تشكل الأعمال التجريدية في الفن الفوتوغرافي امتحانا صعبا لإظهار قدرة استثمار أمكنتها بمستوى فني فاعل، بسبب حاجتها لمناخات ضوئية خاصة، وتطلبها لزوايا محددة صعبة الحصول، بالإضافة إلى فقر ما يمكن تحصيله من مضامينها.
خوض الفوتوغرافي العراقي احسان الجيزاني لهذا المعترك الفني الصعب، مكنه من إنجاز أعمال فوتوغرافية امتازت بمقومات جمالية تمثلت بدقة حرفيتها وتقنيتها وفرادة اشتغالاتها.
الجيزاني لم يتقبل لأعماله التجريدية أن تسكن في مواضيع جامدة، كثيرا ما تعمل عوامل الطبيعة ومساقطها الضوئية على اقتناصها بتوازنات مختلفة، تلعب رؤية المصور واختياراته الذكية لزوايا الالتقاط على قدرة توظيفها، بل هو يعمد على تحريك مشهده التجريدي ليكسبه امكانية الانفتاح على تعميق مضامينه لمساعدة تلقيها بحوار مفتوح لا ينتهي عند انطباعات سريعة عند مشاهدتها والابتعاد عنها بسهولة، ما لم يتمكن من تركها تنفتح على قراءة معمقة يستعين الجيزاني لإنشائها بمفردات بسيطة قوية التأثير.
فرغم الاختلافات في تظهير دلالة الغراب في هيئة “التَّطَيُّر والتَّشاؤُم والارْتياحٌ والتَفاؤُل” التي تجذرت في النصوص المقدسة وانعكست في موروث الثقافات العربية والمرويات الشفوية، ووظفت رمزيته الأجناس الأدبية وتحديدا في السرد الشعري، كما في الفنون البصرية، إلا ان الجيزاني الذي تعود على تقديم رؤية بصرية غير مألوفة، سعى إلى الاشتغال على ثيمة “الغراب” بصريا في دلالة التشاؤم والتفاؤل، وتمكن في عملين أن يستثمر جماليات التصوير في هذا التوظيف غير المسبوق في منجز الفوتوغراف العراقي.
ولكي يرشدنا مباشرة على تقفي مضامين أعماله بوضوح، تعمد استخدام الأسود والأبيض ليعمق غرضه الفني، مبتعدا عن تأثير محيط المكان وما توفره معاني فسلجة الألوان. فنصوع البياض في مساحة أحد أعماله الدال على الأمل والنقاء، تناقضه حدة اللون الأسود المتمثلة بالغربان وهي تتسيد المكان، ليبعث برسالة صريحة عن حال خراب ودمار واقعنا الذي تمثل بالشجرة كرمز للحياة والعطاء لكنها بدت متيبسة بلا روح وخلت من أي ثمرة أو ورقة مخضرة بعد ان استوطنتها “الغربان” ومنعت بهيمنتها أي اشراقة لحياة جديدة. مشهد مأساوي أسمعنا الجيزاني نعيقا مشؤوما من عمقه. لكنه لم يترك لنا أية فرصة لتعقب أمل بتغيير سيأتي من مساحة البياض في صورته عندما استثمر في لحظة ذكية نزول غراب يفرش جناحيه في دلالة على استمرار بقاء حال الهيمنة واجتياح الخراب. عمل فوتوغرافي نطق بصوت عال بمفردات سهلة استطاع الجيزاني ان يجعلها ممتنعة صعبة الاستحضار.
في عمل آخر، عاد ليعادل مسحة التشاؤم متصالحا مع الموروث القائل إن لا حاجة للثبات على تنميط الغراب بالحالة السوداوية كما هي دلالته في قصة قابيل وهابيل، التي بينها القرآن الكريم ويظهر الغراب كمخلوق ذكي اختاره الله لتعليم قابيل كيفية مواراة جثة أخيه الذي قتله ظلما وحسدا وطمعا.
كما وتصالحت رؤيته مع مرويات أخرى تعتبر الغراب رمزا للتبشير بالخير، كما في قصة سفينة نوح عندما بعث غرابا يستدل على وجود اليابسة لترسوا السفينة فيها وتنجوا، وهي دلالة على ان الغراب رمز تفاؤل وخير. أراد الجيزاني ان يتصالح معه في عمل آخر، عاد فيه إلى مستوى التجريد مرة أخرى باستثمار دالة الغراب ليظهره بهيئة الحارس المتوثب لحماية قنديل النور الذي أشاع مساحة الأمل في بياض هيمن على بيئة المكان رغم سواد القناديل! أحدوثة بصرية رسمت بأدوات بسيطة نجح الجيزاني أن يقدم فيها تأثيرا جماليا مفعما بثراء التشكيل البصري.
قيمة الفراغ
أغلب أعمال الجيزاني مسكونة في اشتغاله على عوالم التجريد الواقعي للأشياء والميل إلى العزلة والتوحد معها، فهو يتوغل بهدوء تاركا لعدسته محاولة الاقتراب منها بتفاعل لا يشعرك أنه يريد التشاكس مع صخب الأمكنة الضاجة بالانفعال والحركة وزخرف ألوانها، بل يلجأ إلى طريقة المراقبة البعيدة لتحديد واختيار التكوين المناسب، وان تشكل من زوايا صعبة قد لا تساعده على استكمال عناصر الصورة وتوازن أبعادها، فيستعيض بالذهاب لاستثمار قيمة الفراغ فيها كوحدة موضوعية ينجح في توظيفها لإكمال وحداتها، وتجلى ذلك في أحد أعماله التي وظف فيها الفراغ الذي تسيد مساحة الصورة إلى وحدة موضوعية تحولت كقيمة فاعلة لا يمكن تجاوزها مستثمرا حجمها في نقطة ذهبية انشأتها حركة رشيقة للطيور وشكلت معادلا قيميا لموضوع ساكن تحول إلى أثر متحرك سرد لنا موضوعا مكتنزا بالمعاني.
التوغل في الصحراء
رغم قسوة دلالاتها، تشكل موضوعة الصحراء مادة غنية جماليا، لطالما أغوت الفوتوغرافيين بالاشتغال على عوالمها التي تساعد ثنائية الظل والضوء المتشكلة من كثبانها على استظهار تشكيلاتها البصرية الساحرة. الجيزاني لم يكتف بترك عدسته تغويها هذه المعادلات البصرية، بل ذهب ليؤسس تشكيلا بصريا قادرا على السرد المؤثر.
فهو في واحدة من أكثر أعماله جمالية، نجح في إنشاء معادلة بصرية مؤثرة في نتائجها. فرغم صغر حجمه ظهرت لنا قوة شخصية الإنسان القاهر للصحراء رغم اتساع مساحتها وقسوتها، لكنه يتمكن من قهرها راجلا وهو يرسم لوحة فنية بتوازن حركي راحت فيها سفن الصحراء “الجمال” تقتفي أثره طائعة من دون ان تعلن استسلامها، فساهم الجيزاني بمنحها قوة الحضور كدالة للصبر والجلد والقوة فترك لنا بزاوية ذكية ظلال الجمال الراحلة تتشبث بظهر الصحراء تعلن بقاء توقيعها الدائم عليها، حتى وان رحلت مبتعده فستبقى هي صاحبة الأثر الفاعل فيها.
ولم يترك الجيزاني قصته ناقصة في مساحتها العليا، فبحث عما يكمل انضباطية توازناتها الجمالية ليجد ظالته في زاوية مؤثرة لحركة صقر شامخ وهو يفرش جناحيه بحركة رشيقة معلنا سيادته المطلقة على مراقبة الصحراء ورصد أي طريدة أو دخيل قادم. انه مشهد بانورامي حرص الجيزاني ليؤسس لنجاحه عبر خلق توازنات كتلية غاية بالدقة أسهمت بانضاج جمالياته الممتعة بصريا.
إفصاح الوجوه
لم يشأ الجيزاني ان يترك تجليات الاشتغال بالأسود والأبيض تنحصر في أعماله الخارجية العامة عن الطبيعة والواقع، وأراد ان يقترب فيها من البورتريت لكن من زاوية تدعيم رؤيته البصرية التي كثيرا ما يركز فيها على تناسق مترادفات حضور الظل والضوء فيها، وامكانية تدرجاته على تغيير خطاب تلقيها. فالوجوه مهما احترف المصور في قدرة استظهار تفاصيلها لن يقوى على استنطاق دواخلها إلا بنجاحه في توظيف لحظة وزاوية الإفصاح عما ينعكس من ملامحها لتشكل قيمة تعبيرية مؤثرة.
كما في عمله المتميز الذي اشتغل فيه على وجه أفريقي، تقصد الجيزاني اختياره دون غيره لما توفرت فيه من انطباعات القساوة والقوة التي تركتها عيون جاحضة ضجت بالأسئلة، زاد التدخل التقني في تقوية شدة البياض فيها لتصل بنا للنطق برغبة السلام. رغم ما يفصح عنه الجسد من لغة تمرد ورفض نجحت حرفية الجيزاني باستثمار التدرجات اللونية على إيضاح تفاصيلها لينتج بورتريتا قربنا فيه لجسد إنسان وجهت لنا تفاصيل تعبيراته القاسية الكثير من الأسئلة رغم صمته.
منجز بصري أسس لحضور فاعل في ساحة الفوتوغراف العراقي، استطاع الجيزاني ان يكشف فيه عن مهنية واحترافية تجربته الغنية مكنت نتاجاتها من ان تركز اسمه بجدارة في مشهد الفوتوغراف المحلي والعالمي.