‘سيدة الأعشاب’ لخليل قنديل: عن المرأة والمكان

حجم الخط
0

محمد معتصمخليل قنديل كاتب أخلص للقصة القصيرة وألف فيها عددا من المجاميع القصصية (وشم الحذاء الثقيل/1980، الصمت/1990، حالات النهار/1995، عين تموز/2001، الأعمال/2006)، منها مجموعته ‘سيدة الأعشاب’ حيث تبرز بعض خصائص الكتابة لديه، كما أنها تضم قصصا، وهي صورة عن روح القصة القصيرة في الأردن. يكتب خليل قنديل القصة القصيرة انطلاقا من تشبعه بالموروث الشعبي من عادات وتقاليد ومعتقدات واهتمامه بالحياة الخاصة للإنسان العادي في ممارسة حياته اليومية العادية البسيطة وفي تقلب حالاته النفسية، ومن هذه ‘المادة’ يكتب قصصه ويشكل فضاءه التخيلي.

اللافت للنظر في هذه المجموعة:* السرد المتواتر. * أوجه وحالات للمرأة.* روح الأمكنة.* حضور الطبيعة.* أحوال الشخصية القصصية.* الرغبة المكبوتة.* المعرفة الأخرى (الباطنية). تكاد هذه المحاور تحيط بالعمل القصصي لخليل قنديل على مستوى البناء القصصي والمادة الحكائية والفضاء القصصي، فقصص خليل قنديل متواترة لا تدعي التجريب القصصي بل تندرج ضمن السرد القصصي الذي يدعم النموذج المرجعي القائم على الحبكة القصصية، والمقدمة ثم الحل، كغالبية النماذج القصصية الأردنية. يَسْتَهِلُّ السارد الحكاية -وهي محورية وأساسية- بتقديم – غالبا- الشخصية القصصية المتحدث عنها والعمود المركزي للحكاية (بضمير الغائب). مثل هذه الافتتاحيات السردية تبرز القيمة الوظيفية للشخصية القصصية في بناء الحكاية وفي تشابك مواقفها الفكرية وحالاتها النفسية وانفعالاتها السلوكية ووضعياتها الاجتماعية، كما أن التركيز على ضمير الغائب المذكر والمؤنث (هو/هي) يمنح السارد فرصة السرد الحيادي والتعبير بحرية عن الآخر، مع إعطاء الأهمية للوصف من خلال تقديم الشخصية القصصية ظاهرا وسلوكا وموقفا.

لبناء الشخصية القصصية وتشكيل مظاهرها الخارجية أو كشف حالاتها النفسية وتحديد وضعيتها ومقامها داخل نسيج الحكاية المركزية ينبغي تهيئة فضاء متخيل متكامل ومتناغم، والقاص خليل قنديل يقدم للشخصية القصصية المحورية فضاءً متخيلا متناغما عبره تنمو وتفكر وتعلن عن مقوماتها، فيستدعي شخصياتٍ ثانويةً تقوم بتفسير وتوضيح الغامض من تاريخ الشخصية أو تقوم بعرض مؤهلات الشخصية أو تساعدها على الكشف عن مواقفها أو تساهم في تعرية مخبوئها النفسي والجنسي وإجلائه. ومما يسهم في تأثيث الفضاء المتخيل المتناغم والشخصية القصصية عند خليل قنديل عرض المكان الذي يكون غالبا عنده ضيقا ومغلقا لا يتجاوز البيت والغرفة والحديقة والزاوية والمسجد، وكما هي الحال بالنسبة لتوظيف السارد ضمير المتكلم وندرته (السارد المشارك) نجد المكان الخارجي: الحافلة (وهو ضَيِّقٌ وَمُغْلَقٌ) محدود الاستعمال، وكل ذلك يتناغم والقصة القصيرة لدى خليل قنديل التي لا تفرط في الحكاية ومقوماتها الأساسية.

لكي تكون الحكاية مقنعة ومثيرة للاهتمام ولتؤدي وظيفتها الجمالية والمعرفية لابد من ‘مادة حكائية’ ذات مقومات منسجمة ومثيرة، كالأسرار والألغاز التي تحتاج إلى حلول، لكن خليل قنديل انتهج طريقة أخرى بتوظيف الموروث الشعبي من حكايات وعادات وتقاليد ومعتقدات وخرافات، واعتمد كذلك على السر الكامن في المكان وفي الطبيعة وعناصرها.*******تتكون مجموعة ‘سيدة الأعشاب’ من اثنتي عشرة قصة قصيرة تسعٌ منها شخصياتها المحورية نساء في وضعيات مختلفة أو هن مرايا للتعبير عن أفكار ومواقف مرتبطة بالمرأة، وهي:

تحكي قصة ‘عنقود عنب’ عن حالة تناقض أو انقسام داخلي (الذكرى والحاضر) تعيشه شخصية ‘علياء بدر’ لحظة الولادة، انقسام بين الحب العفوي القديم للفتى الميكانيكي ‘عدنان’ صاحب وحم ‘عنقود العنب’ وبين الزواج ‘الذي بدا مثل كتلة لحمية متورمة بالأنف الأفطس الضخم وبالجفنين المنتفخين، وبتلك الاندلاقة البقرية لشفته السفلى’ ص (19). أين هذا الوصف الساخر من وصف ‘عدنان’ الباهر، لقد ‘هالتها قامته المديدة وغرته المتحركة بفوضى محببة على جبينه، وبياضه المتسخ بزيوت وشحوم محركات السيارات، وتلك الشفة التي تفتر عن ابتسامة. تلك الابتسامة التي ترسم على خديه غمازتين دائمتي التشكل’ ص (21(تناقض حالة الشخصية القصصية يوازيه التناقض في المكان كذلك، لقد هيا لها زوجها محمد اليوسف قصرا بغرفه الكثيرة وممراته وحدائقه وأثاثه الفاخر كالآتي:’ وأحست بروحها تنسل من القصر الذي بناه محمد اليوسف من أجلها.

رأت نفسها وهي تعبر الممرات بين الغرف الكبيرة والواسعة، وتهبط الدرج الداخلي المؤدي إلى الصالات الكبيرة المدججة بالكنبات والتماثيل الأبنوسية والأسقف المثقلة بالكريستال…’ ص (20)، لكن ‘علياء بدر’ الحالمة لا يستهويها غير سدة العشق الأول؛ ‘ سدة المحل التي تفوح برائحة معدنية تختلط فيها رائحة السيارات الخربة، برائحة صدر عدنان المشبعة بشقاء اليوم وبزيوت محركات السيارات المنقعة بأنسجة قميصه الخاكي’ ص (21(والجدول التالي يوضح التناقض الذي قام عليه بناء القصة القصيرة من منظور شخصية ‘علياء بدر’ التي تبنى السارد رؤيتها وخطابها الحالم:

الشخصية محمد اليوسف عدنانالزمان الحاضر (حاضر الحكاية) الماضي (ذكرى من الطفولة(المكان قصر (الفراش الوثير) سدة المحل المكانيكيالأوصاف سلبية إيجابيةتطرح قصة ‘عنقود عنب’ قضية جوهرية تبقى من ‘الطوباويات’ التي لا تبوح بها المرأة حتى لنفسها إلا في صورة الحلم أو صورة ادعاء المس كما في قصة ‘تلك المرأة’، وهي: الحبيب الوسيم والفتي والزوج الغني. أي أن المرأة قد تميل اجتماعيا إلى اختيار الزوج الغني القبيح لمواجهة العالم والخروج من الفقر والشقاء، لكنها تدفن عميقا الحبيب (الأول) الفتي والوسيم لكن الفقير مثل شخصية ‘عدنان’ الذي سيضطر للهجرة إلى كندا في قصة ‘عنقود عنب’ والطالب الجامعي في قصة ‘تلك المرأة’. إذن، هناك فرق بين الواقع والرغبة كما أكد على ذلك ‘فرويد’؛ الواقع الاجتماعي الذي يحب المظاهر الخارجية والرغبة الداخلية في امتلاك الجمال كقيمة مثالية صعبة الإدراك والتملك.*******في مجموعة سناء الشعلان ‘أرض الحكايا’ تبين أن السارد جعل من أغلب الشخصيات الذكور عاهات مشوهة أو معاقة وعاجزة، وفي مجموعة القاص خليل قنديل وتعاطفا مع المرأة نجد سارده (المؤنث) يصور شخصيات الذكور غالبا قبيحة ومنفرة فقيرة أو غنية، ومما يوصف به الرجل الخاطب للمرأة الثلاثينية في قصة ‘تلك المرأة’ تعدد الزوجات والفقر وكثرة الأبناء يقول:’ وحينما أخذتها الدهشة من طلب (أبو عدنان) لها، وتذكرت زوجته الأولى والثانية. والكم الهائل للأبناء الذين يحشرهم في غرفتين متلاصقتين خلف دكانه. خرج صوتها عن طوعها قائلة بنبرة فيها طعم التمرد المباغت:’على قطع رقبتي لن أتزوج (أبو عدنان)’ ص (110(في قصة ‘قط أسود’ يصف السارد تجاذب الرغبة المقموعة بين المرأة زوجة الرجل المُقْعَدِ والقط الأسود والرجل الخمسيني الوحيد ‘المتلصص’. يغار الرجل من ملامسة ومداعبة المرأة للقط الأسود وهو يراقبها من خلف ستائر النافذة:’ وأكثر ما كان يدهشه، علاقتها بالقط الأسود الذي كان يظل يموء وهو يتمسح بها ويدور حولها، متلذذا بتلك الملامسة التي تمنحه إياها، وهو يرتفع بظهره ويقوسه، ومن ثم ينسدح أرضا وهو يلامس قدميها’ ص (38-39(يفصح ‘انجذاب’ المرأة للقط الأسود و’تلصص’ الرجل الخمسيني عن رغبة كامنة محبوسة تنشد الانطلاق و’الإشباع’، وهو ما سيصوره السارد في ‘مشهد سينمائي’ فوق سطح العمارة وتحت المطر، وعبر تجاذب وتباعد وتماس المرأة والرجل تصرخ فيه الرغبة متأوهة متحررة من عقالها، يقول في النص المجتزأ/ المشهد المسرود: ‘قالت له بصوت يشبه المواء: هل ترفعني قليلا.

استيقظت فحولة نائية ونائمة في روح الرجل، وهو يضع يده بين فلقتي مؤخرتها ويرفعها عن الأرض قليلا. هالته الارتجافة الجافلة التي أطلقها فرج المرأة لحظة الملامسة. وهالته تلك الليونة في جسدها المخبأ تحت معطفها. ود لو أنه يبطحها أرضا فوق ألواح الزينكو التي كانت تطلق صيحات معدنية مع حركة الهواء الممطر.

كانت المرأة تصعد وتهبط، تاركة يده تجوس تفاصيل جسدها وهي فرحة وبشكل مصمّت بالاحتكاك الذي تتيحه حركتها وهي تمد يدها باتجاه القط…’ ص (44(إنه مشهد يصف التجاذب والتباعد بين جسدين محرومين ثالثهما قط أسود. هنا أيضا في هذا المشهد لذة مسروقة، محبوسة، تعلن عن نفسها في صمت وبمداراة ومراوغة للحقيقة، رغبة لا يراد لها الاعتراف بنفسها. إنها واحدة من ‘الطابوهات’ التي لا يعترف بها المجتمع، وهي كذلك من ‘الطابوهات’ التي تورث مقترفها ‘الشعور بالإثم وبالندم’ والحسرة. والقاص خليل قنديل يصورها في هذه القصة الجميلة المتماسكة البناء المليئة بالانفعالات الداخلية، والمكثفة الدلالة، وقوية الإحالة، كما نجدها حاضرة بقوة في القصص التالية: ‘عنقود عنب’ و ‘تلك المرأة’.*******ليست المرأة في قصص خليل قنديل مجرد رغبة محبوسة تنشد الانعتاق والإشباع أو ‘طابوهات’ معتمة يتحاشاها الرجل والمرأة معا داخل مجتمعات بعينها، إنها كذلك ‘المرأة الحاضنة’ المتفهمة النبيهة وحاضرة البديهة والمتسترة على عيوب الرجل وخفاياه وحالات ضعفه، وهذا ما تحكيه قصة ‘المنديل’. تستحضر قصة ‘المنديل’ ظاهرة اجتماعية وعادة من عادات ليلة الدخلة، وهي ظاهرة حساسة جدا، ومن ‘الطابوهات’ المحرم الحديث عنها رغم قوة حضورها وهيمنتها على الحفل ذاته والحدث نفسه أي الفرح والعرس وبناء الأسرة، وهي كذلك ثنائية القيمة؛ فعلى العريس أن يثبت فحولته بافتضاض عروسه، وعلى العروس أن تثبت براءتها وعفتها، والدليل طبعا قطرات دم على ‘المنديل’ عنوان القصة.

في هذه القصة يركز السارد على العريس وتقف العروس في الخلفية لتعود مجددا إلى الواجهة بفعلها الشهم، حينما ستتستر على ارتباك وفتور العريس تحت إلحاح والده عليه من خلف الباب أو لأسباب أخرى لمح لها القاص في بداية القصة. ملمح المرأة القوية النبيهة و’السيدة’ على قومها ونفسها لا تبرز فقط في قصة ‘المنديل’ بل تظهر كذلك في قصة ‘الطاسة’ حينما تساعد الزوجة زوجها الذي يعاني ‘الرُّهَابِ’ على حيلة لتخطي رعبه الداخلي، بينما قصة ‘العجوز زهوة’ فإنها تظهر بالفعل قوة المرأة وتحكمها وسلطانها على الجميع عندما تملك قدرات خارقة ومواهب فائقة في معرفة الأسرار وكشف الخبايا، أما القصة التي اختارها القاص عنوانا وعتبة للقراءة المجموعة ‘سيدة الأعشاب’ فهي واحدة من القصص التي تمجد المرأة وتعترف لها بالأفضلية وبالقدرة الخارقة.

في قصة ‘سيدة الأعشاب’ يروي السارد حكاية ‘أمه’ بضمير المتكلم؛’وكان عليَّ أنا الابن الذي غادرها وغادر هذا البيت منذ أمد بعيد، أن لا أسأل أمي السبعينية…’ ص (91)، ويصبح بذلك ساردا مشاركا في بناء النص السردي، ويصبح صوتا من الأصوات الحاضرة في بناء المعنى. تكشف القصة عن امرأة عجوز (سبعينية) كانت عالمة بأسرار النباتات وكانت قِبْلَةً للزوار من كل الأنحاء، معروفة لدى الجميع لكنها مجهولة من قِبَلِ ابنها الذي ابتعد عنها لسنوات. يقول سعيد العشاب عنها لابنها: ‘السِّت ازدهار يا أستاذ عالمة أعشاب وطبيبة لا على مستوى الأردن فقط بل على المستوى العربي أيضا. ومرضاها يأتون إليها من الخليج ومن ليبيا والسودان’ ص (93(إن حضور المرأة في مجموعة ‘سيدة الأعشاب’ للقاص خليل قنديل لا يوازيه سوى حضور الأمكنة المغلقة (البيوت والغرف والحدائق) التي تتحول في عدد من القصص إلى شخصيات فاعلة (قوى فاعلة) حولها تنسج الحبكة كما في قصة ‘البيت’ وقصة ‘السبعيني’ وقصة ‘الرحيل’ التي يصور فيها القاص وعبر سرد مؤثر العلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان، كما وصف العلاقة الحميمة بين البستاني وأشجار الحديقة في قصة ‘السبعيني’. في قصص مجموعة خليل قنديل للمرأة حضور مهيمن وللأمكنة أرواح تحيا بها وللنباتات حياة ومشاعر، وللعادات والتقاليد والمعتقدات سلطة قاهرة على الإنسان.

يكتب القاص خليل قنديل قصصه بإتقان نادر، ويمنحها روحها المحلية (الأردن) فيورد الأمكنة بأسمائها، ويتتبع خارطة ‘عَمَّانَ’ متربعة فوق قمم وسفوح جبالها، وبشرفاتها المطلة على المنحدرات والامتدادات… إنه قاص ‘محلي’ وعبْرَ محليته ينشد العالمية لأنها الطريق الملكي.

قنديل، خليل: سيدة الأعشاب. منشورات وزارة الثقافة. ط 1. 2008م.

سلا- المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية