يتوجب على اسرائيل ان تتبنى مبادرة السلام العربية باعتبارها اساسا للتفاوض مع الدول العربية لتستطيع تجديد تفاوضها مع الفلسطينيينشلومو باروم وشمعون شتاينلا تتصل الزعزعة التي تجري على العالم العربي اتصالا مباشرا باسرائيل أو بالصراع المتصل مع الفلسطينيين، لكنها تزيد في حدة ازمات قائمة مع العالم العربي والاسلامي. وعلى هذه الخلفية فان تدهور علاقات اسرائيل بالفلسطينيين بسبب جمود مسيرة التفاوض وتوجههم الى الامم المتحدة قد يفضيان الى إساءة اخرى لوضع اسرائيل لمواجهة محيطها في الشرق الاوسط. والرد الاسرائيلي على هذا الوضع سلبي ودفاعي في أساسه، ولا توجد أية محاولة للتعرف على فرص سياسة مبادرة تستطيع ان تؤثر تأثيرا ايجابيا في مكانة اسرائيل.
الدعوى التي تعرضها هذه المقالة هي ان هذه الفرص موجودة حقا وعلى اسرائيل استغلالها. وعلى هذه الخلفية سيُفحص فيما يلي عن الواقع المتوقع في المنطقة بعد اجراءات الفلسطينيين في الامم المتحدة في محاولة لنتعرف فيه فرص مبادرة اسرائيلية. وسيفحص عنها في اربع ساحات؛ الساحة الفلسطينية والساحة المصرية والساحة التركية والساحة السعودية.
أحدث قرار الفلسطينيين على التوجه الى الساحة الدولية حراكا جديدا. فعلى حسب السيناريو المحتمل، بعد ان يُرفض الطلب الفلسطيني في مجلس الامن إما لانه لن تُحرز اكثرية وإما بسبب فيتو امريكي سيُنقل الى الجمعية العامة اقتراح قرار الاعتراف بدولة فلسطينية بمكانة مراقبة في الامم المتحدة، ويُجاز في الجمعية العامة بأكثرية كبيرة. وهذا القرار حينما يأتي على خلفية الازمات مع تركيا ومصر والتوتر مع الاردن سيزيد عزلة اسرائيل والضغوط السياسية عليها. وسيُمكّن هذا القرار الدولة الفلسطينية من الانضمام الى منظمات دولية اخرى ومواثيق دولية. وعلى سبيل المثال سيُمكّن الانضمام الى المحكمة الدولية من رفع دعاوى قضائية على اسرائيل عن سلوكها في المناطق ورفع دعاوى قضائية على ساسة وعسكريين بزعم أنهم يتحملون مسؤولية شخصية عن جرائم حرب ومخالفات للقانون الدولي. وستوسع هذه الظواهر ما يُفسر في اسرائيل بأنه عملية نزع الشرعية.
يوجد خطر في التأثير الذي سيكون لاجتماع جمود التفاوض مع الفلسطينيين، والاجراءات في الامم المتحدة وتأثير ‘الربيع العربي’. سيتبين للجمهور الفلسطيني وللجمهور في البلدان العربية الاخرى في اليوم الذي يلي الاجراءات في الامم المتحدة، أنه لم يتغير شيء حقيقي، وأن الواقع في الضفة الغربية وفي قطاع غزة بقي بلا تغيير. آنئذ سيثار للنقاش السؤال التالي: ماذا بعد؟ كيف يتم تحقيق فكرة الدولة الفلسطينية التي تم الاعتراف بها في الامم المتحدة. و’الربيع العربي’ يعطي الجمهور الفلسطيني جوابا، انه يمكن تحقيق هذه الأهداف بمظاهرات مكثفة بطرق سلمية. والمشكلة انه في الواقع في المناطق حيث يقوم جمهوران عدوان بعضهما بازاء بعض، يصعب تصديق ان تبقى هذه المظاهرات غير عنيفة زمنا طويلا. فهي ستبدو للمستوطنين والقوات التي تحرسهم والذين سيتقدم المحتجون صوبهم، تهديدا حقيقيا. وسيكون من الصعب السيطرة على هذه المظاهرات بمعدات تفريق مظاهرات وهو ما سيفضي الى اطلاق نار عليهم وعودة الى دائرة العنف. فليس الخوف اذا من استقرار رأي أحد الطرفين على المبادرة الى عنف بل من مسار يفقد فيه الطرفان السيطرة على الوضع فيندفع الى العنف. ولا يصعب ان نتخيل ماذا سيكون تأثير هذه الانفجارات العنيفة في الجماهير العربية والمسلمة التي أخذ يزداد تأثيرها على الحكومات، وفي صورة اسرائيل في العالم الغربي في وضع تزداد فيه عزلتها.
سيتبين بعد الاجراءات في الامم المتحدة في الشأن الفلسطيني، ان الوضع بقي كما هو لكنه ستواجه اسرائيل دولة فلسطينية تعترف بها الامم المتحدة. هذه فرصة التوجه الى الطرف الفلسطيني باقتراح دخول حوار في معنى مكانتهم الجديدة، وما هو المطلوب لاعتراف اسرائيلي بها. وهذا الحوار في الحقيقة هو تجديد التفاوض بطريقة اخرى. ان اسرائيل ستوجد في وضع أفضل من عدة جهات لانه أسهل اجراء تفاوض بين دولة ودولة مما هو بين دولة ومنظمة. ومن جهات اخرى سيكون وضع اسرائيل أقل راحة لأن الفلسطينيين سيدخلون التفاوض مع تأييد دولي واسع لكن ليس في هذا جديد في الحقيقة. فسواء استقر رأي اسرائيل على مبادرة في مجال التفاوض أم لم يستقر، فعليها ان تمتنع عن تبني فكرة عقاب الفلسطينيين بوقف تحويل الاموال التي تجبيها من اجلهم والامتناع عن ضم الكتل الاستيطانية. فأعمال من هذا النوع ستزيد الازمة شدة وتحول وضعا سياسيا صعبا الى وضع سياسي أصعب بسبب الرد الدولي المتوقع. فالمس المتوقع باستقرار السلطة الفلسطينية سيضر اضرارا شديدا بالمصلحة الاسرائيلية ايضا.
برغم الوضع الداخلي الاشكالي في مصر، فان هذه تطمح الى ان تموضع نفسها مرة اخرى باعتبارها لاعبة مركزية في السياسة الخارجية الاقليمية، بسبب ما لذلك من تأثير في الجمهور داخل مصر ولأن هذا سيدل على تحلل من عهد مبارك الذي كانت تُرى مصر فيه دولة خسرت مكانتها وطريقها بصفتها زعيمة العالم العربي. واليوم يوجد استعداد أكبر عند الدول العربية لتدع مصر تؤدي دور القيادة، ويمكن أن نرى هذا ايضا بنجاحها في الوساطة بين فتح وحماس بقصد احراز اتفاق مصالحة بينهما. وكل ذلك في وضع يتأثر فيه الرأي العام المصري تأثرا قويا بالتطورات في الساحة الفلسطينية، فهذه فرصة تستطيع اسرائيل استغلالها للتوصل الى تنسيق هاديء لاجراءات في الساحة الاسرائيلية الفلسطينية. وفي المقابل ايضا فان المصلحة المشتركة في إقرار القانون والنظام في سيناء هي فرصة لانشاء حوار استراتيجي ينحصر في التغييرات المطلوبة في الملحق العسكري لاتفاق السلام.
يبدو في ظاهر الامر انه احترقت الجسور بين اسرائيل وتركيا، وينبع ذلك بحسب رواية تسود اسرائيل من قرار الحكومة التركية على ادارة ظهرها لاوروبا وحصر عنايتها بالشرق الاوسط مع بذل جهد لتوسيع التأثير التركي في هذه المنطقة. يبدو انه توجد حقيقة في دعوى التغيير الأساسي لسياسة تركيا لكنه يوجد تجاهل ان حكومة اردوغان حاولت في بداية الطريق فعل ذلك مع إشراك اسرائيل لا خلافا عليها، بموضعة تركيا وسيطة عاقدة للجسور بين اسرائيل وجهات عربية مختلفة. ونشك في ان يكون فرض ان تركيا قررت تبني سياسة معادية لاسرائيل دونما صلة بسلوك اسرائيل، أن يكون صحيحا، فاذا نجحت اسرائيل في ان تجد حلا لمطلب الاعتذار من قبل تركيا، فهناك مجال فرص لتحسين العلاقات مع تركيا بموافقة اسرائيلية على اعطاء تركيا أدوارا، وهذه الخطوة مهمة لتركيا الآن خصوصا في الوقت الذي تنهار فيه سياسة ‘صفر المشكلات’ ازاء سوريا وازاء الأكراد وازاء قبرص واليونان وازاء أرمينية. هكذا مثلا يمكن دخول مباحثات مع تركيا في انشاء امكانية وصول سفن الى غزة بعد عملية تفتيش يكون للاتراك فيها دور بتنسيق وتعاون مع اسرائيل.
وفي النهاية السعودية. فهي قلقة جدا للتطورات في العالم العربي، وقدرة ايران على استغلالها وتقدم المشروع الذري الايراني. وبسبب هذا القلق اتخذت السعودية سياسة أكثر الحاحا. يوجد في ظاهر الامر أساس لتعاون واسع وتفاهمات استراتيجية بين اسرائيل والسعودية، لكنه يوجد سقف زجاجي منخفض جدا للقدرة على تحقيق هذه النية ما بقي الصراع بين اسرائيل والعالم العربي ولا سيما الفلسطينيون، في تصاعد. لاسرائيل قدرة على تغيير هذا الواقع. بأن تتبنى أولا مبادرة السلام العربية، بتعبير الامير السعودي تركي الفيصل باعتبارها أساسا للتفاوض بين اسرائيل والدول العربية، وبأن تمنح تجديد التفاوض مع الفلسطينيين فرصة. وهذه الاعمال بطبيعتها لا تنحصر في الساحة السعودية فقط وهي أساس لمبادرة اسرائيلية قد تكون لها آثار اقليمية ايضا.
نشك في ان تكون السياسة الاسرائيلية السلبية الحالية، في سياق التطورات في الساحة الاقليمية وعلاقتنا بالفلسطينيين، قادرة على خدمة المصلحة الاسرائيلية. لا يجوز ان تُملي اعتبارات داخلية (مثل الحفاظ على الائتلاف) الحاجة الى الأخذ بسياسة هي في أساسها رديّة. بدل ذلك ينبغي استغلال نافذة الفرص التي أحدثتها التطورات في المنطقة دون مس بمصالح اسرائيل الامنية.’ نظرة عليا ـ العدد 283