قناة تركية مع الديكتاتور علييف ضد مراسلة «بي بي سي»… وأكرم خزام «تفرْكَشَ» في المهنة لكنه يعطي دروساً!

حجم الخط
6

فيديو لقناة «تي أر تي» التركية الناطقة بالعربية يحمل عنوان «إلهام علييف (الرئيس الأذربيجاني) يلقن مذيعة «بي بي سي» درساً في حرية الإعلام».
في المقابلة تسأل المراسلة، لماذا ليس هنالك في البلاد إعلام حرّ ومعارض، لكن علييف قبل أن يجيب، يصرّ على سؤالها عن مصادرها، في وقت تشدّد هي على أن منظمات غير حكومية والصحافيين يتعرضون للقمع، وأن المنتقدين في السجون.
«لا شيء من هذا صحيح. قطعاً مزيف. لدينا إعلام حرّ، لدينا انترنت حر. هل يمكن أن تتصوري تقييد الإعلام في بلد الإنترنت فيه حرة. لا توجد رقابة. هذا مرة أخرى نهج متحيز، هذه محاولة خلق تصور للمشاهد الغربي عن أذربيجان. لدينا معارضة، لدينا منظمات غير حكومية. لدينا فعاليات سياسية حرة. لدينا حرية إعلام، ولدينا حرية التحدث».
يقول علييف، ثم «يباغت» محاورته بالقول: «لكن بما أنك طرحت الموضوع، هل يمكن أن أسألك سؤالاً؟ كيف تقيّمين ما حدث للسيد (جوليان) أسانج؟ هل هو إنعكاس للإعلام الحرّ في بلدك؟ لنتحدث عن أسانج. كم عاماً قضى في السفارة الإكوادورية؟ ولأجل ماذا؟ وأين هو الآن؟ من أجل نشاط صحافي احتفظتم بهذا الشخص رهينة؟ في الواقع قتلتموه أخلاقياً وجسدياً. أنتم فعلتم ذلك وليس نحن. وهو الآن في السجن. إذن ليس لديكم حق أخلاقي للحديث عن الإعلام الحر عندما تفعلون هذه الأشياء».

علييف يحكم أذربيجان منذ العام 2003 خلفاً لوالده، الذي حكم البلاد بدوره منذ انفصالها عن الاتحاد السوفياتي. وفي عام 2017 عيّن زوجته مهريبان في منصب النائب الأول للرئيس، ومن المتوقع أن تتسلم ابنته ليلى الحكم من بعده. ويبدو أن جميع المنتمين للعائلة لهم مناصب سياسية رفيعة.

عندما تحاول المراسلة «العودة إلى الصراع» الذي لا شك أنه النقطة الساخنة في نشرات الأخبار، يجيبها كأي «ردّاح» تلفزيوني: «نعم الأفضل أن نعود إلى الصراع، لأن هذا لا يعجبك. أنتم تحبّون فقط الاتهام، فقط الهجوم».
هذا هو إذن درس علييف! الإنكار، وإغراق المراسلة بأسئلة تشكك بمصادرها، ثم استخدام حادثة أسانج الفريدة من نوعها. أولاً، ومن دون العودة إلى تفاصيل قضية أسانج، لا يمكن لحادثة فريدة مثل هذه أن تمثّل الإعلام الحرّ في بريطانيا ولا في أوروبا عموماً، وكلنا نعرف مدى الحرية الممنوحة (بل المنتزعة) للإعلام في هذه البلاد.
وثانياً، من قال إن المراسلة ومحطتها تمثلان حكومة بلادهما وسلوكها تجاه أي من القضايا!
هذه الطريقة في الهجوم باتت شائعة عند الأنظمة الديكتاتورية ومؤيديها؛ تنادي فرنسا بحرية التعبير فيقلبون الدنيا بحثاً عن قضايا فيها شبهة الإساءة لحرية التعبير عندها لإبرازها في نشراتهم، ولقد كانت مشاهد المواجهات مع «السترات الصفر» مخزناً نهلت منه تلك الأنظمة (النظام السوري مثلاً) لتبرر أفعالها الوحشية تجاه شعوبها!
يذكر أن علييف يحكم أذربيجان منذ العام 2003 خلفاً لوالده، الذي حكم البلاد بدوره منذ انفصالها عن الاتحاد السوفياتي. وفي عام 2017 عيّن زوجته مهريبان في منصب النائب الأول للرئيس، ومن المتوقع أن تتسلم ابنته ليلى (ثلاثون عاماً) الحكم من بعده. ويبدو أن جميع المنتمين للعائلة لهم مناصب سياسية رفيعة.
ألا تكفي تلك النبذة العائلية لإعطاء فكرة عمّا يمكن أن يكون عليه حال الصحافة والحريات عموماً في ذلك البلد!؟
المؤسف في الحكاية كلها ليس كلام علييف، فهو منسجم تماماً مع وضعه كديكتاتور فاسد، وريث رجل الإستخبارات السوفياتية، الذي كانه علييف الأب، المؤسف أن تقرر قناة إعلامية مثل «تي أر تي» أن تنتصر لطاغية على صوت إعلاميّ حرّ، مثل مراسلة «بي بي سي».

الصحافي المواطن

في مقابلة له على قناة خاصة على يوتيوب (مع الإعلامية رئيفة المصري) يتحدث الإعلامي السوري المعروف أكرم خزام عن صحافة المواطن فيقول إنها «قضية مخترعة» لأن «هناك فترة لازم يقضيها (الصحافي المواطن) يقدر يستوعب طبيعة هذا الاختصاص» ويضيف: «أنا لست مع قضية المواطن الصحافي، لأنه ينقل بعاطفته، بمزاجه، فكيف يمكن نقل مواضيع خطيرة مثل الثورة السورية! وبالتالي أنا حذر في التعامل مع هذا النوع اللي سمّوه الصحافة الاستقصائية. لكن أنا بتقديري لا علاقة له بالصحافة الاستقصائية. بتصوري بيدخل عامل الكذب أكثر بهذا النوع».

هنا تحاول المصري أن تخفف من وقع كلمة «الكذب» فتقول: «خلينا نقول انفعال عاطفي يؤثر على نقل الخبر بدلاً من الكذب» إلا أن خزام يصرّ على كلمة الكذب، لأن «في ناس عندهم غايات محددة» وحين يُسأل لماذا يمكن أن يكذب المواطن الصحافي، يجيب «لأنه بشكل غير مباشر مرتبط بجهة معينة».
خزام، ابن مصلحة الإعلام منذ حوالي ربع قرن، بالضبط عندما بدأ العمل مع «الجزيرة» مراسلاً لها من «موسكووو» ومع ذلك تكفي قراءة السطور أعلاه ليعرف المرء كم أن الرجل لم يتعلم من التجربة.
واضح أنه لم يفهم فكرة «الصحافي المواطن» إذ تنشأ هذه بالضبط بسبب غياب أو تقصير من قبل الصحافة التقليدية، أو في الأماكن التي لا يمكن الوصول إليها، أي كما حدث عندما ضيّق النظام السوري على المراسلين العرب والأجانب في سوريا مع بداية الثورة، وبالطبع مع غياب كلّي لصحافة محلية، فلم يبق للناس سوى هذا النوع من الصحافة المبتكرة ليقولوا للناس إننا نذبح.

فكرة «الصحافي المواطن» تنشأ بسبب غياب أو تقصير من قبل الصحافة التقليدية، أو في الأماكن التي لا يمكن الوصول إليها، أي كما حدث عندما ضيّق النظام السوري على المراسلين العرب والأجانب في سوريا مع بداية الثورة

نشأت صحافة المواطنة من حاجة ماسة، تماماً تحت سبطانة المدفع، فكيف يمكن لها أن تكذب (هذا لا يعني بالطبع أن الكذب والتزوير غير واردين، كما في أي مجال) لكن كيف تطالب مواطناً لم يجد أمامه وسيلة للصراخ والاستنجاد سوى كاميرا موبايله فراح يصوّر مجزرة أن يكون لديه «فترة تعليم وتدريب»!
من بين أبرز الأمثلة في الثورة السورية فيديو لا ينسى، وأحسب أنه يمكن أن يدرّس كنموذج. عندما اقتحمت قوات أمن النظام «ساحة البيضا» في بانياس، فاعتقلت وداست على ظهور ورؤوس الناس، وعندما انتشر الفيديو أٌنكِر، إلى حدّ أن أبواق النظام ادّعوا أنه مولّف في مكان ما خارج البلاد، إلى أن ظهر فيديو آخر يتحدث فيه أحد شبان البلدة (أحمد البياسي) عمّا حدث، ومن قلب الساحة نفسها راح الشاب يشير ويستعيد الأماكن التي ظهرت في الفيديو. البياسي (الذي لم يخضع لفترة تمرين، كما يأمل خزام) دفع الثمن باهظاً فيما بعد، إذ تقول الأخبار إنه قد اعتقل منذ ذلك الوقت ولم يظهر حتى الساعة.
ثم من قال لك إن «الصحافة الاستقصائية» هي الاسم الآخر لـ «صحافة المواطن»؟!
أكرم خزام قال، حين سئل كيف دخلَ مهنة الإعلام وهو المخرج المسرحي في الأساس «لقد تفركشتُ بمهنة الإعلام»! تفركشَ الرجل فأقام في المهنة، بل وفي أشهر القنوات الفضائية الناطقة بالعربية، ربع قرن بحاله، وليس من الواضح، حسب فهمه الوارد في المقابلة أنه تعرّض لـ «فترة تدريب». تفركشَ فأباح لنفسه ما لم يبحه لغيره، مع العلم أن كثيرين من الصحافيين المواطنين لم يطلبوا لأنفسهم لقب الإعلامي (نعود للبياسي نموذجاً) ولولاهم لكانت اختفت حقائق لم نكن لنسمع بها، بعد أن ولّت القنوات والصحافيون التقليديون المكرّسون الأدبار.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية