رواية خزي لكويتزي: أو بـلاغة التـصوير بالتـناوب

حجم الخط
0

رواية خزي لكويتزي: أو بـلاغة التـصوير بالتـناوب

محمد أنقاررواية خزي لكويتزي: أو بـلاغة التـصوير بالتـناوبرواية خزي أو عـار كتاب آسر صاغه روائي من صنف هؤلاء الكتاب الذين يجعلون من العلة أو نقطة الضعف بطولة. هذا الصنف من الروايات نادر في العالم العربي حيث نجد البطولة تعني الفحولة والهيمنة وعدم الاعتراف بالخور الإنساني.وراء هذه الـرواية الجادة ذات الإيقاع البطيء فلسفةٌ. والحق أني لم أشعر في أية لحظة وأنا أقرأ هذا العمل بأن جون كويتزي ليس فيلسوفا.بل أكثر من ذلك وجدته يتميز، إلي جانب الفلسفة بالقدرة علي التصوير والتحبـيك وتنظيم السرد.أي القدرة علي صب الفلسفة في قـوالب جميلة وجذابة. وتلك هي عظمة الروائي الأصيل.يقر كويتزي بأن الإنسان خلق هكذا بعلله وتناقضاته، ولا داعي بعد ذلك إلي تصوير التحولات الكبيرة من حال إلي حال، من السعادة إلي الشقاء، أو من الفقر إلي الغني كما يحلو لعديد منا أن يفعل في سرده. وكأن كويتزي يود أن يقول لنا إن الإنسان يتغير لا محالة، ولكن يتم ذلك ببطء شديد.أو إن الإنسان يتغير في إطار علته أو تناقضاته فلا يكاد يخرج عنها. كذلك شأن البطل دافيد الذي لم يتغير في العمق كثيرا طوال صفحات الرواية.أو إنه تغير ولكن وهو ينحدر نحو الهاوية.و ثمة درس فلسفي آخر تمثله لوسي ابنة الأستاذ دافيد. إن هذه المرأة الغريبة الأطوار ترفض رعاية أبيها الزائفة وتربط مصيرها بالسود علي الرغم من أنهم آذوها بعنف. كأنه قدرها الذي لا بديل عنه.لكن كويتزي يصوره كأنه خيار في الحياة يختلف عن خيار الأب الخاضع هو الآخر لقدر مباين. وبمثل هذا العمق الفلسفي يحاول كويتزي تجاوز المعضلة العنصرية الشائكة. ويظهر لي أن الروايـة في عمومها تدور حول هذين الخيارين الكبـيرين:1 ـ قدر الأب الفاشل الساقط في الهاوية.2 ـ القدر المحتوم الغامض الذي هيمن علي لوسي في حياتها مع السود، لكنه يفتح لهــا أفاق المستــقبل علي الرغـم من المعاناة والاغتصاب والتنازلات.دافيد أستاذ فاشل عـلي جميع الواجهات ؛ مهنيا هو مطرود من الجامعة لاغتصـــــابه إحدي طالباته. وفاشل عائليا؛ فقد طلق مرتين، ورفـضته ابنته لوسي التي فضلت العيش وحيـدة في عزلة نائية. وهو فاشـل اجتماعيا حيث رفضته المومس ثريا والطالبة ميلاني التي اغـتصبها، ورفضه زملاؤه في هيئة التدريـس. دافيد رجل شبقي يعي جيدا طبيعته الخاصة لكنه لا يستطيع التخلي عن صفاته الجوهرية، ذاك قدره. وفي الوقت الذي تقر فيه رواية كويتزي بتلك القدرية فإنها لا تفتأ عن تشريحها. إنها تفعل ذلك مع دافيد نفسه، وكذا مع زوجته روزاليند وابنته لوسي ومغتصبيها، وحتي مع بيف شو فاعلة الخير. ومن البين أن جانبا من بلاغة الرواية يكمن بالذات في تصوير هذه الثنائية: قدريـة من ناحيـة، وإمعان في التشريح من نواح أخري. وأظن أن التصوير كان سيختلف مع كاتب آخر من غير طينة كويتزي. (ماذا سننتظر علي سبيل المثال من روائي إيديولوجي آخر تعطي له فرصة التعامل مع شخصية قدرية؟).الحق أن الأستاذ دافيد ليس فاشلا علي كل الواجهات. هكذا يمكن أن يقول قائل وهو يشير إلي العلاقة الجنسية بين دافيد والمعالِجة الرحيمة بيف، وكذا العلاقة بينه وبين الكلاب العليلة عامة وتلك المرشحة للقتل بالحقنة بصفة خاصة. بيد أن حقيقة الأمور ليست كذلك. ففي الواقع سيحقق دافيد التعاطف مع فاعلة الخير بيف شو وسيجامعها،و لكن دوما في سياق العلاقة المحرمة. إن بيف امرأة متزوجة، ولا مشاكل لها مع زوجها. وحتي عندما يصور الروائي العملية الجنسية بين كائنين متقدمين في العمر لا يستند في واقع الأمر إلي عنصر الرغبة الحقيقية. إنها عملية عابرة تتم دونما حب، لذلك يكون الفشل في خاتمة المطاف هو المصير المحتوم لهذه العلاقة.كما يمكن أن يشير القائل المعترض إلي المشاركة الوجدانية التي تتحقق بين الكلاب المرشحة للموت والأستاذ دافيد الفاشل الأبدي. والواقع أن المشاركة الوجدانية تتحقق بالفعـل، ولكن في سياق الهزيمة التي لا مفر منها. إن دافـيد في الـصورة الأخيرة ومن الرواية يقول ذات مرة عن عملية سياقة الكـلب المريض نحو الموت إنها عملية بسيطة ، لكن هذه البساطة تواكب إقراره بأن مصير المخلوقات صعب ويزداد صعوبة في كل مرة، إنها نغمة الهزيمة القدرية التي لا رد لها. وبذلك تغدو المشـاركة الوجدانية مع الحيوانات مشاركة كئيبة، استسلامية، علي طريقة همـنغواي.لم يصل دافيد إلي تحقيق المشاركة الوجدانية مع الكلاب إلا بعدما فشل في تحقيقها مع البشر. أما مع نفسه فقد كان منسجما غاية الانسجام. لذلك لم يذعن لطلب لجنة التقصي في الجامعة ورفض الاعتذار عما ارتكب. لقد اعترف بذنبه. لكنه رفض تقديم الاعتذار لزملاء أنداد شكلوا أعضاء اللجنة. بيد أن الضريبة التي سوف يؤديها دافيد مقابل تلك العزة بالنفس ستكون فادحة جدا: الموت مثل الكلاب. وتجسّد رواية كويتزي فداحة تلك الضريبة ببلاغة رفيعـة للغاية. ففي خاتمة الرواية يصور الراوي عملية انقياد الكلب المريض نحو حقنة الموت، كان الأمر يتعلق بكلب وحيد لا رجاء في شفائه. لكن كل القرائن والسمات الروائية المعروضة في الصفحات السالفة توحي بالتوازي أو التناوب بين مصير ذلك الكلب وحياة دافيد، حتي إذا ما واجهتنا الصورة الأخيرة من الرواية أدركنا في يسر أن الراوي يقصد كذلك موت الأستاذ نفسه. إن الحياة قاتمة بالنسبة إلي دافيد. أما الراوي فلا خيار له سوي مراوغة تلك القتامة بواسطة بلاغة التصوير. ناقد من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية