مدريد ـ ‘القدس العربي’ من حسين مجدوبي: بعد انتهاء الحلف الأطلسي من التدخل العسكري في ليبا بدأت تتسرب أخبار تورط بعض الدول الغربية في تعامل عسكري واستخباراتي متين مع نظام معمر القذافي، وتدريجيا بدأ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يجد نفسه متورطا في المستنقع الليبي بترخيصه طيلة السنوات الأربع الأخيرة ببيع معدات عسكرية، وإن كانت الفضيحة الجديدة تتمحور حول برنامج معلوماتي خاص بمراقبة أنشطة الليبيين في شبكة الإنترنت.
فبعد الأخبار التي ورطت اسبانيا في بيع معدات عسكرية لنظام معمر القذافي مثل القنابل العنقودية التي استعملت ضد المدنيين، وبيع إيطاليا للنظام نفسه رادارات خاصة بالبحرية، تعترف فرنسا هذه الأيام بصفقات أسلحة قاربت المائة مليون يورو جرى تجميد ما لم يسلم منها في بداية اندلاع انتفاضة الليبيين ضد نظام معمر القذافي.
ولكن تبقى المفاجأة الجديدة هو تورط فرنسا في بيع أنظمة معلوماتية استخباراتية لصالح نظام القذافي بهدف التجسس والمراقبة أنشطة الليبيين في شبكة الإنترنت، وهي الفضيحة التي وصلت للبرلمان الفرنسي وتضع نيكولا ساركوزي في موقف صعب للغاية.
وتعود وقائع هذه الفضيحة الجديدة الى تاريخ 9 تشرين الاول (أكتوبر) 2007 عندما أصدر الرئيس ساركوزي مرسوما الى رئيس حكومته فرانسوا فيون ووزارة الخارجية برئاسة بيرنار كوشنير للتفاوض مع ليبيا بشأن اتفاقية في مجال الدفاع من ضمنها تزويد ليبيا بأنظمة معلوماتية تسمح بالتجسس على البريد الالكتروني للمواطنين في ليبيا وخاصة المعارضة. وتولت شركة أميسيس الفرنسية هذه العملية، وباعت النظام المخلوع أنظمة معلوماتية متخصصة في التجسس. ومنذ شهر آب (أغسطس)، والأخبار تتسرب حول عملية البيع هذه، إلا أنها أصبحت أكيدة وذات مصداقية خلال الأيام الماضية.
وتقدم رئيس الفريق البرلماني الاشتراكي، جان مارك أيلوت في البرلمان الأربعاء من الأسبوع الجاري بطلب الى البرلمان يطالب بتأسيس لجنة تحقيق تدرس مدى تورط ساركوزي وحكومته في بيع أنظمة أضرت بنشطاء سياسيين في ليبيا، ويبرز ‘شاركت شركة فرنسية مباشرة في إنشاء نظام تجسس على مستوى كبير ضد المواطنين الليبيين، من خلال مراقبة البريد الالكتروني وشبكات التواصل والنفاذ الى مواقع في شبكة الإنترنت. ولا يمكن تجاهل أن مهمة هذه البرامج كانت الحد من حرية الشعب الليبي، وتزداد خطورتها إذا أخذنا بعين الاعتبار الطبيعة الدكتاتورية لنظام القذافي. فالبرنامج كان الهدف منه هو الرفع من مستوى القمع الذي كان ضحيته الشعب’. ومن خلال مراجعة سجلات جمعيات حقوق الإنسان، يتبين مدى الاعتقالات التي وقعت ضد نشطاء ليبيين لم تكن تعرف هويتهم، وذلك بفضل هذه البرامج.
وفي الوقت الذي كان يقدم ساركوزي نفسه للرأي العام الفرنسي والدولي بمثابة محرر ليبيا من هيمنة نظام معمر القذافي، بدأت الملفات الحساسة تتسرب الى الصحافة لتضعه في موقف حرج للغاية. وإذا نجح الفريق الاشتراكي البرلماني في تأسيس لجنة تحقيق في نظام أميسيس، فليس من المستبعد الاستماع لساركوزي نفسه بحكم صدور الأوامر من مكتبه الى الوزارة الأولى ووزارة الخارجية للتباحث مع القذافي حول صفقات أسلحة.
وتعتبر خطوة الفريق الاشتراكي مبادرة جديدة ضد الحكومة الفرنسية والشركة، إذ سبق للفيدرالية الدولية لجمعيات حقوق الإنسان أن وضعت مؤخرا دعوى ضد الشركة لدى القضاء في باريس متهمة إياها بالتورط في عمليات تعذيب في ليبيا، بحكم أن توظيف نظام القذافي لهذا البرنامج ساهم في الكشف عن هوية عدد من النشطاء السياسيين والمدنيين واعتقالهم.