محاولة استنطاق «المريضة الصامتة»

حجم الخط
3

يتعذر أن نجد تصنيفاً لرواية «المريضة الصامتة». هل هي رواية بوليسية؟ ليست فعلاً كذلك، فالشرطة وتحقيقاتها لا تظهر سوى كديكور في بداية الرواية ثم نهايتها. هل هي رواية سيكولوجية؟ قد يخدعنا الفضاء الذي تدور فيه الأحداث، في مستشفى أمراض نفسية، بطلاها طبيب وشابة يُعتقد أنها مريضة نفسية، لكن الرواية لا تسرف في اللغو النفسي وفي التحاليل، بل تتخذ من المسرح، ومن الفن التشكيلي عمودين فــــي بنيــــتها، إنها رواية وكفى، على الرغم مما يُحـــيط بها من تصنيفات تجارية، إنها مزيج من البوليسي، الســــيكولوجي، الفن والصمت أيضاً، فالروايات الحقيقية إنما هي روايات تفلت من تصنيف واحد وتتعدد، روايات لا تتكل على خيط حكاية واحد، بل خيوط تتقاطع في ما بينها، كي تخلق ذروة قصوى من الصراعات بين الشخصيات.
نُصادف في «المريضة الصامتة»، وهي باكورة البريطاني ألكس ميكايليدس (صدرت ترجمتها عن المركز الثقافي العربي ـ 2020)، شخصية أليسيا، فنانة تشكيلية شابة، تقيم بالقرب من لندن، تتهم بقتل زوجها غابريال، لكن منذ لحظة موته تدخل في صمت مزمن، لا تنطق بكلمة لا في التحقيق ولا في المحاكمة، تتوارى خلف صمتها، أو ما نظن أنه صمت، لأنها لم تتوقف حقاً عن الكلام، بل واصلت تدوين يومياتها ورسم لوحاتها. في مواجهة هذه الفنانة الصامتة، القاتلة في نظر القانون، نشرع في الرواية، والسؤال الذي يطرحه المؤلف، ليس كيف قتلت زوجها، بل لماذا قتلته؟ لا ينزع نحو حبكة بوليسية، بل يتيح للقارئ جل عناصر الجريمة من البداية، لكنها جريمة غير مكتملة، بحكم أننا لا نعرف دوافع الفاعلة، كما إننا لا نعرف كيف انقلبت من حياة صاخبة إلى صمت، عجز أطباء نفسانيون عن العثور على شفاء له.
بعد ست سنوات من الجريمة، يظهر ثيو، طبيب نفسي، يلتحق بالمستشفى الذي تقيم فيه أليسيا، وغايته واحدة: أن يجعلها تتكلم، أو بالأحرى أن يعرف منها سبب صمتها وينتزع منها ما عجزت عنه الشرطة والمحكمة، أن تكشف علة قتلها زوجها ودوافعها. إنها رواية تستلهم من فرويد، الأساطير، ومن نظريات الفن، يفتتح الكتاب أجزاءه الأولى بمقولات مقتبسة من فرويد، ويسير في نهجه الذي يفترض أن صمت المرضى أبلغ من كلامهم.

لقد جاءت الخاتمة غير متوقعة، صادمة، محفزة على أكثر من سؤال في فهم سيكولوجيا من يقبل على جريمة، وفاتحة لأسئلة عدة: هل صحيح ما يذهب إليه الكاتب أن المرضى النفسانيين يصيرون، بعد شفائهم، أفضل الأطباء النفسانيين؟

في اللقاءات الثنائية بين أليسيا وثيو، في مواجهتهما الصامتة، في جلساتهما التي تطول فيها النظرات الصامتة، تتلخص أهمية هذه الرواية، في ذلك الصمت الذي تشرحه كلمات المؤلف، في قراءة الحركات والنظرات، في إصرار بطلة الرواية على عدم الكلام، وصبر طبيبها ثيو في التقرب منها، لقاءات لم تكن دائماً بنهايات حسنة، فقد حصل مرة أن هجمت عليه المريضة، أرادت الانتقام منه، ولم ينج منها سوى بتدخل زملاء له. في ذلك المشهد حيث المريضة الصامتة ودت النيل من طبيبها، تتجلى أولى مفاتيح الرواية، بأنهما ليسا غريبين عن بعضهما بعضاً، تربطهما معرفة سابقة، من هنا يبدأ الجزء الثاني للرواية، كيف تعرفت عليه، ولماذا أرادت أن تعتدي عليه؟ هكذا يشرع ألكس ميكايليدس في تقديم مفاتيح مساعدة في فهم الجريمة التي وقعت، يفضح العلاقات بين الشخصيات بشكل هادئ وعلى مراحل، بحيث أن القارئ سوف ينسى، في منتصف الرواية، السؤال الأول: لماذا قتلت أليسيا زوجها؟ وينوب عنه سؤال آخر: ماذا تريد من ثيو؟ هذا الأخير يدخل بسلاسة في لعبتها، لا يدافع عن نفسه، بل يسمح لها بمواصلة غضبها منه، يعود إليها بعد اعتدائها عليه، ويستمران في لعبة الجلسات الصامتة، التي لا يكسرها سوى مواصلة أليسيا العمل على لوحاتها، وتدوين يومياتها، التي يكشف عنها المؤلف، من حين لآخر، قصد فهم ما حصل لها في الأيام الأخيرة التي سبقت الجريمة.
يبدو الجو داخل المستشفى النفسي، الذي تدور فيه الرواية كئيباً، فهو مهدد بالإغلاق من طرف الشركة الراعية له، كما أن الممرضين والأطباء يعيشون ضغطاً، وبعضهم غارق في الفساد، يتاجرون في الأدوية الممنوعة مع المرضى، وآخرون يصفون لمرضاهم جرعات مهدئة أكثر من المطلوب، إنه جو من الفساد الأخلاقي، الذي يدور فيه ثيو، يُضاف إليه ما يُعاينه في البيت من اضطرابات، بعدما اكتشف خيانة زوجته له، فيصير عاجزاً عن التصرف، قابعاً بين مرضين: مرض أليسيا وخيانة زوجته، فحياته تطوف على الأزمات منذ صغره، يستذكر في أكثر من موضع يوم كان مريضاً يزور طبيبة نفسية. هذا المريض النفسي السابق صار طبيباً، يظن أنه قادر على معالجة أشهر مريضة في لندن، الصامتة التي قتلت زوجها. يستحضر بين الفينة والأخرى أسطورة ألسيستيس الأغريقية، التي قدمت نفسها قرباناً نيابة عن زوجها، ماتت كي يحفظ حياته، وتحولت رمزاً للحب الزوجي، لكنها مجرد أسطورة، فزوجة ثيو لم تفعل شيئاً من أجله، بل فضلت خيانته، كما إن أليسيا أيضاً لا تشبهها بحكم أنها قتلت زوجها. يجعل المؤلف من تلك الأسطورة صورة بديلة أو متقابلة مع سير الحكاية التي يسردها.
على الرغم من أن أليسيا تستمرئ صمتها، إلى النهاية، فإنها لا تتخلص من الثرثرة ومن الكلام بيديها، بميلها إلى العنف، بردودها القاسية على مريضة أخرى، أو تهجمها مرة على ثيو، نكتشف من خلال يومياتها أن صمتها لم يكن خياراً، بل صدمة، وأنها ليست بريئة كما يمكن أن يخيل لنا، بل فعلاً جانية، لكن ليس هذا المهم، فنقطة قوة الروية أنها حافظت على تشويقها حتى الصفحات الأخيرة، حين ندرك سبب صمتها، والأهم علاقة ثيو بالموضوع كله، كيف أنه كان سبباً بما حل بالمريضة. لقد جاءت الخاتمة غير متوقعة، صادمة، محفزة على أكثر من سؤال في فهم سيكولوجيا من يقبل على جريمة، وفاتحة لأسئلة عدة: هل صحيح ما يذهب إليه الكاتب أن المرضى النفسانيين يصيرون، بعد شفائهم، أفضل الأطباء النفسانيين؟ هل كانت أليسيا ضحية إيمانها بالأسطورة الأغريقية ألسيستيس أم ضحية تهور؟ لكن بعد كل جريمة لا بد أن يجني مجتمع الاستهلاك فوائد، فقد صارت لوحات أليسيا أكثر ثمنا، وصار ثيو المتورط في الجريمة طبيبا نموذجياً، في نظر زملائه.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية