هل وقع رياض محرز في مصيدة غوارديولا؟

حجم الخط
3

لندن – “القدس العربي” يقول المثل الشعبي “أسمع كلامك أصدقك، أشوفك أمورك استعجب”، كأفضل تعبير ووصف للسان حال النجم الجزائري رياض محرز اتجاه مدربه بيب غوارديولا، الذي يتعامل معه بطريقة تدعو للتأمل والاستغراب في آن واحد، إذ أنه من جانب لا يتوقف عن مدح محارب الصحراء بالكلام المعسول أمام العدسات والصحافيين، ومن جانب آخر، لا يعتمد عليه في التشكيلة الأساسية إلا في حالات الطوارئ أو للمداورة، وذلك ليس في الآونة الأخيرة أو من بداية الموسم، بل منذ ضمه من ليستر في 2018، مقابل رسوم تخطت حاجز الـ60 مليون جنيه إسترليني.

 

شعرة معاوية

بعد هدنة الشهرين الماضيين، بتوقف الشائعات التي تشكك في إمكانية بقاء قائد أبطال أفريقيا مع “السكاي بلوز” لموسم آخر، ليس فقط لغلق الميركاتو الصيفي، بل أيضا، للانفراجة الأخيرة، التي شهدت عودة رياض إلى التشكيلة الأساسية في ما مجموعه 7 مباريات، بواقع خمسة في الدوري الإنكليزي الممتاز واثنتين في دوري أبطال أوروبا، إلا أن ما فعله بيب في آخر مواجهة قبل عطلة الفيفا، باستبعاد محرز من القائمة التي تعادلت مع حامل لقب البريميرليغ ليفربول بهدف لمثله، أثار ضجة على نطاق واسع، لعدم اقتناع الأغلبية بتبرير المدرب هذه المرة، بأنه فعل ذلك “من أجل مصلحة اللاعب”، خوفا من تعرضه لإصابة أو الإجهاد من ضغط المباريات، على عكس ما قاله المدرب بنفسه في السادس من يناير/كانون الثاني الماضي، إن “رياض غير قابل للإصابات لعدم وجود عضلات في ساقه”. وبصرف النظر عن تناقض غوارديولا، فقرار تهميش لاعب بحجم وقيمة رياض محرز، في أهم لقاء محلي للفريق في النصف الأول من الموسم، وفي غياب سيرخيو أغويرو المصاب، من شأنه أن يترك أثرا سلبيا داخل صاحب الـ29 عاما، كما أنها رسالة محبطة للاعب، وقد يفسرها على أنها إشارة إلى عدم أهميته للفريق والمدرب، لأن المتابع البسيط يعرف قبل خبراء التحليل، أن قيمة اللاعب الكبير تظهر في معارك تكسير العظام، فما بالك عندما تقوم باستبعاده من قائمة الـ18، وهو في أفضل أحواله وقمة لياقته البدنية، وأيضا ليس مصابا أو يعاني من أي مشاكل، لهذا لم تنطل حجة المدرب الكتالوني على النقاد والمتابعين، بأنه كان هناك اتفاق مع رياض، لإراحته في المواجهة الاستثنائية أمام منافسه على اللقب الشرفي “فخر العرب” محمد صلاح، والدليل على ذلك ما قاله مدرب المنتخب الجزائري جمال بلماضي، إن “استبعاد محرز أمام ليفربول أصابه بخيبة أمل مريرة”.

 

الوجه القبيح

لا شك أبدا، أن غوارديولا، يعد من ألمع المجددين في أفكار الكرة الحديثة، إن لم يكن إمبراطور جيل مدربي الألفية الجديدة، بحسب اعتقاد شريحة عريضة من المحللين والمتابعين، بمن فيهم ألد خصومه، وكذلك على المستوى الشخصي، يُعرف عنه أنه شخص لطيف في تعامله مع الآخرين، وكأي إنسان لديه الكثير من المميزات والعيوب، أشهرها تمتعه بذكاء حاد وبراعته في إلقاء الكلمات، ما جعله ينفرد بلقب “الفيلسوف”، وفي الوقت ذاته، يُعاب عليه عصبيته الزائدة في أوقات غير متوقعة، وعدم الأخذ بنصيحة الآخر، بجانب ذلك لا يُجيد قيادة السيارات، لكن تبقى تهمته بالعنصرية اتجاه الأفارقة، بمثابة الوجه القبيح لغوارديولا، لدرجة أنه اكتسب سمعة سيئة في طريقة تعامله مع أصحاب البشرة السمراء الأفارقة على وجه الخصوص، وليس المنتميين لمنتخبات القارة العجوز، ومع تكرار انتكاسة الأفارقة معه، بات يُعرف بالعدو الخفي لنجوم “الماما أفريكا”، كما أدلى المسلم يحيى توريه بشهادته لصحيفة “الغارديان” إن “غوارديولا عنصري وحسود مع السود الأفارقة”، لكنه بحسب نفس الشاهد: “بيب ذكي جدا من أن يتم كشفه، هو لن يعترف بكرهه للاعبين الأفارقة وباليوم الذي يشرك فيه 5 لاعبين أفارقة فسوف أعده بإرسال كعكة له”، مضيفا في حواره الموثق: “لقد أهانني كثيرا وجعلني مادة للسخرية، شعرت بعدم الاحترام طيلة الوقت، تساءلت حتى إذا كان هذا يحدث بسبب لون بشرتي؟ لست الوحيد، أعرف آخرين في برشلونة تعرضوا للعنصرية منه، إنه يتظاهر بما هو عليه”، وما أثار الجدل حول هذا الاتهام، ربط البعض بين هذه التصريحات وبين معاناة جُل الآفارقة معه، مثل صامويل إيتو وكليتشي إيهيناتشو وسيدو كيتا، والآن تظهر المؤشرات أن أمور محرز لا تسير كما كان يخطط لها مع اقترابه من منتصف موسمه الثالث، مع المدرب، الذي لطالما حلم بالعمل تحت قيادته، على أمل أن يساعده على استعادة مكانته التي كان عليها في موسم المعجزة مع ليستر، عندما أنهى الحملة بتتويجه بجائزة لاعب العام بجانب أفضل لاعب في القارة السمراء. ولنكن منصفين، دعونا نتفق أن كل الشواهد لا تعكس سوى حسن نية بيب، حتى هو بنفسه طالب البشرية بالاعتذار لأبناء قارة المواهب، على ما حدث معهم في آخر 400 عام، في حملة لوقف العنصرية في الملاعب البريطانية.

 

