سلالة الحقد.. سلالة الحب..!

حجم الخط
0

سلالة الحقد.. سلالة الحب..!

(رسالة الابن الي أبيه)سليم مطرسلالة الحقد.. سلالة الحب..!أبي العزيز،تحية ذكري وشوق، رغم موتك منذ اعوام طويلة، اعرف انك قادر علي سماعي وقراءة رسالتي هذه. اتتذكرني.. انا ولدك الطيب المشاكس. اود فقط يا ابي ان ابشرك، بأني بدأت اسامحك. ها انا في اعوام النضوج، بدأت ادرك سر قسوتك معي. كل ما كنت تكيله لي من عذابات، كانت في الحقيقة بعضا مما تلقيته انت من عذابات الاهل والزمان. كنت فيما مضي، عندما انظر لآثار ركلاتك وصفعاتك وحروقك وشتائمك ومذلاتك، في نفسي وبدني، كنت ابكي يا ابي، ابكي حزنا علي نفسي. الآن انا ايضا ابكي، لكن ليس من اجلي انا بل من اجلك انت، لأني عرفت انك عندما كنت تعذبني كنت بالحقيقة تعذب نفسك التي لم تعرف غير الحقد والاذلال. اعرف انك كنت تحبني، وكنت تبكي الما بعد كل حفلة عذاب واذلال تعرضني لها. اعرف يا ابي اني كنت احب ابنائك لك، ولهذا كنت اكثرهم تعرضا لعذابك. لقد اخبرني اهلي، انك في آخر لحظات احتضارك علي فراش الموت، كنت تردد اسمي شوقا واسفا لان مجاهل المنفي قد سرقتني منك، ولم يتح لك الموت ان تعتذر مني وتشرح لي سر عذاباتك.الآن ادرك يا ابي، ان تعذيبك لي نابع من عذابك انت. نحن سلالة حقد يا ابي، اليس كذلك؟ اتذكر، رغم طفولتي، كنت ادرك انك كنت تنزف سيولا من العتاب المر لابيك الذي كان مثلما انت معي، لم يرحمك، وهو بدوره لم يتلق رحمة من ابيه. كنت، بعد ان يهدأ غضبك، تناديني، تعتذر لي، وتغسلني وتداوي ندباتي وتقدم لي الطعام، ثم تنشج بغناء جنوبي حزين يجعل الدموع تترقرق في عينيك.نعم يا ابي، كنت بحقدي عليك، مخلصا لك، بحقدك انت علي ابيك، الذي كان هو ايضا مخلصا بحقده علي ابيه. نحن كما تري يا ابي، سلالة وفية لحقد وعذاب واذلال..عرفت يا ابي، ان جدي الخامس، في القرن الثامن عشر، هو اول من اسس سلالتنا اللعينة: كان شابا متمردا يعيش في البصرة، وقد قتل أباه خطأ، في لحظة غضب، بعد ان رفض ان يساعده علي الزواج بحبيبته التي تزوجت غيره. اصيب بلوثة من الغضب علي الحياة ومشاعر اثم ضد الذات وضد كل ما هو عزيز. هرب الي اهوار العمارة، وهناك دخل في خدمة الشيوخ وعاونهم في اضطهاد الفلاحين، حتي اصبح (ملا) و(تاجر حبوب) وتزوج العديد من النساء، وخلف عشيرة من الابناء والاحفاد.. لكن حقده علي ذاته، كان يجعله يحقد علي ابنائه، وخصوصا علي اقرب ابنائه له. هكذا تكونت سلالتنا..هذه هي سنة الحياة، احفاد يتوارثون الحقد عن اسلاف عاشو الحقد.. كما هناك علي الارض، ثمة احفاد يتوارثون الحب عن اسلاف عاشوا الحب..امضيت السنوات وكان اشد ما كان يرعبني يا ابي ان اكون شبيهك، وريثك في الحقد علي الذات والحياة. انت هجرت اهوار الجنوب وعشت في بغداد، وكان حقدك علي ابيك هو محركك في الحياة. اصبحت عسكريا وامضيت عمرك متنقلا من حرب الي حرب. وعندما هدك العمر، فتحت حانوتا بائسا ورحت تمارس حربك علي ابنائك، وقد اختارتني الظروف ان اكون خصمك الاول وصار بدني وروحي محط حقدك واذلالك.اما انا يا ابي، فمثلك، هجرت مستنقعات الوطن، متاهات بغداد ومأوي حبي الابدي، ورحلت الي اوروبا. وامضيت العمر وانا اكافح كي لا اكون مثلك. لكن ذلك الحقد الذي ورثته عنك، كان هنا في كياني، مشتعلا في كل خلية من روحي وبدني، وفي كل ذرة من وجودي.. حقد دام مجنون منفلت بلا حدود، مستحوذ علي مثل عفريت عملاق يخنقني بكفيه بلا رحمة.. نيران الحقد المكبوت هذه، كانت تحرق بي انا، كانت تعذبني.. آه يا ابي، لو تعرف،هنا في اوروبا، بعيدا عن اهوار عذابك وبغداد خيبتك، كم جاهدت واستنزفت وذرفت الدموع لكي اترك حقدي في داخلي. كانت اخبار الوطن، كوارث الحروب واحتضارات الحصار، نفطا يصب علي نيران حقدي. كنت اصرخ واصرخ واصرخ متمرغا في الارض لكي امنعه من ان ينفجر ضد اعزائي. كان الليل عندما يحل، تحل معه اشباح ماضي وذكريات آلامي معك، فكنت اخاف من نفسي علي نفسي، ومن دون تفكير، كنت اهرب، اهجر الاهل والاصحاب، اثمل واتسكع وحيدا حزينا في الحانات، وعندما احس بالحقد يتصاعد الي حدوده القصوي، كنت ارقص وارقص. لقد خضت جميع حروب اسلافي، قاتلت غزاة تاريخي، خنقت بيدي هذه اعظم الطغاة والجبابرة، نزفت تحت انظاري حشود لا تحصي من الضحايا، وعلي صدري الحزين ذرفت دموعها حشود من العشيقات والاحبة.. كل هذا كنت اعيشه في باحات الرقص، وحيدا مع حقدي، بعيدا عن اصدقائي واحبتي، لكي اجنبهم حرقة نيراني. ہہہولكن يا ابي، بعد تجارب العمر هذه، اود ان أخبرك بألم وخجل، اني قررت ان اخونك، اخون سلالتي، سلالة الحقد تلك..قررت ان اتمرد عليكم.. ان اخلق سلالتي الجديدة، انا وحدي بعيدا عن حقد الاسلاف وعذاباتهم واذلالهم. قررت ان اخلق حب مستقبلي من حقد ماضيَّ.. ان انبت شجرة حبي لاحفادي، في ارض حقد اسلافي..نعم يا ابي، اقسم لك بحقدي الاصيل ضدك، بأني منذ الآن فصاعدا سوف اخلق سلالتي حبي الازلية. اعلم يا ابي، ان هذا القرار لم يأتني هكذا فجأة، بل توصلت اليه بعد معاناة وحشية كادت ان تودي بحياتي. هنا في منفاي في اوروبا، قد امضيت اعوام التسعينات جميعها، في متاهات من الجنون المكتوم. حتي بلغت العذابات ذروتها حين بدأ ذلك المرض الخطير يجتاح كياني ويتركز في حنجرتي. كم هي مسكينة حنجرتي، كم تحملت من حرقة صرخاتي، حشرجة غضبي، حمحمة حسراتي، عذابات انفصامي بين نفسي المتمردة وعقلي المؤدب. بقيت سنوات وانا اواري بحة حنجرتي واعلل الامر بأنه علة عابرة.. حتي أتي اليوم الذي اضطررت فيه إلي مواجهة تلك الحقيقة المرعبة: (سرطان الحنجرة)!!حينها فقط، ادركت الحقيقة التي امضيت السنين الطوال وانا اهرب منها:ـ اما ان اواجه حقدي واتقبله وادجنه مثل حيوان متوحش.. اما ان اتركه هكذا يجول ويصول في دواخلي حيث تمكن من القبض بمخالبه علي حنجرتي بهيئة سرطان لا يرحم.. وهذا يعني لا محالة موتي المحتم..لم يكن امامي غير ان استعين بتلك الطاقة الجبارة التي كنت استصغرها بسبب اختباصي بحقدي: (طاقة الحب..).. كما نستعين بالمياه لاطفاء النيران، قررت ان استعين بالحب لإطفاء الحقد. وإن نجحت ان اطفيء نيران الحقد يقينا حينها ستنطفئ معها نيران السرطان المتأججة في كل بدني والمتمركزة في حنجرتي.عرفت ان مشكلتي، اني كنت افكر فقط بمحبتي للآخرين.. اما انا نفسي ذاتي، فكنت اتركها ضحية لحقدي.. كنت اعتقد ان توجيه نيران حقدي ضد ذاتي هو السبيل الوحيد لتجنب احبائي هذه النيران. لكني بعد اكتشاف المصيبة فقط ادركت ان هذا كان نصف حل، وها انا اواجه نتائجة المميتة. ان الحل الحقيقي، يكمن بمواجهة الحقد كله، بطاقة الحب كله، وخصوصا حبي لذاتي وحبي للحياة بأكلمها. فمن دون حب الذات لا يمكننا ابدا ان نحب الحياة ومعها احبتنا وناسنا. ان التضحية بالذات، لا بد ان تنتهي بالتضحية بالحياة ومعها ناسنا واحبتنا. فما معني محبتي لاهلي وناسي، إن كنت سأفقد حياتي؟! ان محبتي لناسي تقتضي حبي لذاتي، كما حبي لذاتي هو مدخل حبي للناس وللحياة. بالتدريج قادتني هذه الحقيقة، الي حقيقة خفية كانت من شدة الوضوح اني لم انتبه لها: ان حقدي كان موجها ضد ذاتي، ليس فقط بدافع اخلاقي حبا بأحبائي، بل لأني في اعماقي، كنت اعتقد بأني مجرم آثم، وأن كل عذاباتك يا ابي التي كنت تصبها علي كياني، كانت بسببي أنا.. أنا الجلاد، انا حمال الخطيئة الاولي ومسبب عذاباتك يا ابي، واني كنت استحق عقابك واكثر.. نعم يا ابي، ان جريمتك الكبري ضدي، لم تكن فقط لتعذيبك لي، بل لأنك نجحت بصورة باهرة ان تقنعني، وانا الطفل الطيب البريء، بأنك تتعذب بسببي انا، بسببنا نحن ابناءك.. ما زالت حتي الآن صرخاتك تصدح في اعماقي وانت تشكو الي الناس والي الله بأننا نحن ابناءك نسل كفر وعار لأننا نتنكر لتضحياتك من اجلنا، وانت الرجل الفقير المسن، تكد ليل نهار من اجل اشباعنا، ونحن لا نكف عن خيانتك.. طبعا كل هذه الافكار كانت محض خيال من قبلك، فنحن بالحقيقة كنا ضحيتك، لأنك انت نفسك كنت ضحية لنفسك ولسلالة الحقد التي نسلتك. اذن بالتدريج، وقبل ان اغفر لك يا ابي، بدأت اغفر لنفسي واقنعها بأني ابدا لم اكن آثما ضدك. هكذا مع الايام تمكنت من التصالح مع ذاتي، ثم التصالح معك يا ابي، ثم مع الحياة جمعاء. مع ادراكي لهذه الحقيقة، بدأ احساسي بذاتي وبالحياة يختلف بالتدريج. حينها فقط، بدأ يسري في كياني نوع من الشعور بالسلام، كأني لأول مرة في حياتي اشرع بتوقيع اولي معاهدات الهدنة لوقف حروبي ضد ذاتي وضد الكون بأجمعه.مع الايام، ومع استتباب الأمان في روحي ومع العلاجات الطبية والروحية العديدة التي اتبعتها، بدأ السرطان يختفي من بدني، مع اختفاء نيران الحقد من روحي. منذ اكتشاف المرض، هجرت الخمرة والدخان وعلب الليل واصدقاء السوء، ورحت بين حين وآخر، اعثر علي أية خلوة في غابة او عند شاطئ البحيرة، لكي اطلق عنان غضبي الموروث علي شكل رقص معتوه وصرخات عاوية كذئب جريح، او اذرف دموع الحزن وانشج في نحيب مر كطفل مهجور، وصورتك يا ابي لم تفارقني ابدا، لكنها هذا المرة لم تكن مغلفة بالحقد وحده، بل راحت تأتيني مصحوبة بعطف وغفران. هذه هي حكايتي معك يا ابي، ومع نفسي المعذبة. الآن بعد ان تخلصت تماما من السرطان ومن حقدي الموروث، اشعر بأني فعلا قد بدأت حياة جديدة بكل معني الكلمة. صدقني، احس وكأن حياتي الماضية، قد عشتها في حياة سالفة، او اني سمعتها من انسان غيري. لهذا يمكنني ان اقولها الآن وبكل ثقة، اني فعلا لقادر علي أن انفذ العهد الذي قطعته علي نفسي: ان اشرع بتكوين سلالة جديدة، سلالة حب!الوداع يا ابي، الوداع لك ولأسلافي، ولكم مني كل المحبة والغفران..جواب الأب لإبنهولدي العزيز،رسالتك قد وصلتني. رغم اني هنا منذ اعوام في عالم الغيب، الا اني ابدا لم انقطع عن التفكير بك ومتابعة اخبارك بين حين وآخر. كنت في كل فرصة، استميح العذر من اله الرحمة، ليسمح لي ان ازورك. لم يكن خيالا طيفي الذي كان يتراءي لك اثناء ثمالتك واشتداد حزنك في ساعات وحدتك الليلية، بل كنت انا حقيقة، روحي انا يا ولدي. كنت بكل ما امتلك من قدرات محدودة احاول ان امسح عنك حزنك واخفف من عذاباتك واشاركك بكاءك المرير الذي كان يعذبني اكثر منك. كنت عندما اعود الي عالم غيبتي، استجير بإلهي ان يساعدك، ان يمنحني الفرصة لكي اساهم بالتخفيف من عذاباتك التي كنت انا مسببها الاول. كم حاولت ان ازرع فيك افكار الخلاص من وضعك هذا واحتراق ذاتك بنيران شعورك بالاثم. كانت نصائحي يا ولدي التي ابثها في روحك بواسطة طيفي، تؤثر فيك وكنت تأخذ بها، لكن كنت سرعان ما تنتكس مع عودتك للخمرة والتيه في علب الليل.انت لم تدرك يا ولدي، كم مرة ساهمت بانقاذك عندما حاولت ان تنتحر، فآتي انا واهمس في روحك كلمات الامل والتفكير بأحبتك الذين ينتظرونك. اسمح لي الآن ان اكشف لك الحقيقة التي لم اتجرأ علي كشفها لك الا بعد ان تيقنت من خلاصك التام من مرضك ومن حياتك الماضية: انا الذي طلبت من الله ان يسارع بنشر السرطان في بدنك. حسب معرفتي الجيدة بشخصيتك، راهنت مع نفسي، ان هذه التجربة المرعبة والحاسمة وحدها قادرة علي دفعك علي ان تحسم موقفك تماما مع شبح الماضي المهيمن علي روحك. ان تثور علي هذا الوضع البائس الذي كبلت نفسك في شرنقته الجهنمية. اثناء المرض لم اكن افارقك حتي لحظة واحدة، كنت معك، اواسيك، اهمس فيك كلمات الامل والمحبة، احثك علي التغيير، اردد علي لسانك كلمات التفاؤل ومحبة الذات والحياة.لا يمكنك ان تتصور يا ولدي مبلغ السعادة التي تغمرني الآن وانا اشاهدك هكذا في بحبوحة حياتك الجديدة. انا معك تماما في قرارك بأن تبني سلالة جديدة قائمة علي الحب وليس الحقد.لهذا يا ولدي، قد رجوت الله ان يساعدني كي اساعدك انا نفسي بتحقيق مشروعك، ولقد استجاب الله لدعائي، وها انا ازف لك البشارة التي لم تكن تتوقعها ابدا:هل تتذكر يا ولدي منذ ليلتين، انك قد عاشرت زوجتك وتمنيت في اعماقك ان يرزقك الله ببنت.. اليس كذلك؟ اعلم يا ولدي لقد استجاب لك الله وزرع بنتا في رحم زوجتك.. واعلم خصوصا ان هذه البنت سوف تكون انا.. نعم انا لا امزح، لقد وافق الله ان تهبط روحي في بدن البنت، لأكون انا ابنتــــك القادمــة.. هكذا اكون انا اول ابناء ســـــلالة الحــــب.. كما كنت آخر آباء سلالة الحقـــــد، اما انت فتــــظل الابن والاب، الوسيـط الفاصل، الذي انتهت به سلالة عتيقة وبدأت به سلالة جديدة.. الي اللقاء القريب يا ولدي الحبيب.. ويا ابي الطيب..كاتب من العراق يقيم في جنيف0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية