في الآونة الأخيرة كان الشك قد بدأ يخامرنا ويستولي الملل على بعضنا بما يخص الفعل الثوري والتفاعل الجماهيري من التسلط ‘الاستاتيكي’ و هيمنة سلطة الجمود على مختلف ساحات التغيير والحرية في اليمن وهذا بالواقع أحدث تأثيراً حساساً على مستوى عدم التسريع والقفز بمشروع الثورة الشبابية الشعبية السلمية التي انطلقت في يناير من العام الجاري 2011 إلى الهدف الثوري المدني الشامل، فمن الواضح أن طول الفترة في الساحات وعوامل أخرى وغيرها أكدت لدى البعض أن الحالة الصحية للثورة لا تبدو على خير وهو ما أفقد الثورة جزءاً من بريقها، لكن الذي حصل صبيحة العيد أذهل الجميع بلا استثناء، ظاهرة صلاة العيد في ساحات التغيير وميادين الحرية خلقت صورة أكثر من رائعة للفعل الثوري في اليمن، حيث أثبت ملايين اليمنيين أن لغة الثورة مفهومة ومخرجاتها حاضرة والنصر هو المطل برأسه اليوم في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي تحديداً كاستجابة جماعية وتداعٍ منطقي من هذا المشروع الشبابي الحضاري الناطق. شارع الستين بصنعاء هو الأخر شهد زخماً جماهيرياً مذهلاً في هذا اليوم العيد والذي توافد إليه لأداء الصلاة أكثر من مليون رغم عملية النزوح الكبيرة من العاصمة في الآونة الأخيرة لسكان مناطق ومحافظات اليمن نتيجة إجازة العيد وغيرها خشية اندلاع حرب وانفجار الوضع الأمني في العاصمة – كما تهيئ له وتبشر به مليشيات صالح ونجله – ومن أخرى صعوبة الوصول للستين من بعض أحياء أطراف العاصمة لانعدام وسائل المواصلات أو انتشار مليشيات نجل صالح في ثمة مداخل تحسباً لتحرك الجماهير الغاضبة بعد الصلاة صوب أماكن حساسة وهو ما منع الحضور كله أضف إلى ذلك الحالة المادية الصعبة للمواطن اليمني. الرسالة الخلاقة التي قدمها شارع الستين ومثله ساحة الحرية بتعز والحديدة وعدن وإب والبيضاء بل أكثر من تسع عشرة محافظة يمنية بساحاتها الثائرة ستعطي ‘feed back’ أو صدىً إيجابياً لقوة الحدث وارتباطه العادل بالحاضن الاجتماعي السياسي والنخبوي واخترقه للمزاج اليمني العام بل وعاملاً تأثيرياً فعالاً على أغلب ‘silent generation’ أو الجيل الاجتماعي المتابع للمشهد ببرود قاتل و صمت غريب وحيادية غير متوازنة في الداخل اليمني أو خارجه.
إن الحشد الجماهيري العيدي النموذجي الثائر في اليمن أحدث عصفاً ذهنياً ورغبة للتغيير واستجابة للحقيقة واسترجاع للواقع العربي الثائر و تحديداً الناتج الثوري الليبي، فالحقيقة أن الــ ‘reaction ‘ أو ردة فعل الحاصل الثوري في الساحات وخارجها منذ انطلاق الثورة الشبابية منتصف يناير 2001 في مدينة تعز تلتها بقية مدن اليمن هو من أفرز هذه النتيجة المشرَّفـة التي نحن بصددها رغم ما أحاط بمشروعها من ظروف أكثر قسوة وما لحق بشبابها ومناصريها من تقتيل وتنكيل على يد ‘مليشيا الموت’ الهمجية التابعة لبقايا صالح وأجهزته الفاشستية.
من جهته استطاع الشعب اليمني الحر أن يقدم دلائل وفائه ونموذج استعصائه ويحرر تقرير إخلاصه لهذه الثورة بالاحتشاد الأبرز مهابة في تاريخها السلمي الخالد.
الشاهد الحي والناقل الأمين وما لاحظه العالم في اليمن بهذه المناسبة يؤكد بأن الحق أبلج وأن الباطل لجلـج وأن قضية كل اليمنيين المصيرية ومشروعهم الحضاري المعمد بالدم وثورتهم المقدسة وصلت بهم وجهدهم وتضحياتهم وصبرهم وثباتهم إلى مستوى نجاحها العظيم وبالتالي هي أوصلتهم إلى مقامهم السامي وهدفهم النبيل الذي طالما ناضلوا من أجله منذ الانتخابات الرئاسية في ابريل 2006 تحديداً كمرحلة ليست الأولى من مراحل التغيير في هذا البلد الذي تضاعفت عليه الهموم والأزمات في ظل نظام صالح لأكثر من ثلاثة عقود تلتها هذه الانتفاضة الشبابية الشعبية الخالدة في منتصف يناير من العام الجاري والتي أثبتت اليوم أنها أتت أكلها وأنتجت أثرها وقدمت رسالتها في موسم الضباب والغياب والذخيرة.
منصور الأصبحي – صنعاء