مشاركة متدنية في الانتخابات الأردنية وسط غياب الثقة بالبرلمان وانتشار محموم لفيروس كورونا

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

انتهت الانتخابات البرلمانية الأردنية التي جرت في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر، وسط توسع في انتشار فيروس كورونا وزيادة نسبية في الإصابات. ففي يوم الانتخابات سجل الأردن 5.996 حالة إصابة و91 وفاة مما يضعه في مقدمة الدول ذات الإصابات العالية بالنسبة لعدد سكانه. ورفضت السلطات الدعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي لتأجيل الانتخابات بسبب كوفيد-19. ويأتي انتشار الفيروس الواسع بعدما كان الأردن قصة نجاح أولى قرنت في البداية مع دول مثل نيوزلندا وفيتنام وتايلاند وغيرها من الدول التي سارعت باتخاذ إجراءات سريعة للحد من انتشاره، إلا أن الحالات ارتفعت في الأسابيع القليلة الماضية بحيث وصل عدد الإصابات الآن إلى أكثر من 136.000 إصابة وأكثر من 1.600 وفاة. ورأت صحيفة “الغارديان” (5/11/2020) أن الأردن تحول اليوم وبعد الموجة الجديدة من الدول ذات النسب العالية من ناحية معدلات الإصابة. ولم يسجل الأردن حتى تموز/يوليو إلا 1.100 حالة إصابة بالفيروس و11 حالة وفاة. لكن الحالات بدأت تقفز في الأسابيع الماضية للألاف وفي بلد يبلغ تعداده 10 ملايين نسمة. ورأى خبراء صحيون أن ما يجري في الأردن هو الموجة الأولى، فما حدث في الأشهر الماضية هي حالات تعامل معها البلد وحاول احتواءها. وكانت قصة النجاح الأردني الأولى نابعة من ردة الفعل السريعة وقرار السلطات إغلاق الحدود منتصف آذار/مارس وفرض القيود المشددة على المواطنين التي كانت من بين الأكثر صرامة في العالم، مثل معاقبة مخترقي القيود بالسجن والحجز. وجاء الرد السريع للتعويض عن عدم قدرة النظام الصحي على التعامل مع الوباء، خاصة أن منظمة الصحة العالمية صنفت الأردن بأنه من الدول الأقل استعدادا لمواجهته بالمنطقة. وقال رئيس الوزراء في حينه عمر الرزاز، إن بلاده استطاعت وبشكل فعلي القضاء على الحالات التي ظهرت في المجتمع لكن السؤال ظل “متى” وليس فيما إن كانت هناك موجة أخرى قادمة. وبدأت الحالات بالارتفاع حتى قبل إعادة البلاد فتح حدودها للطيران التجاري في أيلول/سبتمبر، وهناك من يبرر انتشار الحالات الجديدة بسبب سائقي الشاحنات الذين ينقلون البضائع من وإلى سوريا والسعودية، حيث سجلت في هذين البلدين حالات واسعة. ويقول خبراء الصحة في الأردن إن زيادة الحالات من جديد يظهر محدودية الإغلاق العام وإغلاق الحدود بدون القيام بعمليات فحص واسعة ومتابعة للحالات، خاصة عندما يتم التعامل مع وباء طويل الأمد.

مشاركة متدنية

 لهذا فإجراء انتخابات برلمانية وسط هذه الأجواء كان سيؤثر بالطبع على حجم المشاركة التي تنافس خلالها 1674 مرشحا على مقاعد مجلس النواب وعددها 130 ضمن 294 قائمة ومن بين المرشحين كانت هناك 360 امرأة. وبلغت النسبة النهائية للمشاركين في الاقتراع 29.9 في المئة بواقع مليون و387 ألفا و698 من أصل 4 ملايين و640 ألفا و643 ناخبا. وهي نسبة متدنية أو الأدنى، مقارنة مع انتخابات عام 2016 التي بلغت نسبة المشاركة فيها 36 في المئة. وخسر حزب جبهة العمل الإسلامي في الانتخابات الأخيرة حيث لم يفز إلا بـ 8 ثمانية مقاعد حسب الهيئة المستقلة للانتخابات، في وقت قال أمين عام الجبهة مراد العضايلة إن حزبه حصل على مقعدين آخرين من قائمة أخرى. وشاركت الجبهة بـ 40 مرشحا في عدد من المناطق رغم المنع على جماعة الإخوان بداية هذا العام في حركة مدعومة من السعودية. وكانت الجبهة قد قاطعت انتخابات 2010 و2013. وسجلت الدورة الجديدة مئة من القادمين الجدد من بينهم 20 عسكريا متقاعدا. لكن البرلمان احتفظ بطابعه المعروف وهو سيطرة رجال الأعمال المستقلين والعشائر عليه. واتهم أمين جبهة العمل الإسلامي من سماها “قوى الفساد” بـ “هندسة” الانتخابات النيابية. وقال العضايلة إن “الحركة الإسلامية كانت تتمنى بأن تكون الانتخابات طريقا للحل، لكن قوى الفساد (لم يحددها) قامت بهندسة الانتخابات لتكون وفقا للنتائج التي رأيناها”. واعتبر العضايلة أن “ما شهدته الانتخابات من ممارسات، وما جرى عقب انتهائها، جعل منها عبئا على المجتمع والشعب والدولة”. واعتبر أن “قانون الانتخاب غير عادل، وليس له مثيل، ولا ينتج تمثيلا شعبيا حقيقيا، ولا يساهم في بناء عمل برلماني أو سياسي أو حزبي سليم”. وأعرب عن تطلعه إلى تشكيل حكومة سياسية تخصصية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية “بعيدا عن الضغوطات الخارجية والحسابات الضيقة”. وأشار إلى سعي الحزب لتوسيع إطار التحالف الوطني من دائرة الكتلة البرلمانية إلى تحالف شعبي خارج مجلس النواب في الانتخابات المقبلة “يسند العمل البرلماني ويحمل راية الدعوة إلى الإصلاح السياسي”. واعتبر أن الحزب “لم يخسر (في الانتخابات الأخيرة)؛ لأنه قدم الوطن، وأن حسبة الخسارة بالأرقام تكون عند وجود انتخابات حقيقية ولا يتحكم بها من قبل أجهزة الدولة” على حد قوله. وقرر الإسلاميون المشاركة رغم تدهور العلاقة مع الحكومة، خاصة بعد حظر الجماعة الأم والاعتراف بمنظمة جديدة. وحاولوا الحفاظ على ما حققوه عام 2016 وهو 15 مقعدا إلا أنهم خسروا خمسة مقاعد، وتظل هذه هي الطريقة الوحيدة أمامهم لكي يظلوا داخل اللعبة السياسية.

احتفالات

ورغم إعلان الحكومة عن الإغلاق العام لمدة أربعة أيام بعد الانتخابات لمنع الاحتفالات بالنتائج إلا أن صورا نشرت على منصات التواصل الاجتماعي أظهرت تجمعات عقدت في مناطق عدة من المملكة للاحتفال بالمرشحين المنتصرين. كما وخرق داعمو المرشحين الخاسرين حظر التجول حيث حاولوا حرق عجلات السيارات وصناديق القمامة. وقالت قوات الأمن إنها اعتقلت 10 أشخاص على الأقل ممن شاركوا في اضطرابات. وكتب الملك عبد الله على تويتر إن من يقوم بالاحتفال يخترق القانون و “نحن دولة قانون ويجب فرضه بدون استثناء”.  في إشارة لقانون الدفاع الذي يمنع التجمعات. وعبر الملك في نفس التغريدة عن أسفه لحالة الفوضى وعدم الالتزام بالقانون والتجمعات التي تعتبر مكانا لانتشار الفيروس. وعقد رئيس الوزراء ووزير الدفاع بشر الخصاونة مؤتمرا صحافيا شجب فيه أعمال الفوضى واستخدام “أقلية” للسلاح. وهو ما أدى لاستقالة وزير الداخلية توفيق الحلالمة الذي أعلن تحمله المسؤولية الأخلاقية عن التجاوزات. وتشير نتائج الانتخابات إلى تراجع أحزاب المعارضة خاصة حزب جبهة العمل الإسلامي، بحيث لا تتعدى نسبة أعضاء البرلمان المقبل ممن لديهم انتماءات حزبية 16 في المئة، كما وتراجعت النساء حيث لم تفز إلا 15 امرأة في المقاعد المخصصة لهن، وبخسارة خمسة مقاعد عن البرلمان السابق. ولم تشهد منطقة عمان الثالثة التي تعتبر من أكثر المناطق تنافسا إلا نسبة 13في المئة مشاركة، وتعتبر هذه المنطقة ممثلة للمتعلمين الأردنيين والطبقة المتوسطة. وهذا مقارنة مع المناطق خارج العاصمة عمان التي شهدت مشاركة واسعة خاصة في المناطق الريفية والبدوية. وفي اتجاه آخر تشير المشاركة والنتائج إلى تراجع ثقة المواطنين بالبرلمان وبحسب مؤسسة “راصد” فقد عبرت نسبة 56 في المئة أن البرلمان المقبل لن يكون فاعلا. وأورد موقع “المونيتور” (12/11/2020) أن نسبة المشاركة المتدنية نابعة من المخاوف من فيروس كورونا ومن غياب الإصلاحات السياسية. ومنها إصلاح قانون الانتخابات الذي يؤثر على تمثيل الحواضر الكبرى مثل عمان والزرقاء ويعطي تمثيلا للمناطق الريفية والبدوية ذات التجمعات السكانية الصغيرة. ويقوم النظام الانتخابي على نظام القائمة المفتوحة حيث يختار الناخب قائمة أولا ثم مرشحا منها، مما يعني ان لا قائمة يمكنها الفوز بشكل كامل. وجاء في تقرير “المونيتور” إن البرلمان سيكون كسابقه تصالحيا مع الحكومة لكنه نتيجة انتخابات شهدت مشاركة متدنية. ومن المشكوك فيه أن تكون الحكومة قد فهمت الرسالة وهي عدم اهتمام الأردنيين بالبرلمان والذي أصبح بتعبيرات نائب مخضرم مجرد ديكور. فالبرلمان السلطة التشريعية في البلاد، غير قادر في نظر الأردنيين، خاصة الجيل الشاب على حل المشاكل المهمة من البطالة العالية التي تصل إلى 30 في المئة بينهم و19 في المئة على مستوى البلاد، واقتصاد ضعيف ونسبة دين عالية تصل إلى 100 مليار دولار. هذا بالإضافة للديناميات التي أحدثها الفيروس من تركيز البلد على نفسه. ويعاني الأردن الذي مضى على إنشائه بعد الحرب العالمية الأولى قرنا، من هشاشة في المنشأ مما دعا الباحثين والصحافيين، خاصة الإسرائيليين إلى التكهن بأن الأردن لن يعيش طويلا، فيما روج اليمين المتطرف الإسرائيلي لتهجير ملايين الفلسطينيين إلى الأردن والسيطرة على كامل فلسطين التاريخية غرب النهر. ولكن الأردن استطاع البقاء. ولا نعدم أن نقرأ في مقالات إسرائيلية بأن الملك عبد الله الثاني هو آخر ملوك العائلة الهاشمية. وهذا صحيح من ناحية أن أفراد عائلة الشريف حسين لم يبق منهم حاكم في الشرق الأوسط. فالملك فيصل وأبناؤه انتهى حكمهم في العراق كما انتهى حكم الشريف حسين في الحجاز. ولم يبق إلا أحفاد الملك عبد الله الأول، الذي كان طامحا لحكم الأردن وفلسطين وسوريا والعراق ولبنان ولكنه لم يحصل إلا الأردن الذي قيل إن وينستون تشرتشل رسم شكله بقلم رصاص على ورقة وهو في القاهرة. وتحول وجود الأردن الهش كما تقول أورسولا ليندزي بمقال نشره موقع “نيويورك ريفيو أوف بوكس” (22/10/2020) إلى منطقة عازلة وسط الأعداء والدول القوية. وهو في المظهر بلد مستقر رغم ما يعانيه من مشاكل وتأثره بالأحداث التي تجري في المنطقة، فنصف سكانه من الفلسطينيين الذي هجروا من بلادهم بعد حربي 1948 و1967 وهناك أكثر من نصف مليون لاجئ سوري. ولأن الأردن يعتمد على المساعدات الخارجية الأمريكية ومن دول الخليج، فإنه بات يعاني من تراجع الدعم منذ 2014 بسبب انهيار أسعار النفط والتحالفات الجديدة في المنطقة، حيث وجد الأردن نفسه وسط الأزمة الخليجية وحصار قطر أمام توازن صعب بين دعم دول الحصار والبلد المحاصر، نظرا لوجود عدد كبير من أبنائه في هذا البلد الصغير والثري. ومن هنا فالاستقرار الحاصل في البلاد ما هو إلا عملية توازن تنم عن حالة من الهشاشة الدائمة. فهو لا يعاني من عجز في الميزانية فقط ولكن عجزا في المياه أيضا، حيث بات يعتمد على المياه الجوفية، فهو في المرتبة الخامسة من ناحية الدول الفقيرة مائيا. وتتعرض المياه التي تصل إلى المدن للتسرب والسرقة من أصحاب المزارع المرتبطين أو أصحاب الوساطة أو من يريدون بيع الماء بطرق غير شرعية. والفساد في المياه هو جزء من الفساد في الأوجه الأخرى مثل الجانب السياسي والاقتصادي وعمليات الخصخصة وما إلى ذلك. وكشفت التحولات عن أوضاع اجتماعية واضحة من ناحية التفاوت في المعيشة، فالفرق واضح للعيان بين عمان الشرقية الفقيرة وعمان الغربية الغنية التي كلما توغلت فيها كلما كبرت البيوت والحدائق مقارنة مع أحياء عمان الفقيرة. ومن هنا فالمشاركة المتدنية في الانتخابات وحالة الإحباط من البرلمان والعملية السياسية هي عوارض عن أزمة أكبر وهي الحاجة لإصلاحات بنيوية تقضي على التفاوت الاجتماعي والفساد والتنافس الجهوي بين شرق أردني وأردني من أصل فلسطيني. وكل هذا جزء من صيرورة الأردن التاريخية ومرتبطة بالتغير الجيلي.

اقتباس

وزير الداخلية أعلن تحمله المسؤولية الأخلاقية عن التجاوزات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية