رولا زين شاهدت مدينة كان في فصل الصيف حيث تكتظ شواطئها بالمصطافين ومقاهيها بالسياح، وشاهدتها في شهر ايار/مايو اثناء مهرجانها السينمائي حين تتحول الى ملتقى للسينمائيين والنجوم الذين يصعدون درجات قصر المهرجانات وتلتقط صورهم عدسات العالم. أما أن تتحول ‘كان’ الى مدينة معسكرة ومحاصرة ينتشر فيها اثنا عشر الف شرطي ورجل أمن لأن اوباما وميركل وبان كي مون والآخرين سيبيتون فيها ليلتين فأمر كان لا بدَّ لي من معاينته عن كثب.
سارعت بالقيام بالإجراءات اللازمة للحصول على البطاقة السحرية التي ستخّولني كإعلامية مثلي مثل ثلاثة آلاف وخمسمائة صحافي جاؤوا لتغطية انشطة رئيسهم أو وفدهم ضمن الدول والمنظمات الأعضاء في قمة العشرين ـ التجول فيها.
قيل لنا ان المدينة قسمت الى مناطق امنية وان سكانها ملزمون بالمكوث في مناطق اقامتهم ان لم يحملوا بطاقات خاصة تسمح لهم بالتنقل بين شوارعها أو من والى مكان عملهم.
حاولت في اليوم الاول ركوب الباص المخصص لنقلنا من اخر الكورنيش حيث كازينو ‘البالم بيتش’ الى بداية الكورنيش حيث قصر المؤتمرات او المهرجانات بسبب الامطار المنهمرة والطقس الشتوي الذي لم يسبق لي ان عهدته في المدينة.
وفي نهاية اليوم آثرت العودة مشياً على الاقدام لتفقد احوال المدينة وربما الاجتماع صدفة بأوباما او أردوغان وسؤالهما عما يحيكونه لمنطقتنا الاول كما الثاني. ذلك ان الاجتماع بساركوزي او ميركل لم يكن وارداً حتى في مخيلتي كونهما كانا منشغلين جداً ومغتاظين حتى من اليوناني الذي تجرأ على طرح اقتراح اوروبي على شعبه!
فوجئت بسكون المدينة وصمتها كل شيء كان مغلقاً حتى أبواب الأبنية ونوافذ الشرفات. لم أسمع كلباً ينبح ولم أشاهد مقهى يستقبل زبائن، حتى من الوفود المرافقة.
فجأة خطر لي العبور لمشاهدة البحر الى الضفة الثانية من الكورنيش خاصة وان صوت الأمواج المتحركة كانت الوحيدة التي وصلت الى مسمعي فاشعر بشيء من الطمأنينة.. واذ بستة رجال شرطة يعترضونني ويمنعوني من العبور بحجة ان البطاقة التي احملها تسمح لي بالتجول في المنطقة رقم اثنين وليس رقم واحد حيث الفنادق الضخمة وزوارها القادة!
رضخت طبقاً مكرهة وحولت مساري الى الشوارع الخلفية مجدداً، عسى ان أصادف الباص المخصص لنقلنا فوجدت عربة مخصصة للإمارات العربية المتحدة ويتحدث سائقها العربية ومعه شخصان. سألتهم ان كان بإمكانهم ايصالي الى بداية الكورنيش فاعتذروا خجلين وقال لي احدهم انه حاول النزول والمشي قليلاً فأجبره رجال الشرطة على ركوب السيارة والمكوث فيها الى ان يأتيه أمر بالتحرك. كرهت ‘كان’ وساحلها وسمائها وتساءلت ما جدوى حضور مثل هذه المؤتمرات التي لم يعد بإمكان الصحافي فيها الاجتماع بالوفود المشاركة او التحدث معها من يرافقهم من صانعي القرار؟. منذ الحادي عشر من ايلول/سبتمبر المشؤوم بات الصحافيون في مراكز اعلامية مجهزة بالانترنيت وشاشات التلفزيون وأجهزة البث المباشر، ويعملون من خلال الاخبار التي تكتبها الوكالات. وهم ان خطر ببالهم بإلقاء نظرة على امواج البحر ليقارنوا بين زرقته في فصل الصيف وبياضه في فصل الشتاء ينهر بهم ويبعدون.
لا غرابة فيما يجري بعد ان شاهدنا العجرفة التي لقيها رئيس حكومة اليونان من معاملة. فهو قد استدعي من طرف العامود الفقري لأوروبا اي فرنسا والمانيا ليشرح ما الذي يريده من الاستفتاء الذي كان ينوي طرحه. وفرض عليه السؤال الذي يجب طرحه وقالها الرئيس الفرنسي بصراحة ‘لن نعطيهم سنتيمترا واحدا قبل ان نعرف ما اذا كانت اليونان تريد ام لا البقاء في منطقة اليورو’ اي في الاتحاد الاوروبي.
انصاع باباندريو فوراً للأوامر وها هي حكومته تستقيل او تتآلف على اية حال لن يكون هناك استفتاء في اليونان بعد الآن!
لحسن الحظ تجرأ احد الصحافيين بسؤال ساركوزي عن رأيه في ضربة وقائية للمفاعلات النووية الايرانية التي كثر الحديث عنها منذ يومين من قبل اسرائيل فأتحفنا ساركوزي بجواب يؤكد تمسك اوروبا وبلاده بقرارات الامم المتحدة وان الطريق طويلة لمثل هذا الأمر يسبقه عادة حوار ثم عقوبات، ثم قرار من مجلس الأمن لكنه لم يغفل عن تذكيرنا بأن قيام دولة اسرائيل وأمنها هو أهم انجاز للعالم في القرن العشرين! هذا السؤال كان ختام قمة العشرين.’ اعلامية سورية مقيمة في فرنسا