من ملامح تأثير الحضارة الإسلامية على الغرب… كلمات عربية في صياغتها الألمانية

إدريس الجاي
حجم الخط
0

الدار البيضاء ـ «القدس العربي»: «مَن يعرف نفسه والآخرين سوف يتعرف هنا أيضا على أن الشرق والغرب لا يمكن الفصل بينهما»

تفتح هذه الأبيات للشاعر غوته، كوة نطل من خلالها على تلك العلاقة الجدلية التي تجمع بين الشرق والغرب، علاقة ذات هوية مطلسمة يساعد تاريخ اللغة في فك بعض جوانب رموزها وثناياها. فهذه العلاقة القديمة بين الشرق والغرب تبرز نفسها من خلال الكلمات والمصطلحات العربية، المتغلغلة داخل هذه اللغات الأوروبية وذلك منذ قرون عديدة، كلمات ما زالت تعيش في عمق هذه اللغات حتى يومنا الحاضر، كمكون علمي وتعبير يومي في تركيبات هذه اللغات الغربية الحية، ونخص هنا بالذكر لغة وبيئة الشاعر غوته نفسه، الألمانية، فللعربية حضور بين الكلمات الألمانية المستعملة اليوم مثل: Admiral, Koffer, Tasse, Zucker, Karaffe, Limonade، وغيرها الكثير.

لماذا هم متقدمون ونحن لا؟

إن لهذه العلاقة اللغوية بين أوروبا والثقافة العربية رحلة بدأت مع التجار القادمين من الشرق إلى أوروبا، أو الوافدين عليه منها. رحلة عرفت عددا من المحطات على مدى خريطة القرون الوسطى. غير أن لهذه العلاقة خصوصية متميزة مع الثقافة الجرمانية، وتمتد إلى القرن التاسع الميلادي، إلى فترة الملك كارل الأكبر ويعرف اأضا بشرلمان (742 ـ 814) الذي يعد الأب الأول للاتحاد الأوروبي والخليفة العباسي هارون الرشيد. إنها علاقة ذات وجوه علمية وسياسية. ففي الوقت الذي كانت فيه بغداد عاصمة الدنيا العلمية والثقافية، ومدارسها ومعاهدها تعج بأشهرعلماء وأطباء وفلاسفة العالم آنذاك، ورفوف مكتباتها تزخر تحت ثقل مئات الآلاف من المخطوطات، في شتى المجالات العلمية والأدبية، كان كارل الأكبر حاكم بلاد الإفرنجة، أميا لا يعرف الكتابة ولا القراءة، مثله مثل بقية سكان القارة الأوروبية بأكملها. مع ذلك كان حاكما ذكيا وله اهتمام بحركة التطور والتقدم العلمي، الذي كان يجري شرقا من مملكته بزعامة بغداد العباسية، وجنوبا بصدارة قرطبة الأموية. فبعد عودة مستشاريه، الذين سبق وبعثهم كجواسيس في صفة تجار إلى كل من الشرق والغرب الإسلامي، وقدموا له تقاريرعن ما وصل إليه المسلمون من تقدم ورقي، في كل المجالات، طرح كارل عليهم سؤالا سوف يكون مفتاحا في تغيير تاريخ أوروبا لاحقا: «لماذا هم متقدمون ونحن لا؟» فكان جواب مستشاريه، أحدهما كان يهوديا اسمه إسحاق، والآخر مسيحيا اسمه زيكسموند: «بكل بساطة، إنهم يكتبون ويقرؤون ونحن لا نكتب ولا نقرأ». لقد أنار هذا الجواب لكارل الأكبر الطريق أمامه، للقيام بطفرة البدء بتعليم نفسه أولا، ثم أسرته ثانيا، ثم الاعيان، فالشعب القراءة والكتابة. ولأجل ذلك يحتاج إلى مدرسين لتعليم لغة التقدم والعلوم العربية، فبعث وفدا إلى بغداد محملا بالهدايا، كجلود الحيوانات وكلاب الصيد الألمانية الشهيرة، ومعادن ثمينة وغيرها، وكان من ضمن أعضاء الوفد، المستشاران السابقا الذكر، لطلب مساعدة الخليفة العباسي، في عملية التعليم هذه، وأيضا لتسهيل عملية حج المؤمنين المسيحيين إلى الأرض المقدسة فلسطين. لأن كارل الأكبر لم يكن بإمكانه أن يصبح امبراطورا ــ اللقب الذي لقب به لاحقا ــ إلا إذا تمت له السيادة الرمزية على القدس. بالمقابل رأى هارون الرشيد في طلب كارل فرصة للتعرف أولا على بلاد الإفرنجة، ثم ربط تحالف عسكري مع هذا الملك القوي، مقابل القضاء على أعدائه اللدودين الأمويين في الأندلس.
لقد تم الاتفاق وعلى إثره بعث الخليفة العباسي هو الآخر وفدا من العلماء، ومعهم هدايا، من بينها فيلا أبيض اسمه أبو العباس، وساعة مائية إلى بلاط كارل في مدينة أخن. فبمجرد أن بدأت الساعة تعمل ويسقط من منقار أحد طيورها الاثني عشر كرة نحاسية في كل ساعة، حتى فرّ سكان البلاط لاعتقادهم أنها جني.

الكتابة العربية

لقد بدا تأثير هذه البعثة واضحا على كارل الأكبر، حيث أعطى تعليماته بتحويل الكتابة من الخطوط الكبيرة على الطريقة الرومانية، إلى الخطوط الصغيرة الملتصقة على طريقة الكتابة العربية، وبذلك تم اقتصاد أدوات الكتابة من جلود وألواح خشبية وعظام الحيوانات، لأن الورق لم تعرفه ألمانيا إلا سنة 1390. بينما كان المسلمون يعرفون الورق في القرن الثامن الميلادي، نقلا عن الصينيين.
وحسب الباحث اللغوي نبيل عثمان، في كتابه «معجم صغير، كلمات ألمانية من مصدر عربي».. «اعتمد الحكام في جنوب أوروبا، اللغة العربية ابتداء من القرن 9 إلى القرن 13 الميلادي كلغة إدارة، كما تبنى بعضهم العقلية الإسلامية في أسلوب حياتهم، أو نشأوا في مناخاتها، مثل الملك فريدريش الثاني وابنه مانفريد». ومن بين ما يعزز هذا المنحى هو ما يلاقيه الإنسان في متحف أخن (غرب ألمانيا كانت عاصمة كارل الأكبر) نماذج لجيش كارل الأكبر في بدلاتهم العسكرية العربية.

الوجود العربي في إسبانيا

من ناحية أخرى ساهم التبادل التجاري بين الشرق والغرب والاحتكاك الثقافي العربي ـ الإسلامي، والغرب المسيحي المتواصل على مدى التاريخ في انتشار الكلمات العربية في الأوساط الغربية، حتى أصبحت تشكل قاعدة أساسية لدراسة العلوم، وتعبيرا حضاريا في استعمالات الحياة اليومية، خاصة عند النخبة.
فالوجود العربي الإسلامي في إسبانيا ابتدأ من عام 714، وقد لعب دورا كبيرا في توسيع مساحة التعبير العربي في البلاد الأوروبية، حيث كانت كل إسبانيا تعتبر جزءا من الدولة الأموية في دمشق. ففي خلافة عبد الرحمن الثالث (912 ـ 961) وصلت الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس ذروتها، ونظرا لقرب المعاهد الأندلسية من الدول الغربية التي أقام فيها عدد من كبار مفكري العالم الإسلامي لفترات بين القصيرة والطويلة، كعلماء زائرين أو تجار، كان الطلبة يفدون على هذه المعاهد من كل أنحاء أوروبا، وهم في الغالب من أبناء الأعيان، بل حتى رجال الدين، وبعد تخرجهم يعودون إلى أوطانهم الأصلية، وهم يحملون معهم علاوة على المصطلح العربي، الكثير من أنماط مظاهر الحياة الشرقية.
إلى جانب الأندلس لعب بلد آخر دورا مهما في انتشار الثقافة وانتشار المصطلح العربي في اللغات الأوروبية، هو جزيرة العبور صقلية.
يقول المستشرق والمتخصص في العلوم الإسلامية اوتو سبيس، في كتابه «تأثيرات الثقافة الشرقية في الغرب»: «لم يتم تبني نمط بلاط الدولة العربية واحتفالاتها الرسمية فقط، بل أيضا العادات والتقاليد والفنون والعلوم. فقد بقيت العربية لغة الدولة، والدبلوماسيون كانوا إلى حد كبير مكونين عربيا، العملات كانت تضرب وفقا للنموذج العربي، ذلك أن الحكام النورمانديين (مجموعة من القبائل شمال فرنسا) كانت لهم تقريبا عقلية إسلامية. في هذه الأجواء ترعرع فريدريش الثاني، وابنه مانفريد، حيث مارسا اللغة العربية، العلوم العربية، درسا الفلسفة العربية، وجعلا الأعمال العربية تترجم إلى اللاتينية… هكذا فليس من الغريب أن الروح والفكر الإسلامي عبر هذا الطريق انتقل إلى أوروبا».
لقد نقل الغربيون اكتشافات علماء المسلمين في المجالات العلمية المختلفة، من طب وفلسفة وصيدلة وعقاقير وفلك وغيرها الكثير، التي لا تزال تحمل اسماءها العربية إلى الوقت الحاضر. كما عملا في نهاية القرن 11 على الاستفادة من المجلدات الضخمة، التي صنفت من طرف العلماء العرب والمسلمين، حول الممارسات الطبية فقد نقلا إلى إيطاليا عددا منها، كأسس علمية ومعرفية، وقاعدة انطلاق لإنشاء اهم الكليات الطبية الأوروبية آنذاك في ساليرنو وباليرمو .

كما أن هناك كلمات أخرى ظلت محتفظة بأصولها العربية، رغم مراحل تدرجها وانتقالها من لغة إلى أخرى حتى استقرت في اللغة الألمانية مثل:
Tambur, Baschir, Gazelle Giraffe, (زرافة، طنبور، طباشير، غزالة).

العلوم العربية

لم يعرف السبق المعرفي العربي الإسلامي في مجالات الطب والنباتات الطريق إلى اوروبا وحده، بل البحوث الكيميائية للقرن 9 و10. ويكفي أن نذكر علم الرياضيات (الجبر) Algebra، الذي ما زال يحمل اسمه العربي حتى اليوم، والذي أثبت فاعلية ممارسته محمد ابن موسى الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي، فقد كانت نظريته هذه تيسير العمليات الحسابية للتجار والمنفذين، أو الجباة آنذلك. وعن طريق قناة التجارة انتقلت طريقة الخوارزمي الرياضية إلى أوروبا، حيث اعتمدت ولقرون عديدة كطريقة لا يمكن الاستغناء عنها، وبذلك حلت الأرقام العربية مكان النظام الرقمي، الذي أخذه العرب عن الهنود، أو الأرقام وطريقة الحساب الرومانية المعقدة التي بقيت مستعملة حتى القرن 12 و13، ومن هذا العمل ومصطلحاته نذكر الكلمات العربية المستعملة في علم الرياضيات الغربية مثل: Algebra, Algorithmus, Chiffre, Ziffer. وغيرها. كما أن لمنهاج العد والحساب العربي، تأثيرا واضحا على العد الألماني، الذي يقوم من اليمين إلى اليسار، الآحاد ثم العشرات Ein und Zwanzig مثل العد العربي، خلاف المعتمد في اللغات الأوروبية الأخرى من اليسار إلى اليمين.
وفي القرن 11 ذهب العلماء المسلمون إلى القول بكروية شكل الأرض. فجهود العلماء الأوروبيين التي جاءت لاحقا ـ كما يذكر نبيل عثمان ـ مثل نيكولاوس كوبرنيكوس أو يوحنا كبلار، أو جالينيوس، لم يكن من الممكن تصورها إلا من خلال التمهيدات السابقة لجهود علماء الفلك في العالم الإسلامي. ودليل ذلك هو بقاء العديد من الأسماء للنجوم في اللغة الألمانية تحمل أسماءها العربية مثل :
Achermar,Adelbaran, Algenib, Algol, algorab, Alphard, Azimut, Beteieuze, Dubb, Etanin, foumalhaut, nadir وغيرها.

الفنون

ولا نريد أن نغفل التأثير العربي الإسلامي في مجالات الفنون، من الموسيقى والآلات الموسيقية، كذلك الأدب والقصص والحكايات وفنون العمارة وأسلوب المعيشة، الذي تزخر به المراجع الغربية، نقلا عن الحياة الشرقية، وإنما سنكتفي بذكر بعض الأسماء، التي ما زالت شاهدة حتى اليوم، كجزء من اللغة الألمانية على تأثير اللغة العربية في هذه اللغة، ليس في العلوم وحدها، بل في الحياة اليومية، نذكر منها .. أمير البحرAdmiral ، المسخ Maske، الغطاس Albatros الليمون Limonadeالسبانخ Spinat الصفر Chiffre تعريفTarif .

كلمات حيّة

كما أن هناك كلمات أخرى ظلت محتفظة بأصولها العربية، رغم مراحل تدرجها وانتقالها من لغة إلى أخرى حتى استقرت في اللغة الألمانية مثل:
Tambur, Baschir, Gazelle Giraffe, (زرافة، طنبور، طباشير، غزالة).
فهناك أكثر من 500 كلمة ألمانية من أصل عربي، منها ما هو متداول في الحياة اليومية مثل Zucker السكر،Tasse الطست/فنجان Koffer القفة،Kippe القبة، وأخرى غير متداولة مثل الشاه Schach (ملك لعبة الشطرنج) وفي العلوم مثل: Algebra الجبر، Chemie الكيمياء،Alkohol الكحول.
هذه الكلمات في أصلها العربي لا تتحدث عن قصة العلاقة اللغوية العربية والأوروبية وحسب، لكنها تمثل شواهد حية على المجهود العلمي والثقافي والفني، الذي ساهمت به الحضارة العربية الإسلامية كحلقة وسيطة مهمة في تاريخ التطور والتقدم البشري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية