إمبراطورية لميير.. وأول فيلم في العالم

حجم الخط
0

فريدة العاطفي

وصلت عائلة لميير إلي مدينة ليون سنة 1870، وبعد استقرارها بسنوات سيبني أنطوان لميير وهو مصور ورسا م فرنسي مميز قصرا يعكس ذوقه الباهر في الديكور والرسم والهندسة والتصميم والصورة وتذوق الألوان والأثواب. يقع القصر في مدينة ليون الفرنسية الحاضنة لجبال الألب والواقعة علي الحدود السويسرية الايطالية في حي سيسمي فيما بعد حي أول فيلم، وفي شارع عريض وشاسع سيسمي شارع الأخوين لميير. أما الأخوان لميير فليسا لويس وأوغست لميير ابنا أنطوان لميير، اللذان بعد بنائهما لأجنحة ملحقة بقصر والدهما سيحولان ذلك القصر إلي إمبراطورية للسينما، فيها سيصور أول فيلم في العالم، واليها سيتم إحضار أولي الات التصوير والكاميرا. في سنة 1982 سيتحول قصر أنطوان لميير الي معهد يعتبر من الآثار الجميلة في مدينة ليون والشاهدة علي البدايات الأولي لانطلاق السينما، وهو يتكون من صالة عرض ومكتبة سينمائية ومتحف بالإضافة إلي القصر ذاته الذي ما زال يحافظ علي بهائه وجماله، وقد هدم منه للأسف الجناح الذي كان يعيش فيه الأخوان لمثير لمشروع لم يتم انجازه.

متحف لميير يرحب بالزوارلاتنس انك تدخل عالم السينما في بداياته الأولي وأنت تدخل متحف لميير إذ يمكنك إن تشاهد 85 فيلما كل فيلم يتكون من 52 ثانية عرضت علي شاشات متفاوتة الأحجام خلف الزجاج بشكل يجعل الزائر محاطا بالأفلام من كل ناحية. في البدء كانت دهشة الصورةفي البدء كان الاندهاش بالصورة والكاميرا فصور الأخوان لميير بالكاميرا الكثير من لقطات الحياة اليومية في تلك المرحلة التاريخية مثل حركة الناس في شارع الشانزلزيه، وبانوراما برج إيفل في باريس، وصول قطار إلي محطة بيراش بليون، إلي تصوير عمال يعبدون الطرقات، وأفراد من الطبقة البورجوازية يلعبون الورق، فمجيء رجال الاطفاء لاخماد حريق.. الخثم كان الانطلاق نحو العالمبعد سنة 1895 وبعد نجاحهما في فرنسا، سينطلق الأخوان لميير بالكاميرا نحو العالم لاكتشافه وهكذا في أخر القاعة يجد الزائر ثماني شاشات صغيرة متراصة الواحدة فوق الأخري أربعة إلي جانب أربعة، ومن خلال الأفلام المقدمة في هذه الشاشات تستطيع أن تشاهد عن قرب كيف تحركت كاميرا لميير في اليابان ومصر والسويد وروسيا والجزائر وتونس والمكسيك وايطاليا وامريكا وانكلترا وايرلندا وتركيا.. في كل هذه الأفلام وغيرها كانت كاميرا الأخوين لميير تحتفي بالحياة في حركيتها، فصورت وصول القطارات والسفن، وحركة المراكب، وصخب الناس في الجسور والشوارع والساحات العمومية، صورت أيضا المواكب الرسمية مثل موكب القيصر الروسي متجها إلي الكنيسة، موكب الباي في تونس واستعراض قدماء المحاربين الجرمان، ولم تنس تلك الكاميرا التوقف عند خصوصيات البلدان فتوقفت أكثر من مرة عند الأسواق العربية في الجزائر وتونس، عند الأهرامات في مصر، في مصر أيضا صورت جنازة المثير فيها كان مشاركة النساء، كما توقفت عند فن المبارزة في اليابان ووجبات الطعام عند الهنود في المكسيك، أداء الصلاة في الجزائر والحفلات في ايطاليا.

في كل هذه الأفلام كانت الكاميرا تتحرك بسرعة في اندفاعها نحو الناس لكنها تبدو أكثر بطئا وهي ترصد با نوراما المظاهر الطبيعية.

إعلانات الأفلام الأوليبالإضافة إلي الأفلام توجد ملصقات جدارية هي نماذج لأولي الإعلانات السينمائية، حيث كان الإعلان عن فيلم يعتبر فنا بحد ذاته تتنافس فيه أسماء كما تتنافس في التصوير والرسم وبرز بشكل قوي انطلاقا من سنة 1886 بريسبو واوزول.

أولي الكاميرات وآلات التصويرفي وسط قاعة العرض وفي واجهة خشبية يغطيها أحيانا الزجاج يتحول الأمر إلي متعة حقيقية ونحن نتأمل أولي الكاميرات وآلات التصوير التي تم استعمالها في الأفلام السينمائية الأولي، وأكثرها لفتا للانتباه آلة كاميرا يخيل إليك وأنت تراهاأنها آلة خياطة يدوية تقليدية، لكنها في الواقع آلة تصوير استوحاها لميير من آلة الخياطة التقليدية، أما الأفلام فكانت توضع في علب ذهبــية صغيرة ومستديرة يقدم المتحــــــف نماذج منها كما يقدم نماذج لآلات ســـــاهم في تطويرها سينمائيون آخرون معاصرون للأخوين لميير مثل باطي الذي تحمل اسمه أضخم دور السينما في فرنسا، فمونكي وماني. في بعض الأدراج الخشبية، يعرض المتحف نماذج من الصور التي التقطها الأخوان لميير حيث كانا بالإضافة إلي موهبتهما في السينما احدي العلامات البارزة في فن التصوير خصوصا لويس لميير، لان أوغست كان أكثر شغفا بالطب. وفي الاستقبالات تستطـــيع تصفح وشراء مجموعة من هـذه الصور علي شكل كارت بوسطال التقطها لويس لميير وفيها نماذج من صور التقطت لمدينة مراكش المغربية مابين 1902 و1934. ما تبقي من القصرلايمكن للزائر أن يزور متحف لميير دون الصعود إلي الطابق العلوي مكان سكن الأب أنطوان لميير الذي كان قد صممه المهندسان الشهيران في تلك المرحلة وهما الكيس وبوشي، بينما رسوم جداران السلالم وجداران غرفة النوم فكانت من رسم الفنان اوجين يونو 1834 ـ 1907 وهو فنان كان مختصا فيما يعرف بصباغة الزهور علي الجدار.

بينما ما زالت غرفة نوم أنطوان لميير محافظة علي نضارتها وحميميتها بستائرها الزيتية القاتمة وصالونها الأخضر وتحفها المتوزعة بشكل مدروس داخل الغرفة وخارجها.

في باقي الغرف يستمر عرض نماذج أخري من الأفلام والصور، أما الطابق الثالث فقد كان مخصصا للخدم.

وأنت تنزل من الطابق العلوي تصادفك لوحة زيتية عملاقة في حجمها وفي عملها وتعكس عظمة أنطوان لميير الذي تحتفظ فرنسا بلوحاته وتعرضها في المتاحف إلي جانب الأسماء القوية والعلامات البارزة في الرسم الفرنسي.

توفي أنطوان لميير عن عمر يناهز 71عاما في مدينة باريس سنة 1911 بينما توفي لويس لميير سنة 1948 وأوغست لميير 1954. وقد خلفوا وراءهم إمبراطورية تتصدر عرشها السينما ولكن يصاحبها الرسم والتصوير إضافة إلي جمال الذوق الهندسي والتصميم مع إطلالة ممتعة علي التاريخ والعادات والتقاليد وطرق اللباس ودرجة الرقي الحضاري لفرنسا ولعديد من البلدان التي اخترقتها بفضول باهر كاميرا الأخوين لميير في نهاية القرن التاسع عشر والمنتصف الأول للقرن العشرين.

شاعرة من المغرب تقيم بفرنسا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية