غزة- “القدس العربي”:
تواصل الجدل الفلسطيني، بعد القرار المفاجئ الذي اتخذته السلطة الفلسطينية، بعودة العمل بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، لما كانت عليه قبل 19 مايو الماضي، بدون أي سابق إنذار، في الوقت الذي تكشفت بعض الوقائع التي قادت إلى الوصول إلى هذا القرار، واشتملت على لقاءات سرية واتصالات ووساطات من دولة أوروبية، فيما يتردد أن فوز المرشح الجمهوري الأمريكي جو بايدن في السباق الرئاسي كان له أثر كبير في ذلك.
اجتماع لعودة أموال المقاصة
وفور الإعلان الفلسطيني عن عودة العمل بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، وتشمل الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية والسياسية، جرى الكشف عن عقد اجتماع هو الأول من نوعه منذ 19 مايو الماضي، بين مسئولين من كلا الطرفين، للتنسيق لعملية إيصال أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل من البضائع التي تمر من موانئها إلى المناطق الفلسطينية، إلى خزينة الحكومة الفلسطينية، وفق “اتفاق باريس الاقتصادي”، وهي أموال ظلت محتجزة لدى إسرائيل منذ ستة أشهر، ما أدخل السلطة الفلسطينية في ضائقة مالية كبيرة، حيث تقدر تلك الأموال بأكثر من 195 مليون دولار شهريا.
ومن المفترض أن تقوم السلطة الفلسطينية بعد تسلم تلك المبالغ الكبيرة المحتجزة لدى إسرائيل، بدفع رواتب موظفيها كاملة، بعد أن ظلت طوال الأشهر الستة الماضية تدفع ما قيمته نصف الراتب، علاوة عن دفعها المتأخرات المالية المستحقة لموظفيها.
لكن لم يعلن إن كان هناك لقاءات أخرى غير ذلك اللقاء الذي يجمع مسئولون من وزراتي المالية، وبالأخص مسئولون أمنيون، خاصة وأن إعلان السلطة الفلسطينية شمل العودة إلى عملية “التنسيق الأمني والمدني”.
وقد أعلنت السلطة الفلسطينية مساء الثلاثاء، وعلى لسان رئيس هيئة الشئون المدنية الوزير حسين الشيخ، عن عودة العلاقة مع إسرائيل، لما كانت عليه قبل تاريخ 19 مايو، وهو التاريخ الذي اجتمعت فيه القيادة، وقررت التحلل من الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال، بسبب قيامه بطرح مخطط الضم، وتنكر إسرائيل لبنود الاتفاقيات الموقعة.
وقال الشيخ إن قرار العودة جاء بعد إرساله خطاب للجانب الإسرائيلي وتحديدا للجنرال كميل أبو ركن، منسق أعمال حكومة الاحتلال في المناطق الفلسطينية، تضمن سؤالا واحدا: هل الحكومة الإسرائيلية ما زالت ملتزمة بالاتفاقات أم لا، بمرجعيتها المعروفة وهي الشرعية الدولية، لافتا إلى أن القيادة الفلسطينية تلقت رسالة خطية من الحكومة الإسرائيلية أكدت فيها التزامها بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الفلسطيني، وقالت إن هذه الرسالة هي أول رسالة خطية تتلقاها القيادة الفلسطينية من الحكومة الإسرائيلية في عهد بنيامين نتنياهو، أكدت فيها التزامها بالاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير، والتي مرجعيتها معروفة وهي الشرعية الدولية.
رسالة المنسق
وقد نشرت مواقع إسرائيلية نص الرسالة التي أرسلها الجنرال الإسرائيلي الموجهة للسلطة الفلسطينية، جاء فيها “السيد: حسين الشيخ، وزير الشؤون المدنية الفلسطيني، سيدي العزيز، فيما يتعلق بخطابك الذي أرسلته في السابع من أكتوبر 2020، تعلن اسرائيل عن استمرار الاتفاقيات الإسرائيلية الفلسطينية ثنائية القطب لتشكيل الإطار القانوني المطبق الذي يغطي تصرفات كلا الطرفين في القضايا المالية والقضايا الأخرى”.
وجاء فيها “استناداً على هذه الاتفاقيات، تستمر إسرائيل بجمع الضرائب لصالح السلطة الفلسطينية. ولسوء الحظ، فإن السلطة الفلسطينية هي من رفضت استلام هذه التمويلات المجموعة من إسرائيل”.
وبحسب تقارير عبرية، ذكرت أن عودة “التنسيق الأمني” وتراجع السلطة الفلسطينية عن موقفها المتعلق برفض تسلم أموال المقاصة، تأتي كـ”بوادر حسن نية تجاه الإدارة الأمريكية الجديدة”، مشيرة إلى أن “التنسيق الأمني” لم يتوقف خلال كل هذه الفترة، وأن ما تم وقفه بالفعل هو التنسيق المتعلق بالشق المدني.
ويتردد أن الجنرال أبو ركن، كان له دور في نزول السلطة الفلسطينية عن الشجرة، خاصة بعد أن طلبت السلطة الشهر الماضي تعهدًا إسرائيليًا بالالتزام بالاتفاقيات المتبادلة عبر كتاب رسمي موقع من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيشه بيني غانتس ووزير خارجيته غابي أشكنازي، وأنه أي أبو ركن نجح بإقناع السلطة بالتخلي عن المطلب، وأنه وبدلًا من توقيع نتنياهو فسيوقع هو على الكتاب، وأنه يمثل جهة إسرائيلية رسمية.
تدخل من غانتس
وبحسب تلك التقارير فإن وزير جيش الاحتلال بيني غانتس، كان المسؤول عن الاتصالات الأخيرة مع السلطة الفلسطينية، حيث ذكر بيان صادر عن مكتبه إنه في الأسابيع الأخيرة، كان هناك تبادل رسائل عبر مبعوثين بين غانتس والمسؤولين الفلسطينيين حول هذا الموضوع، نتيجة لذلك، تقترب إسرائيل والسلطة الفلسطينية من استئناف التنسيق.
وكشف النقاب أيضا أن غانتس بالتنسيق مع نتنياهو أصدر تعليمات لمنسق عمليات الحكومة في المناطق الفلسطينية، قبل أسبوعين تطالبه باستئناف الحوار مع الفلسطينيين، وأنه بناء على هذه الأوامر، التقى الجنرال الإسرائيلي بحسين الشيخ، بهدف وضع مخطط لاستئناف التنسيق الأمني والمدني، وأنه خلال تلك المحادثات تمت صياغة الخطوط العريضة حول مخطط تبادل الرسائل بين الطرفين والتي أفضت إلى تجديد التنسيق وعودة العلاقة، حيث يرى المسؤولون الإسرائيليون أن الخطوة الأولى بعد عودة التنسيق هي تحويل الأموال المقاصة المتراكمة والتي تصل إلى نحو مليار شيكل إلى حساب وزارة المالية الفلسطينية “الدولار الأمريكي يساوي 3.4 شيكل”.
وفي هذا السياق، كشف أيضا أن الحكومة النرويجية هي من توسط بين إسرائيل والفلسطينيين لصياغة مخطط جديد لاستئناف لتنسيق المتوقع بينهم.
وبالرغم من الإعلان عن عودة العلاقات، لم يكشف إن كان الأمر له علاقة، بترتيبات عودة مباحثات السلام المتوقفة بين الطرفين منذ أيريل من العام 2014، وموافقة إسرائيل على أن تكون تلك المفاوضات حال أجريت برعاية دولية، كما يطالب الجانب الفلسطيني، ووفق رؤية الرئيس محمود عباس، التي تجري الأمم المتحدة نقاش حولها.
ويطلب كذلك الجانب الفلسطيني بأن يتم استئناف المفاوضات في حال انطلقت من جديد، من النقطة التي توقفت عندها في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كما لم يأتي قرار عودة العلاقة على طلب السلطة الفلسطينية من إسرائيل الإعلان الرسمي عن وقف وإلغاء مخطط الضم، غير أن ما يتردد يشير إلى أن هذا البند لم يعد موجودا، خاصة وأنه لم ينفذ في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يستعد لمغادرة البيت الأبيض، وفي ظل رفض الخطة من قبل الادارة الأمريكية القادمة التي يقودها بايدن.
وكان رئيس الوزراء محمد اشتية قال خلال جلسة حوارية مع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، عبر تقنية الاتصال المرئي “المطلوب من إسرائيل الموافقة على عقد مؤتمر سلام برعاية دولية، أو استئناف المفاوضات من حيث توقفت، أو احترام الاتفاقيات الموقعة والالتزام بها”.
تواصل الرفض الفصائلي
إلى ذلك فقد تواصلت انتقادات الفصائل الفلسطينية لقرار السلطة بعودة التنسيق مع إسرائيل، وقال الناطق باسم حماس عبد اللطيف القانوع إن ما جرى يمثل “سقوط وطني جديد للسلطة”، وقال معقبا على تصريحات الشيخ بأن ما جرى يعد “انتصارا وانجازاً سياسيا”، بأنه يمثل “انحدار وطني في ظل تصاعد وتيرة الاستيطان وهدم المباني وتهويد الأراضي”، وأضاف “عودة السلطة للتنسيق الأمني والعمل بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال هو عودة إلى سراب المفاوضات وضياع ربع قرن من عمر قضيتنا الفلسطينية”.
الجدل الفلسطيني تواصل حول قرار عودة “التنسيق الأمني”.. السلطة تدافع والفصائل تهاجم
من جهتها وصفت الجبهة الشعبيّة، إعلان السلطة إعادة العلاقات مع الاحتلال كما كانت عليها، بأنه يمثل “عجز واستسلام”، معتبرة أن القرار مثل نسفا لقرارات المجلسين الوطني والمركزي بالتحلّل من الاتفاقيات الموقّعة مع إسرائيل ولنتائج اجتماع الأمناء العامين الذي عقد مؤخرا، ورأت أيضا أن قرار السلطة يفجر جهود المصالحة التي أجمعت القوى على أن أهم متطلباتها يكمن في الأساس السياسي النقيض لـ “اتفاقات أوسلو”.
ورفضت الجبهة في بيان لها تبرير السلطة، وقالت إنه “تبرير للعجز والاستلام أمام العدو، الذي لم يحترم أو يلتزم بأيٍ من الاتفاقات معه رغم كل ما حققته له من اعتراف ومكاسب استراتيجيّة”، وأضافت “تسويق السلطة لقرارها على أنه انتصار هو تضليل وبيع الوهم لشعبنا بهدف العودة لرهان المفاوضات وعلى الإدارة الأمريكيّة القادمة”، ودعت الفلسطينيين للتصدي للقرار.
أما الجبهة الديمقراطية فقد عبرت عن صدمتها من القرار، ودعت إلى وقف ما وضفته بـ”التدهور الخطير في الموقف السياسي، واحترام قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دورة انعقاده الأخيرة عام 2018 وقرارات المجالس المركزية وقرار الاجتماع القيادي الفلسطيني في التاسع عشر من أيار الماضي، ومخرجات اجتماع الأمناء العامين في الثالث من أيلول الماضي”.