في الثياب الداخلية الفلسطينية
حزامة حبايبفي الثياب الداخلية الفلسطينيةفي مقالته التي نشرت في صحيفة القدس العربي بعنوان ملابسنا الداخلية ، الموجعة لفرط الضحك والموجعة جداً لفرط الوجع الحقيقي بعد الانتهاء من قراءتها، يستعرض سهيل كيوان معاناة الفلسطينيين مع الكلسون ، قطعة الملبس الداخلية لزوم ستر البدن الأساسية، وهي معاناة يبدو كيوان أقدر من كثيرين غيره علي تفهمها واستشعارها بحساسية خاصة، ذلك أنه عايش موقعة كلسونية ، علي حدّ وصفه، حين سيق في الانتفاضة الفلسطينية الأولي إلي المعتقل وأرغم علي أن يخلع ملابسه، ليقف أمام المحققين الإسرائيليين بكلسون مختصر . من هذه الموقعة، تعلم كيوان معني أن يكون الفلسطيني علي أهبة الاستعداد للتشليح، فيرتدي في زمن الصراع، حيث السلام العادل والشامل من الأماني البعيدة، كلسوناً محتشماً، فضفاضاً، طويلاً حتي الركبة.والحقيقة أن الكلسون الفلسطيني شغلني، كما شغل كثيرين قطعاً متهامسين بشأنه دون أن يعترفوا بذلك بالضرورة، في الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2001 وتداعياتها من حصار الجيش الإسرائيلي للمدن والقري واجتياحها واعتقال المئات من الفلسطينيين وإيقافهم علي الحواجز ونقاط التفتيش بالكلاسين، تحت المطر والبرد وأمام بصر عشرات كاميرات التلفزيون، التي لا تطرف لها عدسة، في زمن الفضاء الإعلامي المفتوح قياساً بالزمن التلفزيوني الضيق نسبياً إبان الانتفاضة الأولي عام 1987، علي نحو جعل الذي لا يشتري يتفرج علي عروض ستربتيز مجانية. ولدواعي الخجل والتواصل مع الشعور بالمهانة والذل لرجالنا أشباه العراة في فلسطيننا التي تطل علينا في الفضائيات كامدة وحزينة ومُستَلَبة الحرية واللِّباس، لا يبدو لائقاً أن نتوقف جهراً وعلانيةً عند تفصيلة الكلسون ، من حيث لونه وشكله وقوامه وتفصيلته، كعنصر غدا لصيقاً بصراع الفلسطينيين في معركة الوجود اليومية.ومع ذلك، قد لا نستطيع إلا أن ننجرف وراء تأملات ضاغطة علي الفكر في منطق الكلسون الفلسطيني الذي ألفناه في الفضاء التلفزيوني في الانتفاضة الثانية ومؤخراً جداً في المشاهد التي تسابقتْ القنوات الفضائية في بثها لرجال الأمن الفلسطيني ومعتقلي سجن أريحا، وقد جُرّدوا من ملابسهم، ليعاينهم العدو وجمهور التلفزيون السلبيين من ورائهم بكلاسينهم التي تعكس تنوع أهوائهم وأمزجتهم وقناعاتهم واختلاف أحزابهم وظروفهم المعيشية والإيمانية، من حيث الكلسون الحاسر جداً أو الكلسون المحتشم جداً، لكنها تتفق علي المستوي ذاته من البؤس والمهانة والإذلال المقترن بمحتلّ شيمته اللؤم. ضمن هذا الطرح، استوقفتني أولاً ملاحظة لها علاقة باللون، وهي انحسار اللون الأبيض المعتمد في الملابس الداخلية الرجالية عموماً، حد الغياب التام، وهو أمر ناقشته مع عدد من المهتمين بالشأن الكلسوني الفلسطيني، دون أن نتوصّل إلي رأي يحظي بإجماع.فثمة من يري أن الملابس الداخلية القطنية البيضاء ترف لا يليق بفلسطيني، مشروع بهدلة علي نقاط التفتيش ومشروع معتقل حتي حين يعود آخر يومه إلي بيته بربطة خبز ورطل بندورة، ومشروع شهيد يتمدّد علي الأرض مجرداً من ملابسه إلا من كلسون بائس، بؤس حياته وصبره الذي انتهي بموته. ثم إنّ الوقوف في الحرّ أو في البرد، مستلقياً علي الشارع أو في الوحل، بكلسون أبيض كفيل باجتذاب القذارة أسرع من الكلاسين الأخري ذات الألوان الزرقاء الكامدة والرمادية الكالحة القريبة من لون البؤس. علي أنني شخصياً، أميل إلي تبنّي منطق رفَضيّ في هذه المسألة؛ فالفلسطيني لا يستطيع في زمن تشليحه اليومي أن يقدم استسلاماً مجانياً بملابسه الداخلية البيضاء، حتي وإنْ استسلم لشرط الحياة تحت الاحتلال، وإذا أردنا أن نستر عوراتنا، فلنسترها بأي شيء إلا باللون الأبيض!هناك ملاحظة من الصعب اجتنابها؛ فعلي تنوّع نماذج الكلاسين الفلسطينيّة واختلافها وتعدّد ألوانها وتضاربها ثمة سمة مشتركة في ما بينها وهي صمود الكلسون في وجه الاهتراء والبلي وأنواء الاحتلال لكثرة ما تكشّف وتعرّض للفرجة، فقد يكون المطاّط من عند الخصر مرخيّاً، أو تقويرة فتحة الفخذ قد توسّعتْ وترخرختْ أكثر من اللازم، أو لعلّ لونه حال عمّا كان عليه في المبتدأ، لكنه مع ذلك يظلّ صامداً علي جسد الفلسطيني، غصباً عن أنف العدو!وإذا كان البعض ممّن شغلهم الهمّ الكلسوني الفلسطيني يتوجّهون بالنصيحة للفلسطينيين بأن يتحسّبوا للأمر، طالما أن التشليح دخل ناموس تعاطيهم الحياتي اليومي مع الاحتلال، بحيث يعتمدون كلاسين طويلة محتشمة يتبخترون بها بمحاذاة رشاشات العدو الذي يخشي الخطر الكامن لهم ربما تحت الكلسون، فإنني أخالفهم الرأي؛ فباعتقادي يستطيع الفلسطينيون، وسط المناخ التشليحي المتكرر، اعتماد الكلسون كـ مانيفستو فردي ذي خصوصية، مستغلين عروض الستربتيز التي يُرغمون علي تقديمها علي الملأ في ترسيخ موقف بعينه، ينسجم ونضالهم التاريخي، فيكتبون علي كلاسينهم مثلاً شعارات مناوئة للاحتلال والدول العظمي التي تغض الطرف عن ممارسات إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وميكرونيزيا ومن لف لفها، فـ يسقط الاحتلال ، و الموت لإسرائيل و الموت لامريكا (طبعاً بحسب المساحة التي يوفرها مقاس الكلسون وشكله)، أو لزرع الرعب في نفوس أفراد جيش المحتلّ، بإمكانهم ارتداء كلاسين كاكية مرقطة علي غرار زيّ الصاعقة !وبإمكان الفلسطينيين المضي أبعد في مواجهة تشليحهم بشجاعة عبر استفزاز العالم بارتداء الكلسون الـ thong أو الـ G string ، أي الكلسون أبو خط ، أو الكلسون الزنّوبة ، كما ندلّعه، ليعطوا مؤخراتهم شبه المكشوفة بالكامل لعدسات التلفزة العالمية.فإذا كان العالم كله، الذي يتلصص علي مأساتهم من خلال الفضائيات، لا يقف لحظة خجلاً من نفسه، متبلّد الحس والفعل إزاء ما يواجهه الفلسطينيون في حياة لا تشبه الحياة، متنصلاً من شرعة حقوق الإنسان التي أرستها الأمم في نضالها من أجل قطاع من البشرية استثني قطاعاً آخر من البشرية، لا يقل كما يفترض بشرية عنه، فلماذا يتعين حينها علي الفلسطينيين أن يخجلوا وأن يحتاطوا لإذلالهم الوارد جداً بارتداء كلاسين محتشمة؟!كاتبة من فلسطين تقيم في الامارات0