انّ الحضارات التي ستظل قادرة على البقاء والاستمرار وبناء استئنافها الحضاري، وإن خفتت وتراجعت، هي تلك التي تملك الإرادة وتستوعب المتغيّرات وتتفاعل مع الجديد، وفق آلية تعامل بأشراط ومفاهيم خاصّة بها.
وإن بدت الهيمنة الأمريكية المطلقة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، هيمنة منفلتة العقال تهدف إلى التطويع والتكييف والتسلّط. فقد نجحت الرأسمالية المتوحّشة في أن تصبح النظام الثقافي السياسي التوتاليتاري الأوحد، لتتجاوز الفضاءات الشمولية السابقة كالإقطاعية والاشتراكية. وهو فهم دعا في إطاره البعض أمثال، بنجامين وايكر وجيمس هيلجندورف، إلى ضرورة التخلّص من «ثقافة الموت» أو البدء في محاولات استعادة الإنسانية القلقة، من خلال مراجعة روحية عميقة للوعي المتكوّن على إيقاع الألفية الثالثة، التي اضطهد في سياقاتها الفرد تحت وطأة النظام السياسي المالي، بقيادة الرأسمالية المتوحّشة وأيديولوجيا الليبرالية الجديدة.
وهو النظام الذي يتحمّل الفرد المواطن، خاصة في الدول الفقيرة أعباء خسائره المالية وأخطائه الاستراتيجية، واستسلم للهزيمة وتداعياتها ضمن أطر العولمة التي قادته إلى المتاهة، في لحظة ما بعد الحداثة وأيديولوجيا الاختراق الإنساني والسوق المعولمة، ليصبح الصراع الحقيقي للقوى التقدّمية حول العدالة الاجتماعية. وهو ما تناضل من أجله الاتحادات النقابيّة (اتحادات الطلبة والشبيبة واتحادات النساء والجماعات الراعية للمهاجرين والمتضامنة مع البلدان النامية والتفاوت بين الشمال والجنوب، وتنضاف إليها حركات اللاهوت السياسي وأحرار العالم أصحاب الفكر النضالي الأممي والإنساني) .
لقد أسّست مختلف التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والمعلوماتية للحظة حضارية جديدة مثّلت العولمة أبرز وجوهها، منذ أواخر القرن العشرين، وهي تتغلغل أكثر فأكثر مع الألفية الثالثة وتدفع في اتجاه المزيد من اغتراب الإنسان المعاصر، وعدم قدرته على التحكّم في التحوّلات، وعجزه عن مسايرة المستجدّات الحياتية والفكريّة المتسارعة والمتلاحقة، مع غياب سمة التوازن الدولي في الساحة العالمية، رغم محاولات روسيا مع «البريكس» الحضور الاقتصادي والسياسي الذي من شأنه أن يضمن عدم استفراد الولايات المتحدة بالشأن العالمي، كما هو الحال منذ حوالي عقدين. وقد أفضى هذا المسار إلى دوام تعقّد الفكر السياسي في العالم العربي، الذي أبقى على حالة الانحلال والتخبّط الدائمين، ورضوخ الدولة القطرية لصانعي القرارالدولي، ما حوّلها الى دولة وظيفيّة لا تمتلك قرارها، وإلى الآن تعاني غالبيّة البلدان العربيّة من تردّد صانعي القرار داخلها، وغياب أصحاب المواقف لا أنصافها، وتشتّت الرأي العام وصراع التيارات الفكرية على اختلافها، وتزايد الاحتقان الايديولوجي بشأن خيارات الحاضر والمستقبل.
خاصّة أن ديمقراطيّة العولمة حسب تعبير هانس بيتر مارتن وهارالد تشومان، (في «فخّ العولمة») تنحاز بشكل شبه مطلق إلى الأغنياء دون الفقراء، وهي بذلك المسؤولة في كثير من المجتمعات الحالية عن مظاهر التوتّرات الاجتماعية المتصاعدة الناتجة عن التهميش الممنهج للفئات المستضعفة. فالديمقراطية الحقيقيّة هي تلك التي تضمن أن يكون الناس في مأمن من الفقر والمرض والبطالة، ومن دون هذا الاستقرار النسبي في حياة الناس تبقى النظم التسلّطية جاثمة على صدور الشعوب تكتم أنفاسها، تحت مبرّرات مختلفة «كتهيئة الشعوب لمواجهة المنافسة الدولية» وتعويدها على «الديمقراطية المتدرّجة»، أو مواجهة الأخطار الداخلية «كخطر الإرهاب»، بما يفضي إلى تنامي الفاشية الأمنية على حساب حقوق الناس وحرّياتهم المدنية، أو تجاهل البعد الاجتماعي من قبل الدولة وعدم تدخلها في الحياة الاقتصادية تحت دعوى «تحرير السوق الذي ينظم نفسه بنفسه»، في ضوء السياسات الليبرالية الجديدة والتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في مختلف بلاد العالم. وما لم تتدخل الدولة في تنظيم السوق والتوزيع الملائم للمكاسب القومية، فإنّ الدّمار سيلحق بالنسيج الاجتماعي ويعمّق التفاوت في توزيع الدّخل والثروة بين الناس.
وفي غياب أدنى مستويات العدالة الاجتماعية تنمو نزعات الكراهية والشوفينية، ويتزايد حجم الجريمة والعنف والارهاب وتجارة المخدرات، وتبقى الاعتصامات والتظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية قائمة رغبة في تجاوز الموجود نحو المنشود.
لقد اعتبر الفلاسفة القدامى أن الديمقراطية هي أدنى أشكال الأنظمة لارتباطها بقوى طبيعية، وما تعنيه من تسلّط ومعاني السيطرة والغلبة وسيادة الأقوى على الأضعف، وتمثّل الديمقراطية اليوم شكلا من أشكال التّدجين الجماهيري تدفع بها انتهازية النخب السياسية والثقافية والمالية بفعل سياسات الاستعمار الجديدة، التي اشتغلت ما بعد الفترة الكولونيالية على سياسة «التبعيّة» ثم «الاحتواء» وما رافقها من سيطرة مباشرة على العقول عبر مصادرتها وتوجيهها إلى متاهات العطالة والتعطّب.
تلك «سياسة بلا مبادئ وتجارة بلا أخلاق وثروة بلا عمل وتعليم بلا تربية وعلم بلا ضمير وعبادة بلا تضحية» بتعبير المهاتما غاندي، وهي أزمة الحضارة القائمة التي لم تعد ترى في الفرد، إلّا إضافة غير نوعية للسّلع التي تنتجها الرأسمالية الصناعية المتوحّشة. ولم تعد الدول قادرة على ممارسة سيادتها بشكلها التقليدي في ظلّ عولمة تتشابك فيها العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
٭ باحث في الحضارة من تونس
لطفي العبيدي