أرقام كاذبة

صحيح محرز كان يفهم جيدا، أنه سيواجه منافسة شرسة لتثبيت أقدامه في التشكيلة الأساسية للمان سيتي، لوجود ترسانة من الأسلحة الفتاكة في مركزه، كان منهم ليروي ساني ودافيد سيلفا قبل رحيلهما الصيف الفائت، لكن الشيء المؤكد، أنه لم يحصل على الحد الأدنى لعدد الدقائق التي كان يطمح لها مع الفريق، مكتفيا بـ1399 دقيقة في البريميرليغ في موسمه الأول، من أصل 2551 دقيقة لعب في مختلف المسابقات، أقل من متوسط الدقائق مع الثعالب في البريميرليغ، أحيانا كان يتخطى حاجز الـ3000 دقيقة على مستوى الدوري، كما فعلها في الموسم التاريخي، ورغم التحسن النسبي في عدد دقائق لعب النجم الجزائري حتى هذه اللحظة بحصوله على 432 دقيقة في الربع الأول للدوري المحلي، إلا أنه لا يختلف معدله كثيرا، عندما كانت فرصه أصعب في وجود ساني وسيلفا، وهو ما ينعكس على تأثيره وحالته المزاجية داخل الملعب. يكفي أنه سجل هدفا وصنع مثله في ظهوره في 10 مباريات هذا الموسم، بينما في الموسم الماضي وما قبله، كانت أرقامه أفضل من ذلك بكثير، إذ أنه يساهم على الأقل بهدف في كل مباراة. ولمعرفة السبب، لاحظ التوتر الشديد عندما تكون الكرة بين قدميه في الثلث الأخير من الملعب، أحيانا يفقد تركيزه بالاحتفاظ بالكرة لإظهار لمسته المختلفة عن باقي زملائه، وربما كل من في الملعب، وهذا يفوت عليه وعلى رفاقه فرص ذهبية، إذا طوع موهبته للمصلحة العليا، وقد يكون أصل التوتر، في خوف محرز على مكانه في التشكيلة الأساسية، أو شعوره بأنه لا يحصل على فرصته كما كان يأمل بعد خروج اثنين من أشرس المنافسين على مكان في التشكيلة الأساسية، وهي أمور قادت العديد من الصحف العالمية، لإثارة التكهنات حول مستقبل رياض مع الفريق السماوي، تارة بشائعات تتحدث عن توتر علاقته بزميله البلجيكي كيفن دي بروين، لغضب الأخير من أنانية زميله الجزائري، وتارة بتقارير تراهن على عودته إلى الليغ1 الموسم المقبل، لكن عبر بوابة كبيرهم باريس سان جيرمان، بينما محرز، اعتبرها مجرد اشاعات لا صحة لها على أرض الواقع، كما تكفل بحق الرد والدفاع عن نفسه، عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

توابع صدمة ليفربول

بعد تصريحات بلماضي عن خيبة أمل محرز من استبعاده من مواجهة ليفربول، أصبح غوارديولا بحاجة لإظهار حُسن وصدق نواياه اتجاه لاعبه الجزائري، إما بإعطائه التقدير والاحترام اللائق بواحد من أمتع وأمهر لاعبي كرة القدم في العالم، وإما سيجد صعوبة في إقناعه بالبقاء للموسم الرابع. وحتى لا نستبق الأحداث، دعونا نتفق أن مرحلة ما بعد عودة اللاعبين من التوقف الدولي، سترسم الكثير من ملامح مستقبل أيقونة محاربي الصحراء مع ناديه، حيث ستظهر رد فعله بعد صدمة مباراة ليفربول، بالرد على المدرب بالأهداف والتمريرات الحاسمة، أو ببقاء وضعه على ما هو عليه لنهاية الموسم، معها سيتوقف مستقبله على مصير بيب مع السيتيزينز، أو يحسم قراره بالبحث عن تحد جديد، ومع ما يتردد عن إمكانية انتقال كريستيانو رونالدو إلى العملاق الباريسي، بعد مغازلة ليوناردو الصريحة، فقد يكون ملعب “حديقة الأمراء”، الوجهة المفضلة لمحرز في مرحلة ما بعد الثلاثين، منها سيحظى بفرصة اللعب مع مواهب مؤهله لمساعدته على تقديم كرته السهلة، التي تعتمد على إبداعه في التخلص السريع من المنافسين والتمرير المباغت في ظهر المدافعين، ومنها سيبقى في نفس الفئة التي تطمح للفوز بدوري الأبطال. أما الخيار الآخر، سيكون البقاء في البريميرليغ مع منافس آخر من الستة الكبار، إلا إذا تحسنت أوضاعه أو رحل غوارديولا مع انتهاء عقده. والسؤال الآن لك عزيزي القارئ: هل تعتقد أن رياض لم يكن موفقا باختيار العمل مع بيب ولو كان مع مدرب آخر لحقق نجاحات أكثر على مستوى الأندية؟ أم ستتغير تلك النظرة التشاؤمية ويكون القادم أفضل؟ عموما دعونا ننتظر ما سيحدث في أسابيع ما بعد صدمة ليفربول.

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية