جرت الانتخابات البرلمانية الأردنية وسط خوف من تعاظم انتشار وباء كورونا، فهبطت نسبة التصويت إلى أقل من 30 في المئة مقارنة بـ 36 في المئة في برلمان 2016. وتم إعلان النتائج وسط حالة من الفزع بسبب مشاحنات وخلافات وانتهاكات قانونية؛ فاستقال وزير الداخلية وانتشرت قوات الأمن والجيش في الشوارع لفرض الاستقرار. وبين الخوف من كورونا والفزع من عدم الاستقرار، تضيق مساحة خيارات كل من الناخبين والحكومة المقبلة وسط ظروف اقتصادية صعبة. ويقدر البنك الدولي أن نسبة الفقر بين الأردنيين هذا العام ستتضاعف تقريبا، لترتفع من 15.7 في المئة إلى حوالي 27 في المئة، بينما يحذر صندوق النقد الدولي من خطورة عدم كفاية شبكة الحماية الاجتماعية لذوي الدخل المحدود، مع عجز الحكومة عن توفير السيولة النقدية الكافية لتقديم المساعدات وحفز النشاط الاقتصادي.
وتخوض الإدارة الأردنية صراعا قاسيا في الوقت الحاضر مع الموجة الثانية من فيروس كورونا المستجد، حيث قفزت الأعداد اليومية للمصابين إلى ما يقرب من 6 آلاف، وتجاوز العدد اليومي للوفيات 80 حالة. ويقدر البنك الدولي أن الموجة الثانية ستستمر حتى أوائل العام المقبل، مما سيضع على كاهل الحكومة الجديدة عبئا أثقل لتوفير السيولة المالية الكافية لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: الأول هو رفع كفاءة منظومة الرعاية الصحية، والثاني هو تخصيص المزيد من الموارد لتمويل احتياجات تنشيط الاقتصاد والحد من التداعيات السلبية للوباء، أما الهدف الثالث فإنه يتمثل في زيادة مدفوعات الحماية الاجتماعية لمحدودي الدخل. هذه الأهداف الثلاثة تستجيب للشعارات التي سيطرت على الحملات الانتخابية للمرشحين، التي كانت تعكس حالة من الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي، واتجهت إلى التركيز على مطالب تحسين الظروف المعيشية، والحد من البطالة، وتحقيق العدالة، ومكافحة الفساد، وزيادة الشفافية. وطبقا لتقديرات الصندوق والبنك، فإن الاقتصاد لن يستطيع أن ينهض من كبوته بدون محاصرة خطر الوباء ووضعه تحت السيطرة، وإلا فإنه سيظل هشا واحتمالات نموه ضعيفة.
حقيقة الوضع الاقتصادي
يبدو الوضع الاقتصادي على الأرض أسوأ مما تعرضه الإحصاءات الرسمية، وذلك بسبب تفاوت توزيع أعباء ومكاسب التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا. ومن الصعب تقديم حسابات دقيقة لتوقعات أداء الاقتصاد خلال الموجة الثانية من انتشار الجائحة، بسبب نقص المعلومات المتاحة عن الفيروس، والتعثر في إنتاج لقاحات وأدوية للوقاية والعلاج على المستوى العالمي، وعدم اليقين بشأن مدة انتشار تلك الموجة وشدتها. لكن معظم المؤشرات المتاحة حاليا تدل على أن الموجة الحالية أشد من الأولى، من حيث أعداد المصابين والوفيات، ليس على مستوى الأردن فقط، ولكن على مستوى العالم ككل. ويزيد من خطورة التداعيات الاقتصادية المحتملة للموجة الثانية أنها بدأت تلقي بأثقالها بينما لم يكن الاقتصاد قد تعافى بعد من آثار الموجة الأولى.
وتتضمن المؤشرات المتاحة حسب آخر تقديرات لصندوق النقد الدولي أن الناتج المحلي سيتراجع بنهاية العام الحالي بنسبة 3 في المئة عن العام الماضي، على أن يحقق نموا ضعيفا في العام المقبل بنسبة 2.5 في المئة، وأن التعافي سيكون بطيئا ومحدودا بشكل عام. ويتوقف التعافي الاقتصادي ومعدل النمو على ثلاثة متغيرات رئيسية، الأول هو النشاط في قطاعات الخدمات وأهمها السياحة التي تسهم بأكثر من 10 في المئة من الناتج المحلي، وكذلك على تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج الذين يبلغ عددهم ما يقرب من 10 في المئة من السكان يعمل أكثر من 50 في المئة منهم في دول الخليج. المتغير الثاني هو المساعدات المالية الخارجية المتاحة، والاقتراض المحلي والخارجي وزيادة الإيرادات الحكومية. أما المتغير الثالث فإنه يتمثل في قدرة السياسة الاقتصادية على توفير الإطار الإجرائي والتشريعي الضروري لضمان تنشيط الاقتصاد. وهنا تحديدا تأتي أهمية دور الحكومة الجديدة والبرلمان في التعاون لإقرار ميزانية جديدة تتضمن الإجراءات الكافية لتجنب المخاطر، وتنشيط النمو، وزيادة فرص العمل، والتخفيف عن محدودي الدخل.
تحويلات العاملين في الخارج
يبلغ عدد الأردنيين العاملين في الخارج أكثر من مليون شخص، يعمل أكثر من نصفهم في دول الخليج العربية. وقد انخفضت تحويلاتهم بنسبة 5.4 في المئة خلال الربع الأول من العام. وطبقا لبيانات البنك المركزي الأردني فإن قيمة التحويلات في الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي بلغت 1572 مليون دينار أردني بنسبة انخفاض تبلغ 10 في المئة مقارنة بالفترة المقابلة من عام 2019. وقال البنك أن التحويلات في شهر اب/أغسطس انخفضت بنسبة أكبر بلغت 11.5 في المئة. ومع استمرار تردي الأوضاع في أسواق العمل الخليجية، فليس من المتوقع أن تنتعش التحويلات حتى الربع الأول من العام المقبل.
السياحة
سجلت إحصاءات البنك المركزي انخفاضا حادا في الدخل السياحي خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، إذ هبط إلى 1.2 مليار دولار تقريبا بنسبة هبوط تبلغ 70 في المئة عن الفترة المقابلة من العام الماضي. وقد ترافق هبوط الدخل السياحي مع إغلاق جوي استمر لمدة 7 أشهر. ومن المعروف أن الأردن سيدخل في مرحلة إغلاق كلي بعد الانتخابات، وهو ما يعني أن احتمالات انتعاش الدخل السياحي حتى نهاية العام الحالي هي احتمالات ضعيفة جدا، خصوصا وأن الوضع الصحي في الدول والمناطق المجاورة وفي العالم لا يبشر بسرعة الانتقال إلى ظروف أفضل فيما يتعلق بمكافحة الجائحة. الوضع الحالي يشير إلى أن السياحة الأردنية ستتعرض لخسائر إضافية خلال موسم احتفالات الكريسماس والعام الجديد، مما يؤكد حاجة شركات السياحة والفنادق والطيران للدعم المالي، باعتبارها أول من يتحمل تداعيات الجائحة، وآخر من يتعافى من آثارها.
توصيات صندوق النقد
تولى خبراء صندوق النقد الدولي خلال الشهر الماضي مراجعة أداء برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه للفترة الممتدة من 2020 حتى 2024 وأصدروا تقريرا مليئا بالتوصيات تم رفعه إلى مجلس مديري الصندوق. ويهدف برنامج الإصلاح إلى تحقيق استقرار الأداء، عبر تقليص العجز في الموازنة ومعالجة الدين العام، وتعزيز الاستقرار المالي عبر زيادة الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي، وتحسين تنافسية الاقتصاد الأردني لإيجاد المزيد من الوظائف، وتحسين بيئة العمل ككل من خلال التقليل من تكاليف مدخلات الإنتاج والطاقة والأيدي العاملة، وإعطاء أولوية لإصلاح قطاع الطاقة وشركة الكهرباء الوطنية، وتعزيز وتوسيع مظلة الشمول بالضمان الاجتماعي لتوفير مزيد من الحماية لسوق العمل.
وتضمن تقرير المراجعة الأولى للبرنامج عددا من التوصيات المهمة التي سيتعين على الحكومة التالية للانتخابات أن تلتزم بها من أجل ضمان الوصول إلى مصادر تمويل خارجي ضرورية لمواجهة احتياجات برنامج التنشيط للشركات والبنوك والأفراد، وتوفير الحماية الاجتماعية لغير القادرين.
وتشمل التوصيات ضرورة كبح الزيادة في الدين العام بعد أن وصل إلى 102 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن نظرا للحاجة إلى تمويل محلي وأجنبي إضافي فقد أوصى الخبراء بتخفيض الأهداف المالية للسنة الحالية لإتاحة سيولة إضافية، وطالبوا بتوفير أكبر قدر ممكن من المرونة في برامج الإنفاق المرتبطة بمكافحة جائحة كورونا في حال زيادة حدتها عن التوقعات، مع ضرورة توفير الموارد المالية الكافية لحماية الفئات الهشة اجتماعيا مثل العمالة غير المنتظمة والفقراء.
وأكدت التوصيات على أهمية زيادة الإيرادات العامة للدولة عن طريق ادخال إصلاحات ضريبية، تهدف إلى معالجة التهرب الضريبي، وسد الثغرات الموجودة، وتوسيع القاعدة الضريبية. وهذا يعني أن الحكومة الجديدة ستتحمل مسؤولية استخدام السياسة الضريبية في جمع أموال إضافية من المواطنين والشركات، أي زيادة الجباية، في ظل ظروف لا تحتمل زيادة الأعباء، وهو ما يثير احتمالات ارتفاع نسبة عدم الرضا الاجتماعي والقلق بشأن المستقبل. وسيكون مطلوبا من الحكومة أيضا ترشيد الإنفاق العام، وإتاحة حيز كاف للإنفاق الاجتماعي، وإصلاح القطاع العام ورفع مستوى الكفاءة والشفافية.
ولاشك أن التحدي الرئيسي الذي ستواجهه الحكومة التي ستتشكل قريبا، يتمثل في إتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوفير السيولة الكافية لتشغيل عجلة الاقتصاد، وزيادة القدرة على منح الإئتمان للقطاع المصرفي والشركات والأفراد، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وقد أبدى خبراء الصندوق ارتياحا لمستوى الاحتياطي النقدي الأجنبي وكفايته لتمويل الاحتياجات من الواردات، مع الأخذ في الاعتبار أن ارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي قد يؤدي إلى زيادة الواردات ومن ثم زيادة الضغوط على ميزان المدفوعات. وطالب الخبراء بضرورة تطبيق القواعد المصرفية الكافية للتحوط ضد مخاطر تعثر المدينين في الظروف الراهنة وذلك بتوفير الاحتياطي الكافي لمواجهة احتمالات زيادة حالات التخلف عن سداد الديون المستحقة.
وأوصى خبراء صندوق النقد الدولي بضرورة إدخال إصلاحات هيكلية في قطاع الكهرباء، وضمان تكافؤ الفرص للشركات لتحقيق العدالة والشفافية وتعزيز آليات مكافحة الفساد، وفتح سوق العمل وإتاحة المزيد من الفرص لزيادة مشاركة المرأة والشباب وتخفيض نسبة البطالة.
تقديم موعد صرف قرض الصندوق
وفي مجال دور الصندوق في توفير الاحتياحات المالية، تضمن تقرير الخبراء أن الأردن يحتاج إلى دعم مالي قوي من المقرضين، بما فيها الحكومات ومؤسسات التمويل الدولية والمصارف وأسواق المال. وسوف تزيد لحاجة إلى ذلك كلما زادت مدة انتشار الموجة الثانية من فيروس كورونا. واقترح التقرير تقديم موعد صرف الشرائح المتبقية من برنامج التسهيلات الممددة للفترة من 2020 إلى 2024. ويبلغ إجمالي تمويل الصندوق لهذه الفترة حوالي 1.7 مليار دولار. كذلك من المتوقع أن تتخذ الحكومة المقبلة قرارا بتمديد أجل سندات دولارية بقيمة 1250 مليون دولار مستحقة الاسترداد قبل نهاية العام الحالي، ومن المرجح كذلك أن تحاول الحصول على المزيد من المساعدات المالية الخارجية، خصوصا في حال اشتداد حدة الجائحة أو امتدادها لفترة تتجاوز التوقعات.
وفي كل الأحوال يمكن القول إن تنشيط الاقتصاد وتوفير الحماية الاجتماعية هما مسؤولية مشتركة بين الحكومة ومجلس النواب والمواطنين والمقرضين الدوليين. وتحتاج الفترة المقبلة إلى تكثيف التعاون والكف عن النزاعات والمهاترات التي تهدف لتحقيق مصالح أنانية خاصة على حساب المجتمع ككل.