100 يوم على انفجار بيروت: حكام لبنان يرقصون على جثث أبنائه وعدالة الأرض معلّقة!

رلى موفّق
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:100 يوم مرَّت على انفجار مرفأ بيروت. الانفجار الذي بات يُوصف بـ”بيروتشيما” تماهياً مع مدينة هيروشيما اليابانية التي كانت أول مدينة تُلقى عليها قنبلة نووية في العام 1945 خلال الحرب العالمية الثانية. بدتْ بيروت، بعد لحظات من الانفجار، أشبه بمدينة أُلقيت عليها قنبلة نووية. دمار وخراب شامل وضحايا بالآلاف بينهم قرابة 200 دفعوا حياتهم ثمناً. مرفأ بيروت أصبح أثراً بعد عين، ومحيطه يُشبه الموت. قلب العاصمة نُكب. كان يضجّ بالحياة، فتوقف نبضه السادسة وثماني دقائق من مساء ذلك اليوم المشؤوم، ولا يزال. حتى الساعة، لا تحقيق أُنجز ولا حقيقة ظهرت ولا مسؤولية حُدّدت، وبالطبع لا عدالة نُفّذت. وعلى الأرجح، ستبقى الأمور هكذا.

الباخرة اللغز…!

المُعلَن بعد أيام من التخبّط، أن مخزوناً من نترات الأمونيوم، موجود منذ العام 2013 في أحد عنابر المرفأ، قد انفجر بعدما تسرَّبت النيران إليه. باخرة محملة بـ2750 طناً من نترات الأمونيوم وصلت بطريقة ملتوية إلى المرفأ. قيل إن الباخرة لم تكن صالحة للإبحار، وكان عليها مشاكل قانونية، فحُجزت ثم أُفرغت بقرار قضائي، وخُزّنت في العنبر رقم 12، حيث تكثر الأقاويل عن أن هذا العنبر هو في عهدة “حزب الله” منذ زمن بطريقة غير شرعية. ليس هناك من مسؤول يتحدّث في العلن عن “هيمنة” في المرفأ لـ”الحزب”، لكن ما هو شائع في البلاد أن لـ”الحزب” عيوناً وسطوة على المرافق البرية والبحرية والجوية. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمرفأ بيروت الذي شكَّل الرئة الاقتصادية لسوريا خلال سنوات حربها المنخرط فيها بقوة؟ في الفساد يتشارك الجميع، ولكن عندما تكون المسائل تتعلق بمواد متفجرة، فهذا ليس مفتوحاً للجميع. “السلاح المقاوم” حكر على جماعة معينة وتوابعها، والأجهزة بمجملها في هذه الحال هي “صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ”.

وعدتْ السلطات السياسية في لبنان أن ينتهي التحقيق في غضون خمسة أيام. بالطبع لم يحصل ذلك. وهل من الممكن أساساً لتحقيق في كارثة كهذه أن ينتهي في أيام خمسة؟ قالوا، ما نقصده، هي الخيوط الأولية للتحقيق. وذلك أيضاً لم يحصل بعد 100 يوم على “هيروشيما بيروت”. في دولة غير لبنان، كان لكارثة مزلزلة كهذه أن تُطيح بالطاقم السياسي على الفور. ولو لم يتحرَّك الفرنسيون ويقول لهم إيمانويل ماكرون تحت وقع الصدمة أن الأمور لا يمكن أن تسير على قاعدة “وكأن شيئاً لم يكن” وBusiness as usual، لما كان رضخ فريق رئيس الجمهورية – “حزب الله” لأن يستقيل رئيس الحكومة حسان دياب، الذي أتيا به بعدما انقلب “التيار العوني” على التسوية الرئاسية مع زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري، التي أتت بميشال عون إلى سدّة الرئاسة وأعادت الحريري إلى رئاسة الحكومة.

عدالة مفقودة أم معلقة؟!

في الوقائع، أُحيلت جريمة المرفأ إلى المجلس العدلي، وعُيّن القاضي فادي صوان محققاً عدلياً. هو قاضٍ مشهود له بمناقبيته. يقول متابعون في المجال القانوني إن قضية كهذه تحتاج إلى فريق كبير. المسألة موكلة لقاض واحد، وسيحتاج الأمر إلى وقت. اليوم هناك 25 موقوفاً مدَّعى عليهم معنيون من حيث المسؤولية بما جرى، وهناك 53 شاهداً تمَّ الاستماع إليهم، بمن فيهم وزراء وقادة أجهزة أمنية.

التحقيق في مسرح الجريمة دخل على خطّه الفرنسيون نظراً لوجود ضحايا فرنسيين في الانفجار، ودخل على خطة أيضاً خبراء من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. دخول غربي – دولي استُعيض به عن تحقيق دولي كانت علت الأصوات المطالبة به من قوى سياسية تدور في غالبيتها في كنف قوى “الرابع عشر من آذار” سابقاً، التي تدور سياسياً على المستوى الاستراتيجي في فلك تحالف أمريكا ودول الاعتدال العربي.

استلم القاضي صوان التقريرين اللبناني والأمريكي، اللذين كانا متشابهين إلى حد كبير. لا يزال ينتظر التقرير الفرنسي الذي يُعتبر أنه أوسع وأشمل وغاص في دقائق عدة. وسيُبنى قرار الادعاء على كل المعطيات التي تكون أصبحت بحوزته، إنما ثمة أسئلة كبيرة تُطرح في هذا الإطار من باب تأكيد إنجاز العدالة: الموقوفون هم من الموظفين الكبار في المرفأ ومن القيّمين على الأجهزة فيها. ولكن ماذا عمَّنْ أَمَّـنَ الغطاء السياسي لهؤلاء؟ وماذا عن الذين وصلتهم التقارير من كبار المسؤولين السياسيين والأمنين بوجود نيترات الأمونيوم وخطرها على المرفأ إذا انفجرت؟ أحد التقارير أُرسل في 26 حزيران/ يونيو إلى مجلس الدفاع الأعلى الذي يرأسه رئيس الجمهورية، وهو أعلى سلطة دفاع في لبنان، لكنه لم يحرك ساكناً. عندما تصل المسألة إلى قمّة الهرم في الحكم، لا يعود التركيز على الموظفين سوى جزء من التعمية والتغطية على الفساد أو التواطؤ أو التقصير السياسي.

على كل، لا داعي لاستباق نتائج التحقيق الذي يقول عنه أحد محامي الضحايا “إننا نفضّل الدقة على العجلة، ومعيارنا هو إحقاق الحق والعدالة”. هذه ليست جريمة فردية، بل هي جريمة جماعية ومسببوها ومنفذوها جماعة وليس فردا. هي مسؤولية منظومة سياسية تحكم وتتواطأ على حساب مصالح شعبها ووطنها. متى كان يمكن لمرفأ مدني تحت أعين الأجهزة الأمنية، وعلى بعد أمتار قليلة من قاعدة بحرية للجيش اللبناني تستخدمها القوات الدولية العاملة في لبنان، أن يكون مخترقاً أمنياً إلى هذا الحد؟ أليس هذا فشل أمني كبير في أن يكون هناك 2750 طناً من نترات الأمونيوم الشديدة الانفجار والمستخدمة في صنع العبوات والقنابل وبراميل الموت كالتي صبَّها الرئيس السوري بشار الأسد على شعبه؟ اللافت أن التقارير التقنية والخبراء لا يخمنون الكمية التي انفجرت بـ2750 طناً بل ببضع مئات، أي أن الكمية الأكبر قد تمَّ سحبها من العنبر لاستخدامات معينة. فمَن سحبها؟ وكيف سُحبت؟ وبقرار وتغطية مِن مَنْ؟ ومَن هي الجهة القادرة على أن تسرح وتمرح على هواها، وأن تستبيح المرفأ تحت أعين الجميع؟

قد لا تأتي الحقيقة أبداً. هل الانفجار كان عملاً مقصوداً مُدبراً؟ وإذا كان كذلك، هل وقع بفعل ضربة إسرائيلية أم أنه عمل تخريبي إرهابي؟ أم أنه عمل غير متعمّد وحصل نتيجة إهمال، وبفعل شرارات عملية “تلحيم” لباب العنبر الذي من المتوقع أن يكون العمال يعرفون فعلاً ماذا بداخله؟ قد لا تُعرف الحقيقة لأن ثمّة مشكلة رئيسية عالقة. فإذا تبيَّن أن الحادث إرهابي، فكل التعويضات من شركات التأمين ستتبخّر. فالتأمين لا يغطي الأعمال الإرهابية ومنها الاعتداءات الإسرائيلية أو التفجيرات. وهذه مسألة ليست بسيطة في حسابات المعنيين الذين يعولون على مبلغ 2 مليار دولار يُتوقع أن تأتي من شركات التأمين.

بيروت الفرح تحت الركام

الطامة الكبرى تكمن حقيقة في الاستهتار المتمادي مع تداعيات الكارثة وآثارها، بحيث إن التعامل يجري وكأن ما حصل هو حدث عادي. الحديث هنا عن أحياء نُكبت بأهلها وممتلكاتها وأبنتيها في الكرنتينا والمدوّر والمسلخ والبدوي والرميل ومار مخايل والجعيتاوي والسراسقة ومار نقولا والجميزة والصيفي والمرفأ، وهي المناطق الواقعة في الشطر الشرقي من بيروت، ذات الغالبية المسيحية. في لحظة، تغيَّر كل شيء. قصص تُروى أقرب إلى الخيال. هو الخيال الهوليوودي الذي تحوَّل واقعاً معاشاً. أحياء مدمّرة، أسقف المنازل هوت، الشبابيك مشلّعة، الأحجار والغبار يغطيان الأمكنة، ورائحة الموت في كل مكان. هذا موت مدينة، أو نصف مدينة. والمدينة العاصمة هي بيروت، وليس أي عاصمة. بيروت أم الشرائع والمسكونة بعبق التاريخ التي غنّاها الشعراء، بيروت ملجأ المضطهدين والعشّاق والأحبة، بيروت الانفتاح والنقاش والكتاب والمسرح والمدرسة والجامعة والمستشفى، بيروت لؤلؤة الشرق التي يتحسَّـرُ أبناؤها وقاطنوها عليها، ويبكيها كل لبناني تعني له هذه المدينة وكل عربي أو أجنبي زارها يوماً أو سمع عنها.

من سيعد الإعمار ثانية؟

الناس هم الوجع، يسألون: مَن سُيعيد إعمار أحيائهم، وإعمار المدينة؟ بعد الحرب الأهلية، التي دامت 15 سنة وانتهت في العام 1990 مع توقيع اتفاق الطائف في ظل عزم لبناني-عربي-دولي، جاء شخصٌ اسمه رفيق الحريري ومعه دعم إقليمي-دولي، فكان أن تولّى إعمار المدينة. كثيرة هي التحفظات عن عملية إعادة الإعمار وكلفتها وما إلى ذلك من ملاحظات ومواقف منتقدة، لكن ثمّة حقيقة رغم ذلك تتجسَّد بأن المدينة المدمرة آنذاك قامت من تحت الإنقاض، كما دعاها إلى ذلك نزار قباني. اليوم ليس هناك شخص سيأتي يشبه رفيق الحريري حاملاً الدعمين العربي والدولي ليُعيد بناء المدينة. والمنظومة الحاكمة غارقة في معاركها وطموحاتها السياسية والشخصية. تذهب التقديرات إلى أن الأضرار فاقت الـ5 مليارات دولار. هذه تحتاج إلى خطط دولية ليس في مقدور الدولة اللبنانية الغارقة في الدَين والواقفة على شفير الإفلاس أن تقوم بهذه المهمة، ناهيك عن أنها دولة معجونة بالفساد من رأسها إلى أخمص قدميها، وتفتقد إلى الثقة الداخلية والخارجية.

هل يمكن أن يكون هناك مشهد أكثر حرجاً من مشهد وصول المساعدات إلى الجمعيات الأهلية المحلية والدولية وليس إلى الدولة. إزاء “الفيتو” على مؤسسات الدولية المدنية والإغاثية، جرى إيلاء المهمات إلى الجيش اللبناني، سواء من حيث مسح الأضرار أو إيصال المساعدات إلى الجمعيات الأهلية. تقوم المؤسسة العسكرية بمهام ليست مهامها ليس لأن لا إمكانات لوجستية لدى الوزارات والمؤسسات العامة، بل لأن لا ثقة بها! ويوجد قرار دولي بألا يتمّ التعامل معها قبل أن تبدأ السلطة السياسية بعملية إصلاح واسعة في قطاعاتها الحيوية.

أساساً، لا أحد يتوقّع من دولة مفلسة أن تأخذ بيد أبنائها. فكلما أعلنت عن قرار يظهر تخبّطها أكثر. تولت الجمعيات الأهلية دفّة القيادة، ولكنّ لقدراتها حدوداً. قامت بأعمال إغاثة بالاستناد إلى المساعدات التي حصلت عليها سواء من لبنانيين في بلاد الاغتراب أو من دول، لكن كل ذلك لا يفي بالغرض.

فلجنة مسح الأضرار التي كُلّف بها الجيش مسحت 69100 وحدة في المناطق الأكثر تضررًا، كما مسحت 16 ألف وحدة في المناطق الأقل تضرراً. وأضحت المعلومات متوفرة لكل المنظمات والقطاعات والدول. نقابة المهندسين في بيروت والشمال قامت بمسح حجم الأضرار في المنطقة الأكثر تضرراً. مسحت 2500 مبنى وبينها أبنية تراثية، حذرت من أن 100 منها قيد الانهيار إذا لم يتم تدعيمها بسرعة. وبالفعل، بدأت بعض هذه الأبنية بالسقوط بفعل الرياح والأمطار، وبعضها سيسقط بقدرة قادر لأن أصحابها سيرون في ذلك فرصة للتخلص من “لعنة التصنيف” التي تمنعهم من التصرّف بأبنيتهم كونها تراثية من دون التعويض عليهم عن الضرر اللاحق بهم من جراء هذا التصنيف.

اندفاعة الناس مسكن لا علاج

العمل الإغاثي للجمعيات ولمجموعات من المجتمع المدني عموماً قام على اندفاعة وهبة من اللبنانيين. ثم أخذ يتأطّر أكثر بشكل أفضل، إنما لا تنظيم فعلياً بين تلك الجمعيات ولا تكامل، وهذا أمر طبيعي ما دام ليس هناك من حجم كبير وخطة معدّة ومقررة يسير على أساسها الجميع.

أكثر المساعدات تركزت على إعادة إصلاح المنازل جزئياً عبر ترميم شبابيكها وأبوابها وإعادة تنظيفها وترتيبها ومدّها بالأثاث الناقص. وجرى تأمين منازل لبعض من تضررت منازلهم كلياً. وهناك قليل من الجمعيات التي تعمل على ترميم بعض من الشوارع بما لديها من قدرات، إنما ماذا عن فصل الشتاء، عن البنى التحتية المتضررة وعن الردم الذي لا يزال على الطرقات وعن المنازل المهجورة؟

فصل الشتاء حل والأزمة إلى تفاقم، ولا أمل في الأفق في أن ينزل عن عرشه قريباً منْ يجثم على صدور اللبنانيين. كل منهم يسكن في برجه متمسكاً بعرشه الطائفي أو المذهبي أو الفئوي أو المناطقي. وليس أدل على ذلك من العجز المستشري في تأليف حكومة إنقاذية يُطالب بها المجتمع الدولي كشرط من أجل مساعدة لبنان للخروج من أزماته المالية والاقتصادية.

وسيحل الربيع بعد الشتاء، وليس من كثير قد تغيّر. إلى جانب أهالي الضحايا والمتضررين، يقف “مكتب ادعاء” في نقابة المحامين في بيروت، هناك راهناً 1333 ملفاً. وجرى تقديم أكثر مِن 681 شكوى جزائية عن أهالي الضحايا والمتضررين أمام النائب العام لدى المجلس العدلي، بالإضافة إلى ادعاء النقابة الشخصي بصفتها الشخصية، والحبل على الجرار في تقديم دعاوى أخرى، من شأنها في واقع الأمر أن تحفظ حق الضحايا والمتضررين في التعويضات أكثر مما تحفظ لهم تحقيق العدالة عن طريق إنزال القصاص بكل متآمر ومقصّر ومتواطئ ومتورط وفاسد. الحقيقة أقرب إلى سراب والعدالة ستبقى حلماً. الأكيد أن من في الحكم يرقصون على جثث أبناء المدينة والجثث المنتظرة لكل اللبنانيين الذين سيسقطون غداً ليس بانفجار بيروت بل من المرض والجوع والفقر والجهل!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية