القاهرة-“القدس العربي”: أثارت الهجمة الأمنية التي شنتها السلطات المصرية على إحدى المنظمات الحقوقية المستقلة ردا على زيارة عدد من الدبلوماسيين والسفراء المعتمدين لدى مصر إلى مقر المنظمة، موجة من الانتقادات الدولية والمحلية لأوضاع حقوق الإنسان في مصر.
وجاءت الهجمة على الحقوقيين في وقت توقع مراقبون أن تخفف السلطات المصرية من قبضتها الأمنية مع فوز المرشح الديمقراطي جون بايدن في انتخابات الرئاسة الأمريكية.
وألقت أجهزة الأمن المصرية الأسبوع الماضي القبض على 3 من العاملين في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بعد أيام من زيارة لسفراء ودبلوماسيين لمقر المبادرة للحديث عن ملف أوضاع الحقوق الإنسان في مصر.
وكان قد تم القبض على ثلاثة من فريق عمل المبادرة من بينهم جاسر عبد الرازق المدير التنفيذي للمبادرة مساء يوم 19 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري من منزله، ومدير وحدة العدالة الجنائية كريم عنارة ظهر يوم 18 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري والمدير الإداري محمد بشير 15 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.
وقررت النيابة حبس أعضاء المبادرة الثلاثة 15 يوما على ذمة القضية 855 لسنة 2020 والتي تضم عددا من المناضلين والمناضلات الديمقراطيين والديمقراطيات، ووجهت لهم عدة اتهامات من ضمنها الانضمام لجماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، ونشر أخبار وبيانات كاذبة، من شأنها تكدير الأمن العام والإضرار بالمصلحة العامة.
كما تعرض جاسر عبد الرازق إلى التنكيل وحرمانه من أبسط الحقوق المكفولة لأي سجين أيا كانت تهمته، حيث تم حبسه انفراديا وحرمانه من التريض وتركه دون مرتبة سرير أو ملابس ملائمة للشتاء.
آخر هذه الانتقادات، تضمنتها رسالة طالب فيها 37 نائبا بالكونغرس الأمريكي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بإطلاق سراح قيادات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دون قيد أو شرط، ووقف الاعتقالات وإنهاء حملة التشهير ضد المنظمات الحقوقية في مصر.
وقال النواب في رسالتهم التي نشرتها السيناتور تامي بالدوين على موقعها الرسمي، إن الاعتقال غير المشروع للمدافعين عن حقوق الإنسان، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة، يتعارض مع المعايير الديمقراطية التي تتوقعها الولايات المتحدة من شركائها الأمنيين الدوليين.
تقويض العلاقات
وزاد النواب في رسالتهم: استمرار هذه الإجراءات الأخيرة والحملات القمعية المستمرة ضد منظمات المجتمع المدني يقوض العلاقات الأمريكية المصرية ويرسل لنا إشارة واضحة مفادها أن هذه ليست علاقة تقدرها مصر.
وتحدث نواب الكونغرس عن أن قوات الأمن المصرية، اعتقلت خلال أسبوع 3 أعضاء بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية هم، محمد بشير وكريم عنارة وجاسر عبد الرازق بتهم لا أساس لها، من الصحة منها الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وتقويض الأمن العام.
وتابع الخطاب: جرى حبس الحقوقيين على ذمة القضية 855 لسنة 2020 إلى جانب مدافعين آخرين عن حقوق الإنسان والصحافيين، بينهم سولافة مجدي، وماهينور المصري، وإسراء عبد الفتاح.
وتناول النواب في خطابهم، ما قالوا إنها حملة تشهير منسقة شنتها وسائل الإعلام المصرية التابعة للدولة ضد المبادرة، تهدف لإسكات المدافعين عن حقوق الإنسان.
ولفت النواب، إلى التنكيل الذي يتعرض له جاسر عبد الرازق المدير التنفيذي للمبادرة في السجن، وقالوا، إن جاسر قال لمحاميه إنه محبوس انفراديا، وانه تم وضعه في زنزانة بها سرير معدني بدون مرتبة، وملابس غير كافية لتدفئته، ما يؤكد مخاوفهم من الظروف المعيشية اللاإنسانية في السجون المصرية بما في ذلك مزاعم سوء المعاملة والتعذيب.
وأكد الخطاب، أن القلق زاد بسبب الوفيات غير المبررة لأشخاص رهن الاحتجاز، منهم المواطن الأمريكي مصطفى قاسم.
قوائم الإرهاب
“منظمة العفو الدولية” دانت قيام السلطات المصرية بتصعيد حملتها ضد حقوقيين، أُوقفوا الأسبوع الماضي، وإدراج محكمة مصرية لناشط سياسي ومحام حقوقي على قوائم الإرهاب.
وقالت المنظمة في بيان: “إن المعاملة القاسية واللاإنسانية التي تعرض لها في السجن جاسر عبد الرازق، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، هي معاملة تظهر تصميم السلطات المصرية على تصعيد هذه الحملة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان”.
وجاء في بيان منظمة العفو: “إن اعتقال موظفي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عقب لقاء دبلوماسيين، ووصف المدافعين عن حقوق الإنسان بأنهم إرهابيون، هي أحدث الأمثلة على مدى عمق وكارثية أزمة حقوق الإنسان في مصر”.
وأوردت أن “جاسر عبد الرازق، وهو مدافع مخضرم عن حقوق الإنسان وأب لطفلين، احتجز في الحبس الانفرادي في زنزانة باردة، وحُرم من الملابس الدافئة والفراش”.
وأضافت المنظمة في بيان: “وفي اليوم ذاته أدرجت السلطات القضائية المدافع عن حقوق الإنسان ومؤسس مركز عدالة للحقوق والحريات محمد الباقر على قائمة الإرهابيين لمدة خمس سنوات، إلى جانب المدون والناشط البارز علاء عبد الفتاح وسياسيين معارضين آخرين، بدون توجيه اتهامات إليهم”.
إلى ذلك أدانت الحركة المدنية الديمقراطية المعارضة الحملة الأمنية الشرسة التي تتعرض لها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بسبب دفاعها المشروع عن حقوق الإنسان في مصر.
وطالبت الحركة التي تتشكل من أحزاب الكرامة والدستور والتحالف الشعبي الاشتراكي والعيش والحرية تحت التأسيس، بالإفراج الفوري عن أعضاء المبادرة المصرية، جاسر عبد الرازق وكريم عنارة ومحمد بشير وكل مساجين الرأي الذين ازدحمت بهم السجون بلا مبرر سوى هذه الإرادة المصرة على إخراس كل صوت وتصفية أي إرادة مستقلة.
وقالت الحركة في بيانها، إن المبادرة المصرية، منذ تأسيسها عام 2002 عملت على عدة ملفات من بينها العدالة الجنائية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتمييز الديني، وقضايا النوع والجنسانية والصحة الإنجابية، ونشرت العديد من البيانات والدراسات والأبحاث الدقيقة والموثقة التي من شأنها تحسين وضع حقوق الإنسان في مصر، ولم تتردد المبادرة في الدفاع عن أي قضية عادلة مهما كانت شائكة، وهو ما جعلها من أهم منظمات حقوق الإنسان في مصر والمنطقة.
وتابعت الحركة: استمرت المبادرة في عملها الدؤوب والشجاع للدفاع عن حقوق الإنسان بالرغم من الاستهداف والتضييق الأمني المستمر على عمل المنظمات الحقوقية وغلق المجال العام في مصر في السنوات الأخيرة وهو ما تدفع ثمنه غاليا الآن.
سمعة مصر
وأكدت الحركة إن استهداف المنظمات الحقوقية في مصر والعاملين فيها بهذا الشكل الفج هو ما يضر بـ”سمعة مصر” دوليا ويضعها في مأزق صعب.
وزاد البيان: استهداف نشطاء ديمقراطيين والتنكيل بهم داخل السجون لا يمكن تفسيره سوى كمحاولة للانتفام منهم وعقابهم على عملهم في مجال حقوق الإنسان.
ولفتت الحركة، إلى أن توجيه تهمة الإرهاب إلى نشطاء حقوقيين سلميين يبتذل هذه التهمة ويضر بمصداقية أي جهود أو تحقيقات أو محاكمات تهدف إلى مواجهة الإرهاب في مصر.
أسرتك بين أيدينا
لم يكن اعتقال الحقوقيين والنشطاء السياسيين هو الوسيلة الوحيدة بحسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي تلجأ إليها السلطات المصرية للانتقام من المعارضين، بل طال الأمر احتجاز أقارب المعارضين الموجودين في الخارج.
وتحت عنوان “أسرتك تحت أيدينا.. احتجاز أقارب وأفراد من أسر المنتقدين والمعارضين في مصر” رصدت المنظمة الحقوقية، حالات الاعتقال التي طالت أقارب معارضين.
وبحسب التقرير: الأجهزة الأمنية تقوم بلي ذراع القانون واستخدامه كأداة للقمع والانتقام من خصومه السياسيين أو المعارضين بشكل عام، وسواء كانوا داخل أو خارج مصر، من خلال القبض على ذويهم وتلفيق الاتهامات الكيدية لهم.
وتناول التقرير، إلقاء أجهزة الأمن القبض على كمال البلشي في 20 أيلول/سبتمبر الماضي أثناء عودته من صالة الألعاب الرياضية في وسط القاهرة، وخلال زيارته بالسجن، أوضح أن الضابط الذي أوقفه وأخلى سبيله، لكنه حين انتبه مرة أخرى أنه شقيق خالد البلشي عضو مجلس نقابة الصحافيين السابق المعروف عنه أنه معارض لسياسات الحكومة، أعاد القبض عليه، لظهر في النيابة بعد فترة اختفاء قسري لمدة 11 يوما.
ومن بين الحالات التي تناولها التقرير، حالة علا القرضاوي، ابنة الداعية الإسلامي يوسف القرضاوي المقيم بدولة قطر التي تم القبض عليها وزوجها يوم 3 تموز/يوليو 2017 وتم التحقيق معهما على ذمة القضية 316 لسنة 2017 حصر أمن دولة عليا ومنذ ذلك الحين وهي محبوسه انفراديا وبعد مرور عامين من حبسها احتياطيا قضت محكمة الجنايات بإخلاء سبيلها يوم 6 تموز/يوليو 2019 إلا أنه تم تدويرها على ذمة قضية جديدة بزعم الانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها وإدارة اجتماعات داخل السجن.
كما تناول التقرير حالة أنس نجل القيادي في جماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي الذي يبلغ من العمر 26 عاما وكان عمره وقت القبض عليه 19 عاما، بعد فض اعتصام رابعة العدوية بثلاثة أشهر وحصل على حكم 5 سنوات بتهمة حيازة سلاح ناري والتحريض على العنف والانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون إلا أن محكمة النقض ألغت الحكم وقضت ببراءة أنس في عام 2018 ليواجه أنس بمصيره المحتوم وشبح التدوير على مدار سنوات ليتم التحقيق معه في سبع قضايا متتالية حصل على حكمين بالبراءة من محاكم الجنايات والجنح وفي قضايا أخرى حصل على إخلاء سبيل على ذمة القضية وكل مرة يحصل على إخلاء سبيل يعاد تدويره مرة أخرى على ذمة قضية جديدة بنفس الاتهامات.
وردا على قضية رفعها الحقوقي محمد سلطان المقيم في الولايات المتحدة، ضد رئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي، بتهمة المسؤولية والإشراف على وقائع تعذيبه خلال فترة احتجازه عقب فض اعتصام رابعة العدوية، قامت قوات الأمن المصرية باقتحام منازل خمسة من أقرباء وأبناء عمومة محمد سلطان في شهر حزيران/يونيو 2020 واعتقلت الخمسة، واستمر احتجازهم لمدة خمسة أشهر، حيث لم يفرج عنهم سوى في بداية تشرين الثاني/نوفمبر 2020 ورغم أن البعض يربط خبر الإفراج عنهم إلى فوز المرشح الديمقراطي الدائم الانتقاد للملف الحقوقي المصري، جو بايدن، إلا المؤكد أنه ما كان ينبغي القبض عليهم أساسا، وان علاقاتهم الأسرية بمحمد سلطان ما كان يجب أن تكون ذريعة لهذا الاحتجاز التعسفي.
الاختفاء القسري
وحضرت قضية الاختفاء القسري في المشهد، مع مطالبة المجلس الحاكم للاتحاد البرلماني الدولي، في بيان أمس الخميس، عن قلقه تجاه اختفاء النائب المصري السابق مصطفى النجار، وعدم اتخاذ السلطات أي إجراءات للتحقيق بالرغم من الطلبات المتكررة.
وقال المجلس في بيانه إن النائب السابق مصطفى النجار اختفى ﻣن ﻣﺣﺎﻓظﺔ أﺳوان، ﻓﻲ 27 أيلول/ﺳﺑﺗﻣﺑر 2018 ولم يتمكن أحد من أسرته أو محاميه اﻟﺗواﺻل معه أو تحديد ﻣﻛﺎنه.
وأضاف: يخشى الاتحاد أن يكون رهن اﺣﺗﺟﺎز ﺗﻌﺳﻔﻲ وﺣﺑس اﻧﻔرادي ﺑﻣﻌزل ﻋن اﻟﻌﺎﻟم اﻟﺧﺎرﺟﻲ.
وحسب البيان، كان من المفترض أن تلتقي اللجنة المعنية بحقوق الإنسان للبرلمانيين بالسلطات البرلمانية المصرية، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب انعقاد انتخابات البرلمان المصري.
وﺗﺳﺎءل المجلس ﻋن ﺳﺑب ﻋدم ﺗﻣﻛن اﻟﺣﻛوﻣﺔ المصرية ﻣن تحديد ﻣﻛﺎن اﻟﻧﺟﺎر ﻧظراً إﻟﻰ أنه كان خاضعا ﻟﻠﻣراﻗﺑﺔ، لافتا إلى أنه يجب على اﻟﺳﻠطﺎت أخذ ﻣﺳﺄﻟﺔ اﻻﺧﺗﻔﺎء ﻋﻠﻰ ﻣﺣﻣل اﻟﺟد ﺑﻐض اﻟﻧظر ﻋن إدانته وﻋدم قضائه عقوبته في اﻟﺳﺟن.
وﺣث المجلس اﻟﺳﻠطﺎت المصرية، ﺧﺎﺻﺔ وزارة الداخلية، ﻋﻠﻰ اﺗﺧﺎذ اﻹﺟراءات اﻟﻼزﻣﺔ لتحديد ﻣﻛﺎن اﻟﻧﺟﺎر، وﻋﻠﻰ ﻓﺗﺢ تحقيق حقيقي وﻓﻌﺎل ﻓﻲ اختفائه، ويلتمس إبلاغه ﺑﺷﻛل ﻋﺎﺟل ﺑﺎﻟﺧطوات اﻟﻣﺗﺧذة ﻓﻲ هذا اﻟﺻدد.
ويعد اﻟﻧﺟﺎر رﻣزاً ﻣن رﻣوز ﺛورة كانون الثاني/يناير 2011 وﻧﺎﻗدا ﻟﻠﺣﻛوﻣﺔ المصرية ﺧﻼل ﻓﺗرة ولايته البرلمانية اﻟﺗﻲ اﻣﺗدت ﻣن 23 يناير/ كانون الثاني إﻟﻰ 14 تموز/يوليو 2012 ﻋﻧدﻣﺎ ﺣل اﻟﺑرﻟﻣﺎن اﻟﻣﺻري، بحسب البيان الصادر عن الاتحاد.
وتقدر المجموعات الحقوقية وجود حوالي 60 ألف معتقل في مصر من السجناء السياسيين.
ومن بين هؤلاء نشطاء علمانيون وصحافيون ومحامون وأكاديميون وإسلاميون اعتقلوا في حملة واسعة استهدفت المعارضة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ونفت الحكومة المصرية مرات عدة اتهامات بحصول انتهاكات حقوقية، كما نفى الرئيس المصري احتجاز السلطات أيّ معتقل سياسي.