرواية كتب أشعارا وقصصًا قصيرة ومقالات جمعها ونشرها في مجلد واحد إلى جانب ديوانه، وروايته المذكورة، سليمان الأزرعي، وصدرت عن دار ابن رشد ببيروت 1981 . وأعيد نشر الرواية في طبعتين؛ إحداهما طبعة شعبية ضمن مشروع مكتبة الأسرة، والأخرى صدرت عن دار أزمنة بمقدمة للراحل إلياس فركوح.
واللافت للنظر أن شعره حظي باهتمام الدارسين، كما لم يحظ شعر شاعر أردني آخر. فقد نوه لما في شعره من تجديد، عيسى الناعوري، وسمير قطامي، وأحمد المصلح، الذي أشار ونبّه إلى ما فيه من رموز تارة، ومن رؤى وكوابيس تارة أخرى. ونوه محمد العطيات لما في شعره من ميل للحزن، ومن تشاؤم يبلغ حد الفجيعة، ما يدعو للربط بين هذه المشاعر وانتحاره. أما عبد الفتاح النجار، فعده شاعرا مجددا، تغلب مظاهر التجديد على الإيقاع لديه، والوزن، والروي، والصورة، فضلا عن جدة المحتوى، لكونه يتناول في قصائده ما يعانية إنسان هذا العصر من هموم، ومشكلاتٍ عرف بها الشعر الحديث لدى السياب، وخليل حاوي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وغيرهم من الشعراء الروّاد.
والواقع أن «أحزانه الصحراوية» لا تخلو مما ذكر؛ فاللغة يتوافر فيها المجاز، وتكثر الاستعارة، فهو في بعض شعره يشخص إحساسه بالاغتراب من خلال المواكب والدروب، يقول:
يدركني المساء
إذ تخرج الأحزان في
مواكبٍ .. مواكب ٍ
نحليلةً شاحبة ً
هشيمة المناكب
تحاصر الدروب
وتعرف الغريب
لتستقي من عينه بقية الرواء
والقصيدة لديه بنية تحتل فيها الوقفة المقطعية، والسلسلة الوزنية، والقافية، والروي، وتكرار الصوائت، والتلوين اللفظي المجازي منه والاستعاري، والرمزي منه والمباشر، منزلة لا تقل علوًا عن منزلة الألوان في الرسم، والرخام في النحت، والأنغام في الموسيقى. ومثلما أثار شعره هذا الاهتمام أثارت روايته الوحيدة اهتماما أكبر، وحظيت بدراسات أكثر وأوفر. ففي مقدمة من تناولوها إلياس خوري (1974) في كتابه البحث عن أفق، وشكري الماضي في «انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية» (1978) وعصام محفوظ في «الرواية العربية الشاهدة» (2000) الذي ربط ربطا له ما يبرره بين انتحار سبول ومحاولة بطل الرواية (عربي) الفاشلة للانتحار بتناول علبة أسبرين، بيد أنه تراجع عندما سمع المؤذن يرفع عقيرته بنداء الله أكبر.. وتعددت الآراء في هذه الرواية، واختلفت اختلافا شديدا، فمن قائل إنها سيرة ذاتية مقنعة بقناع روائي، إلى قائل إنها قصة، لا رواية، كالتي تسمى لدى الغربيين novelette ومنهم من يعدها رواية حداثية على أساس أنها أول رواية تلجأ إلى توظيف تيار الوعي Stream of Consciousness في الرواية العربية، متقدما بذلك على كل من جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني. وزاد على هذا خليل الشيخ فوصف بطل الرواية (عربي) بالنموذج اللامنتمي Outsider الذي طغى وهيمن على الرواية الأوروبية. وفي مقال قصير لعبد الله إبراهيم (1999) ينوه الناقد العراقي لما في الرواية من سرد مزدوج، فهو يروي الوقائع بضمير المتكلم تارة، وبضمير الغائب تارة أخرى، أي أنه يراوح بين سارد مشارك وسارد عليم وموضوعي. والنوع الأول يغلب على ما له صلة بعالم البطل الداخلي، والثاني يغلب على ما لا صلة له بعالمه الداخلي. والذي لا ريب فيه أن الرواية «أنت منذ اليوم» يصدق عليها وصف أحمد مجدوبة لها، فهي في نظره من روايات ما بعد الحداثة Post-Modernism. وقد سبق بها الكاتب الأمريكي Kurt-Vonnegut صاحب الرواية Slaughter House Five (1969) التي تعد في المقام الأول من روايات ما بعد الحداثة. إذ تتصف بالزمن المتشظي، المتكسر، الذي لا ينحو فيه السارد المنحى الخطي التسلسلي، وتتصف بالحبكة المفككة Disjunctive ، واختلاط الراوي المشارك بالراوي العليم الموضوعي. وضمير المتكلم بضمير الغائب، إلى جانب كثرة الفجوات Taps التي تتطلب من القارئ القيام بملء الفراغات ليبلغ تفاعله بما يقرأ الدرجة القصوى. علاوة على ما سبق، يغلب على رواية ما بعد الحداثة ما يسميه علماء السرديات المراوحة في الزمن Time Shifting إلى جانب اتباعه طريقة جديــــدة في تقديم الشخوص بحـــيث يكتـــفي بذكر أنصاف النعــوت تاركًا للقارئ أن يتوصل للتكملة بنفسه.
وهذه الأساسيات التي تقوم عليها رواية ما بعد الحداثة تقوم عليها رواية سبول المذكورة. فالتداعيات الحرة، التي تملأ فضاءَ النص، تحقق للكثير من هذه التقنيات السردية حضورها المتألق الذي بدوره يجعل من تصنيفها في رواية ما بعد الحداثة تصنيفا معقولا، ومقبولا. وعلى الرغم من أن تيسيرا شاعرٌ في الأساس، لا ناثرا، إلا أنه عند كتابته هذه الرواية تخلى عن الشاعر الذي كان، وصاغ وقائعها باللغة التي تصلح لكتابة الرواية، لا تلك التي تصلح لكتابة القصيدة. إذ الملحوظ أن الذين تحولوا من الشعر لكتابة الرواية ظلوا يحافظون على صلاتهم باللغة الشعرية، ما أفسد الرواية التي يكتبون.
وشاع ذلك شيوعا ملحوظا حتى بدأنا نتعثر به في العناوين التي يختارونها مثل «أفاعي النار» مثلا و»شرفة الهاوية». وطغى التخبط على الرواية، فالقارئ لا يستطيع التفريق بين الشعر فيها والسرد، وبدأنا نقرأ تعبيرًا جديدا عن هذا الهذر، وهو الرواية القصيدة. وهذا يتنافى مع المبدأ الذي رسخه رواد هذا الفن منذ زمن غير قصير. فالروية لا تكتَبُ إلا باللغة التي يتكلم بها الناس في حياتهم اليومية، أي تلك التي يطلق عليها تعبير common speech أي اللغة التي يتكلم بها القارئ العادي بتعبير فرجينيا وولف. وإذا تذكرنا أن هذه الرواية كتبت، ونشرت عام 1968، قبل أن تبلغ الرواية الأردنية سنَّ الرشد، اتضح لنا كم كانت خسارتنا كبيرة برحيل تيسير سبول في 15 نوفمبر 1973.
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن