تفتيش السفينة قبالة ليبيا.. هل نصبت اليونان “فخاً محكماً” لتركيا قبيل القمة الأوروبية؟

إسماعيل جمال 
حجم الخط
5

إسطنبول – “القدس العربي”:

بينما كان الهدوء يسود ملف شرقي البحر المتوسط ميدانياً وسياسياً وبالتزامن مع الخطاب “التصالحي” غير المسبوق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان تجاه الاتحاد الأوروبي، نفذت قوة ألمانية بقيادة ضابط يوناني عملية تفتيش ضد سفينة تجارية تركية قرب السواحل الليبية في خطوة أثارت غضب أنقرة وكادت أن تؤدي إلى صدام عسكري وتفجر الخلافات السياسية قبل نحو أسبوعين فقط من قمة الاتحاد الأوروبي المقرر أن تناقش ملف العلاقة مع تركيا واحتمال فرض عقوبات عليها بسبب نزاع شرق المتوسط.

العملية المفاجئة تعاملت معها تركيا بأكبر قدر ممكن من الهدوء، وفي أثناء جريانها تجنبت الخيار العسكري وامتنعت عن إرسال سفنها الحربية لمنع تفتيش السفينة أو وقف عملية التفتيش بالقوة، واكتفت بطلب إنهاء عملية التفتيش، ولاحقاً، اتسم الرد التركي بالهدوء أيضاً واكتفت أنقرة بالتأكيد على عدم مشروعية العملية وتأكيدها على الاحتفاظ بحقها في متابعة العملية في الإطار القانوني والدبلوماسي.

هذا الرد التركي لا يتسق مع السياسة التركية التقليدية المتبعة بالفعل في شرقي البحر المتوسط والملف الليبي، وفي الوضع الطبيعي فإن الجيش التركي الذي يتمتع بحضور عسكري واسع في المنطقة بحراً وجواً كان يمكنه التدخل وحماية السفينة التجارية التركية التي جرى تفتيشها كما أن السفن الحربية التركية كان بإمكانها اعتراض الفرقاطة الألمانية وإجبارها على المغادرة كما فعلت ذلك سابقاً مع السفن الحربية الفرنسية واليونانية في شرقي البحر المتوسط.

وعلى الصعيد السياسي، وفي مؤشر قطعي آخر على نية أنقرة عدم التصعيد، اكتفى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعلى غير العادة، بخطاب دبلوماسي هادئ، وصف فيه العملية بأنها غير قانونية وتخالف القانون الدولي، دون إطلاق تهديداته المعتادة، لا سيما وأن الأمر متعلق بالسيادة التركية واعتداء على سفينة تركية وتعنيف طاقمها وهي حوادث بالعادة تثير حماس الرئيس للتأكيد على قوة بلاده وقدرتها على الرد والتوعد بالرد بالمثل.

وقال أردوغان في خطاب أمام الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم، الأربعاء: “رغم الاستفزازات التي تقوم بها اليونان وقبرص الجنوبية تعاملنا على الدوام بهدوء وصبر مع التطورات في شرق المتوسط، ولكن مع الأسف رغم ذلك جاءت حادثة السفينة الأخيرة”، معتبراً أن ما جرى مخالف للقانون الدولي و”تم التعامل مع طاقم السفينة كالمجرمين وهو موثق بالفيديو وتم وسيتم إرساله إلى كافة الجهات المعنية”.

كبار المسؤولين الأتراك ركزوا على ذكر أن العملية نفذت بقيادة ضابط من الجيش اليوناني

وإلى جانب ذلك، ركزت بيانات وزارتي الدفاع والخارجية وتصريحات جاووش أوغلو وخلوصي أقار وغيرهم من كبار المسؤولين الأتراك على ذكر أن العملية نفذت بقيادة ضابط من الجيش اليوناني، في المقابل لم يتم التركيز على المشاركة الألمانية التي تعتبر الأساس في هذه العملية كون القوة التي نفذتها تابعة للجيش الألماني والعملية تمت باستخدام فرقاطة ومروحية تابعتين للقوات الألمانية.

وفي إطار كافة المعطيات السابقة، رأت أنقرة في هذه العملية “مؤامرة يونانية” ومحاولة من قبل أثينا لتفجير الخلافات شرق المتوسط مجدداً قبيل القمة المقررة للاتحاد الأوروبي في العاشر من الشهر المقبل، وذلك في محاولة لضمان انعقاد القمة في ظل خلافات متصاعدة ما يمكنها من فرض أجندتها على القمة وتحقيق مطالبها الملحة بفرض “عقوبات رادعة” على تركيا في القمة المقبلة، بعدما فشلت جهودها في هذا الإطار في القمم السابقة.

وتعتقد الأوساط الرسمية التركية أن اليونان قدمت لقيادة عملية إيريني الأوروبية معلومات استخبارية “مضللة” بأن السفينة التركية تحمل أسلحة إلى ليبيا وضغطت باتجاه تفتيشها وهو ما لم يتم إثباته، حيث أكدت مصادر تركية أن السفينة كانت تحمل مساعدات إنسانية ومواد بناء، كما اعترفت القوات الألمانية أن عملية التفتيش لم تصل إلى أي أدلة على أن السفينة كانت تحمل مواد أخرى.

وفي الوضع الطبيعي، كان يتوقع أن تشن تركيا ولا سيما الرئيس أردوغان هجوماً حاداً على ألمانيا رداً على قيام قواتها بهذه العملية ويتوعد بالرد عليها ويطالب باعتذار رسمي، لكن وعلى النقيض اكتفى أردوغان بخطاب هادئ، ما يفسر الإدراك التركي لأهمية عدم التصادم مع ألمانيا في هذه المرحلة والتعامل مع العملية على أنها كانت محاولة يونانية للإيقاع بين تركيا وألمانيا وبالتالي ضرورة عدم منح أثينا “جائزة” بتحقيق أهدافها من هذه العملية.

وفي الأشهر الأخيرة، وقفت ألمانيا بقوة أمام الرغبة والضغوط الفرنسية واليونانية بفرض عقوبات “رادعة” على تركيا بسبب نزاع شرق المتوسط، حيث تميل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى الحوار مع تركيا وتجنب الوصول إلى مرحلة فرض العقوبات لما سيحمله ذلك من تعقيد للأزمة بين الجانبين. كما أن أنقرة لا ترغب في أي صدام كبير حالياً يساعد فرنسا واليونان في تنفيذ أجندتهم والوصول لغايتهم في إقرار عقوبات أوروبية على تركيا في القمة المقبلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية