إسطنبول – “القدس العربي”:
عقب 46 عاماً على تقسيم جزيرة قبرص، شهدت فشل عشرات المحاولات والمبادرات الثنائية والإقليمية والأممية لحل الأزمة وإعادة توحيد الجزيرة، وفي ظل تصاعد الخلافات حول الموارد في شرق البحر المتوسط، وإطالة أمد الأزمة وصعود القيادات القومية في شقي الجزيرة، يبدو أن حل الدولة الواحدة بات من الماضي وشبه مستحيل وذلك على حساب تصاعد الدعوات لحل الدولتين الذي يبدو أن تركيا باتت تتبناه بشكل مطلق.
ويعتبر وصول أرسين تتار إلى الرئاسة في قبرص الشمالية -التركية- الشهر الماضي أحد أبرز نقاط التحول في خريطة الصراع في السنوات الأخيرة، حيث يعتبر تتار من الشخصيات القومية المقربة من تركيا بشكل عام والرئيس رجب طيب أردوغان بشكل خاص، ويدعم الوجود التركي بقوة إلى جانب إيمانه المطلق بضرورة حل الصراع على أساس حل الدولتين بعدما اعتبر أن حل الدولة الواحدة لم يعد ممكناً على الإطلاق، وذلك على عكس الرئيس اليساري السابق مصطفى أقنجي الذي كان ما زال يؤمن بحل الدولة الواحدة وإمكانية توحيد الجزيرة.
وفي إطار العلاقات الاستثنائية بين أردوغان والرئيس الجديد لقبرص أرسين تتار، زار أردوغان، الأحد، برفقة حليفه زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشيلي قبرص وذلك لإحياء الذكرى 37 لتأسيس “جمهورية شمال قبرص التركية” وافتتاح منطقة مرعش التي بقيت مغلقة طوال العقود الماضية على أمل التوصل إلى حل بين شقي الجزيرة.
ولأول مرة تحدث أردوغان عن توجهه الحاسم نحو حل الدولتين، مؤكداً ضرورة التفاوض على أساس حل الدولتين في جزيرة قبرص، بالقول: “يوجد اليوم شعبان ودولتان منفصلتان في جزيرة قبرص، ويجب التفاوض على حل الدولتين على أساس المساواة في السيادة”، وأضاف: “القبارصة الأتراك يعيشون مرفوعي الرأس على أراضيهم بحرية وكرامة رغم استهداف وجودهم في الجزيرة”.
فوز تتار حليف أردوغان يوحد التوجه باستحالة حل “الدولة الواحدة”
وبينما أشار إلى أن أولوية بلاده هي “توفير حل مستدام لقضية قبرص بطريقة تضمن الحقوق المشروعة للشعب القبرصي التركي وأمنه”، اعتبر أنه “لا يمكن إقامة الشراكة مع القبارصة الروم بعد تقويضها بقوة السلاح في 1963 وتدميرها عام 1974 عبر انقلاب المجلس العسكري اليوناني”، مشدداً على أنه “من غير الممكن لأي معادلة أن تحقق السلام والاستقرار في شرق المتوسط دون مشاركة تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية فيها”.
من جهته، اعتبر رئيس قبرص التركية أرسين تتار أن مفاوضات إنشاء الاتحاد الفيدرالي في الجزيرة التي امتدت لسنوات ولم تحقق نجاحا يذكر، وصلت إلى نهايتها، معتبراً أن الشعب القبرصي التركي فوضه في الانتخابات لإجراء تسوية مع الجانب الرومي على أساس دولتين تتمتعان بالسيادة، وأنه سيتصرف وفقا لهذه الإرادة.
والخميس الماضي، التقى تتار الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، رئيسة البعثة الأممية في قبرص إليزابيث سبيهار، حيث طلب منها إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ضرورة البحث عن حل عادل محتمل قائم على أساس المساواة في السيادة والدولتين.

كما أشار إلى ضرورة “رفع العزلة الرجعية والظالمة المفروضة على القبارصة الأتراك”، لافتا إلى أن القيود المفروضة خاصة في مجالي الرياضة ورحلات طيران مباشرة تتعارض مع حريات وحقوق الإنسان الأساسية، معتبراً أن فتح منطقة “مرعش” يتماشى مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وفي الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فتحت قبرص التركية جزءًا من منطقة “مرعش” بعد إغلاق دام 46 عاما. ومرعش هي منطقة سياحية تقع بمدينة “غازي ماغوصة” في جمهورية شمال قبرص التركية، على الخط الفاصل بين شطري قبرص، وأُغلقت بموجب اتفاقيات عقدت مع الجانب القبرصي الرومي، عقب العملية العسكرية التي نفذتها تركيا في الجزيرة عام 1974.
ويعتبر افتتاح منطقة مرعش خطوة عملية على الأرض تشير إلى توجه جديد لقيادتي تركيا وشمال قبرص لتحقيق مكاسب على الأرض والتصرف من منطلق حل الدولتين وذلك عقب عقود من الجمود الذي تقول القيادتين إنه أدى إلى إلحاق خسائر كبيرة وأضرار واسعة لسكان شمال قبرص.
لكن الخطوات العملية الأوسع تتعلق بالصراع على الموارد في شرق البحر المتوسط، حيث تتهم تركيا وشمالي قبرص إدارة جنوب قبرص بالعمل منذ سنوات طويلة على ترسيخ الانفصال وحل الدولتين من خلال الخطوات الأحادية بالتنقيب عن الموارد وتجاهل حقوق القبارصة الأتراك.
وفي 2004 رفض القبارصة الروم خطة قدمتها الأمم المتحدة لتوحيد شطري الجزيرة. وتعثرت العملية السياسية بين شطري قبرص، منذ انهيار المحادثات التي دعمتها الأمم المتحدة في منتجع كرانس مونتانا السويسري، في يوليو/ تموز 2017، ومنذ أشهر وصلت الخلافات إلى ذروتها بين الجانبين مع تفجر الخلافات حول عمليات التنقيب وصولاً للحديث عن تقاسم الموارد وترسيم الحدود البحرية بين شقي الجزيرة وهو ما مهد للحديث عن حل الدولتين بشكل غير مسبوق وجعل من هذا الطرح أكثر منطقية لطرفي النزاع وداعميهم.
