بغداد ـ «القدس العربي»: سلّط تقرير صحافي، أمس الخميس، الضوء على العنف الأسري الذي تشهده العائلة العراقية، وصورة العنف التي جسدتها العديد من القصص في المجتمع، فيما يخوض مشروع قانون «العنف الأسري» مخاضاً عسيراً في أروقة مجلس النواب، بانتظار تشريعه.
وقال التقرير الذي نشره موقع «الحرة» الأمريكي، إن «حالات العنف الأسري، ازدادت بشكل كبير في العراق، خاصة بعد انتشار جائحة كورونا والتزام الكثيرين بالبقاء في المنازل».
وقبل عام، ذهبت غيداء (اسم مستعار) إلى منزل إحدى صديقاتها وهي تمشي بصعوبة، وبمجرد أن فتحت لها صديقتها باب المنزل، انهارت على العتبة وهي تشكي من آلام مبرحة في كل جسدها، نتيجة ضرب تعرضت له على يد والدها وزوجته بسبب خلاف عائلي.
وقالت غيداء، إن الفحص الطبي أثبت إصابتها برضوض شديدة في منطقة الساعد والظهر والقفص الصدري والفخذين نتيجة «ضرب شديد» واضطرت إلى البقاء في المستشفى ليلة كاملة حتى استقرت حالتها وعادت إلى منزل صديقتها على كرسي متحرك.
ليست المرة لأولى
غيداء، التي تبلغ من العمر 24 عاما، كانت في المرحلة الأخيرة من كلية علوم الحاسبات في بغداد، لكنها الآن تعمل في إحدى الكازينوهات في واحدة من المحافظات العراقية.
«تركت الدراسة وهربت من منزل أهلي، لم تكن هذه أول مرة أتعرض فيها للتعنيف» تقول غيداء، وتضيف: «رغم التقرير الطبي، أرادت الشرطة إعادتي إلى والدي للمصالحة، وهذه هي المرة الثانية التي تقوم الشرطة بهذا العمل».
وتلجأ الشرطة العراقية عادة إلى أخذ تعهدات على المتسبب بالضرر في حالة كان والدا أو والدة المجني عليه أو الزوج، وتكتفي بإجراء «مصالحة» بين الطرفين، وفي حال كان الطرف المتسبب الأب، فإنها تلزم الأطفال بالعودة إلى المنزل.
«لم أتقدم بالشكوى أول مرة» تقول غيداء: «خرجت من المنزل في الساعة الثانية فجرا بعد أن تعرضت للضرب من زوجة أبي، وهددتني بإلقاء الماء الحار علي، ووجدتني الشرطة وأعادتني إلى والدي الذي ضربني بمجرد خروجهم مع أنه تعهد لهم بحمايتي».
تحرش واكتئاب
خلال رحلة هروبها من المنزل، قالت غيداء إنها تعرضت للتحرش أكثر من مرة، وحاول الكثيرون استغلالها مما جعلها تمر بحالة اكتئاب عميق وحاولت الانتحار قبل أن تجد عملا في محافظة مختلفة كعاملة في مقهى.
ولا يمتلك العراق ـ حتى الآن ـ قانونا للعنف الأسري، ويعتمد على مواد قانونية تسمح للزوج والأب بـ«تأديب» الأبناء أو الزوجة ضربا «مادام لم يتجاوز حدود الشرع».
حزب إسلامي يعتبره «تدميرا للبنية القيمية والأخلاقية للمجتمع»
وتقول المادة 41 من قانون العقوبات العراقي إن «لا جريمة إذا وقع الفعل (الضرب) استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالاً للحق، تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الاولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً او قانوناً او عرفاً».
وتقول أستاذة القانون في جامعة المأمون العراقية، خنساء الشمري إن هذه المادة تتسبب بقيام الشرطة باعتماد أسلوب المصالحة بين الطرفين لإنهاء النزاعات الأسرية.
لا ضمانات
وتعني المصالحة بشكل عملي، حسب المحامي سمير نصيف: «إعادة الأطفال إلى وسط عنيف ومضطرب بدون ضمانات حقيقية بعدم تكرار حالة العنف».
لكن الحد الشرعي «للضرب المسموح» هو ثلاث ضربات لا تؤدي إلى ازرقاق الجلد أو اخضراره، حسب رجل الدين العراقي الشيخ محمود الطائي.
ورأي الطائي هذا هو الرأي الشائع بين رجال الدين، ولكنه ليس ملزما إذ لا يحتوي الدين الإسلامي، حسب الطائي، على نص صريح بمقدار «التأديب» المفترض أو نوعه.
ويقول الطائي إن الشرع خول حق التأديب للوالد والزوج بشرط ألا يؤدي الضرب إلى عاهة مستديمة أو إلى موت.
ويحاول البرلمان العراقي منذ سنوات تشريع قانون يحد من العنف الأسري، لكن نسخة القانون الموجودة في البرلمان تتعرض إلى هجوم من قبل المحافظين والليبراليين العراقيين على حد سواء.
«حق التربية»
ويقول عمار طعمة، النائب عن حزب «الفضيلة الإسلامي» في بيان مطول إن قانون العنف الأسري سيؤدي إلى «سلب حق تربية وتأديب الوالدين لأولادهم، ويؤدي إلى أضعاف العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة ويعمق الخلاف» مضيفا أن القانون هو «وسيلة ضغط على الوالدين لكي لا يمارسوا حقهم في تربية اولادهم وتصحيح سلوكهم».
ويمضي طعمة في مهاجمة القانون بالقول إن قانون العنف الأسري «يجعل من الأخلاق الإسلامية والوطنية التي تربّى عليها العراقيون مثل بر الوالدين واحترام منزلتهم مخالفة وجريمة، ويجعل العلاقات غير الأخلاقية بين الشباب والشابات تصرفًا مباحًا ويحاسب الوالدين إذا منعا أولادهم من إقامتها» ويعد أن القانون يمثل «إحدى أدوات الحرب الناعمة لتدمير البنية القيمية والأخلاقية للمجتمع العراقي».
«حماية الأسرة»
لكن الخبيرة القانونية خنساء الشمري تقول إن قانون العنف الأسري يمثل حماية للأسرة لأنه «يمنح خيارات للصلح والتراضي كما إنه يضمن حصول الطرف المعتدي على التقويم النفسي» لعدم تكرار الاعتداء.
ويبين، الناشط الحقوقي رباح السلمان إن «القانون يمثل تطورا كبيرا في الفكر الاجتماعي العراقي» لأنه «التفت إلى كون الصلح يجري بين أطفال قصر لا يمتلكون إمكانية تمثيل أنفسهم قانونيا وأهلهم المعتدين عليهم».
ويمنح مشروع القانون المحكمة حق تمثيل الأطفال ورعاية مصالحهم، كما يلزم الشهود على الاعتداء الجسدي بإخبار الجهات المختصة تحت طائلة العقوبة، ويتوسع بتعريف العنف الأسري إلى التعنيف اللفظي وليس الجسدي فقط، كما يمنح مدراء دور الرعاية صلاحية استضافة المعنفين لثلاثة أيام قبل صدور أمر قضائي باستضافتهم لضمان عدم بقائهم بدون مأوى في فترة التقاضي.
رعاية المعنّفين
لكن حسب السلمان فإن «القانون ما يزال غير كاف، وهو يحتاج إلى تأسيس مؤسسات كاملة لرعاية المعنفين ومنع تكرار التعنيف، ومؤسسات الدولة الحالية لا تمتلك الثقافة الكاملة للتعامل مع ضحايا العنف، وقد يعتبرون عاقين لأهاليهم».
وازدادت حالات العنف الأسري بشكل كبير في العراق، خاصة بعد انتشار جائحة كورونا والتزام الكثيرين بالبقاء في المنازل.
وقبل نحو شهر، قامت أم بإلقاء طفليها في نهر دجلة ليلقيا حتفهما غرقا، وقالت مصادر أمنية عراقية إن الأم قامت بهذا لـ«تنتقم من الزوج».
ويزداد تسجيل حالات العنف المنزل المبلغ عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، ويكون ضحيتها عادة أطفال صغار في العمر.
قلق أممي
وأعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسيف، منتصف الشهر الماضي، عن «حزنها البالغ وقلقها الشديد بشأن التقارير الحالية المتواصلة حول العنف ضد الأطفال في العراق» مضيفة أن «العنف بدأ يتصاعد بشكل ملحوظ، ضد الأطفال، منذ بداية انتشار كورونا».
ويدافع النواب «الديمقراطيون» عن قانون «العنف الأسري» ويطالبون بضرورة الإسراع في تشريعه.
عضو لجنة المرأة، النائبة عن حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» ريزان شيخ دلير، أفادت بعدم وصول مسودة مشروع قانون العنف الاسري إلى لجنتهم.
وتضيف في تصريح لإعلام حزبها، إن «قانون العنف الأسري لدى رئاسة مجلس النواب ولم يصل إلى لجنة المرأة» مشيرة إلى أن «النائب الأول لرئيس المجلس حسن الكعبي عقد جلسة نقاشية لمشروع القانون بدون أن يتواصل مع اللجان المختصة».
وبيّنت أن «لجنة المرأة شاركت في الجلسة كمشاركين وليس عضو اساسي داخل الجلسة الحوارية» موضحة أنهم في اللجنة «قاموا عدة مرات بمطالبة رئاسة المجلس بإرسال مشروع القانون إلى اللجنة».
وزادت: «نائب رئيس مجلس النواب حسن الكعبي أكد عدم موافقة الكتل السياسية على مسودة مشروع القانون، ولابد من العمل للحصول على موافقة هذه الكتل والاحزاب السياسية لتتمكن رئاسة المجلس من تسليم مسودة المشروع الى اللجان المختصة».
وجددت النائبة ريزان شيخ دلير، مطالبة رئاسة المجلس بـ«إرسال مشروع القانون إلى لجنة المرأة النيابية للعمل على تشريعه».