صدم موت الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا، عالم كرة القدم، لما قدمه للعبة، كواحد من أعظم الأساطير في كل العصور، بل الملك وكبيرهم الذي علمهم السحر، للأشياء الإعجازية التي قام بها في أواخر الثمانينات مع نابولي ومنتخب بلاده الأرجنتيني، بجانب شخصيته المثيرة للجدل وحياته المليئة بالنجاحات والانتكاسات، وأشياء أخرى، جعلته أكبر من مجرد أسطورة أو لاعب صاحب معجزات كروية، تجلت في ملايين التعليقات الحزينة على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء من أبناء جيله والذين حظوا بمشاهدته فيما كان يُعرف بـ”عصر مارادونا”، أو أولئك الذين تربوا على سماع قصصه الخيالية من آبائهم، وشاهدوا سحره في دقائق قليلة على “يوتيوب”.
المولد
في الساعة السابعة صباح يوم 30 أكتوبر للعام 1960، وُلد الأسطورة في حي “لا باترينال” التابع للانوس بارتيدو، ضمن ضواحي العاصمة بيونيس آيرس، لأسرة كبيرة وفقيرة، يعولها الأب دوني دييغو والأم دونا توتا، اللذان رُزقا بثمانية أطفال، ثلاثة أبناء وخمس بنات، ورغم ضيق الرزق والظروف المعيشية الصعبة، رفض الابن الثالث مارادونا العمل في السرقة، لتعلقه في ما تعرف في الأرجنتين بالديانة الثانية “كرة القدم”، حيث كان يعتقد ويؤمن أنه سيصبح محترفا في المستقبل.
بداية الرحلة
تلقى أول هدية في سن الثالثة، من ابن العم بيتو زاراتي، وكانت كرة قدم، ظل يلعب بها طوال اليوم، ولم تفارقه حتى في منامه، لتبدأ قصة ارتباطه بالمركولة المجنونة، وفي الثامنة من عمره، اكتشفه المنتحر خورخي سيستيرسزبيلر، في فريق حي منازل الصفيح “فيا فيتوريو”، معتقدا أنه قُزم مُسنن، لصعوبة تصديق ما كان يقدمه من سحر مقارنة بعمره، وهذا ما ساعده على الالتحاق بصفوف أرجنتينيوس جونيور، أحد أعرق الأندية المحلية، بعدما سحر أعين الجهاز التدريبي للنادي بقيادة فرانسيس كورنيخو، بحركاته العبقرية وأهدافه السينمائية في اختبار الكشف عن المواهب.
الطريق نحو أوروبا
استعرض موهبته ذات مرة في معرض استراحة بين شوطي مباراة أرجنتينيوس وبوكا جونيور، وبعد نهايتها، ظلت تهتف الجماهير باسمه القديم “بيولسا… بيولسا”، ليمتعهم بطريقة مداعبته للكرة وتحكمه بها، ما منحه أول شعور حقيقي بالنجومية، قبل أن يخوض مباراته الرسمية الأولى في 20 أكتوبر 1976، ضد تاليريس دي كوردوبا، والتي فتحت له المجال لتقديم أوراق اعتماده كمشروع أسطورة لا تتكرر، بتسجيل 116 هدفا في 166 مباراة، قبل أن يتلقى عرضا للانتقال إلى ريفر بليت، إلا أنه كما يروي في سيرته الذاتية “قلبه كان ينبض” بحب البوكا، ما ساعده على تحقيق حلمه الأول، بالانتقال إلى ملعب “البومبونيرا” عام 1981، الذي كان بوابته للانتقال إلى أضواء الشهرة في أوروبا، بالذهاب إلى برشلونة في العام التالي، كأغلى لاعب في التاريخ آنذاك.
انكسار وعودة مختلفة
اعتقد دييغو أنه سيكتب قصة تاريخية مع البلوغرانا، إلا أنه استفاق على كابوس مرضه بعد أول 10 مباريات، ثم بإصابة مروعة بكسر وتمزق في الكاحل، على يد جزار بلباو أندوني غويكوتشيا، وفي الأخير انتهت بعراكه الشهير في العام التالي من غويكوتشيا، أمام أنظار ملك إسبانيا في المدرجات، ليذهب إلى نابولي ويغير تاريخه إلى الأبد، بمساعدة ودعم من مشجعي فقراء الجنوب، الذين وقفوا بجانبه، معتقدين أنه المخلص الذي سيضع الفريق على الطريق الصحيح، وسيهدد أثرياء الشمال في تورينو وميلانو، وهذا ما فعله بداية من الموسم الثالث، بقيادة الفريق لأول لقب كالتشيو في التاريخ عام 1987، وتبعه باللقب الثاني في 1990، وبينهما ساهم في فوز نابولي بكوبا إيطاليا والكأس السوبر وكأس الاتحاد الأوروبي، ليتحول إلى ملك في المدينة الإيطالية البسيطة، لدرجة أنه لم يكن يستطيع الخروج من المنزل لتناول العشاء في المطعم، أو أي أشياء أخرى من هذا القبيل، للثورة التي كانت تحدث في الشوارع، كلما تم التعرف عليه. لكن هذا الحب، تحول إلى عداء دفين وكراهية، قال عنها: “تحولت من إله إلى شيطان”، بسبب ركلة الترجيح التي أهلت الأرجنتين على حساب إيطاليا في نصف نهائي مونديال 1990، وقام بتسجيلها بنفسه.
كابوس ما بعد يد الله
صحيح فعل مارادونا في مونديال المكسيك 1986، ما لم يفعله أي لاعب في التاريخ، كشخص أثبت أن الكرة أحيانا لا تعتمد على الجماعية، لقدرته المذهلة على قلب النتيجة، بموهبته الخارقة وحدته على المرمى، التي تسببت في حصوله على 53 مخالفة، كأكثر لاعب ارتكبت ضده أخطاء في بطولة مجمعة بجانب ما فعله في إنكلترا، بتسجيل أقبح وأعظم هدفين في القرن في مرمى المنتخب الإنكليزي، الاول قال عنه “هدف بيد الله”، والثاني أصبح علامة مسجلة باسمه بما يعرف بـ”الأهداف المارادونية”، لكن عقب نهاية المونديال التالي، الذي خسره أمام ألمانيا بركلة جزاء مشكوك في صحتها، أخذت مسيرته منحنى منخفضا، بدأت منذ مراقبة هاتفه، ضمن تبعات انقلاب الرأي العام والصحافة الإيطالية عليه، ولم تنته إلا بإدانته بتعاطي المخدرات، لتتم معاقبته بالإيقاف 15 شهرا، أضيف لها 14، بعد القبض عليه في منزله في الأرجنتين، وفي حوزته كمية كبيرة من الكوكايين.
النهاية الحزينة
بذل مجهودا كبيرا، لاستعادة لياقته البدنية، ليشارك في مونديال أمريكا 1994، وبالفعل حصل على مكانه في القائمة، لكن احتفاله المثير للجدل بعد هدفه في اليونان، أثار شكوك الفيفا حوله، ليخضع لفحص المنشطات، الذي أثبت تناوله عقار الإيفيدرين المنشط، ما تسبب في إيقافه مرة أخرى ونهايته كلاعب كرة قدم، رغم أنه أقسم بأن ما تناوله كان مشروب طاقة، قائلا جملته الشهيرة وهو يبكي: “لا أريد أن أعرض دراما، لكن صدقني أعتقد أنهم أخرجوني من كرة القدم مكتوف الأيدي وروحي حزينة”.
مواقف لا تنسى
من أشهر مواقفه، ما فعله مع مجموعة من الصحافيين قبل كأس العالم 1994، بإطلاق النار عليهم، وإصابة البعض منهم بجروح طفيفة، تعبيرا عن غضبه من الإفراط في تراجع لياقته البدنية، وهي القضية، التي وصلت إلى ساحات المحاكم، وفي النهاية أخذ حُكم بالإدانة لما فعله. والأغرب علاقته المتقلبة بالملك بيليه، الذي كان ضيف دييغو الأول في برنامجه التلفزيوني عام 2005، وبعدها بخمس سنوات، انقلب عليه، ردا على ما قاله الجوهرة السوداء، بأن دييغو “قدوة سيئة”، حيث قال مارادونا: “ماذا ترغبون مني قوله؟ لقد فقد عذريته بواسطة رجل!”، وسبقها انسحاب مفاجئ من حفل لتكريم بيليه بجائزة مرموقة، اعتراضا على منح الجوهرة السوداء جائزة في حضوره، لاعتقاده بأنه الأفضل والأحق.
رسول الديانة المارادونية
يبقى أعجب ما حدث لدييغو في حياته، دعوة بعض الصحافيين الأرجنتينيين لإطلاق دين جديد يحمل اسم الأسطورة مارادونا، مستشهدين بما فعله في إنكلترا، خصوصا هدفه باليد، حتى أنهم صنفوا ما كان يقدمه من سحر كروي، على أنه “معجزات سماوية”، وهي الفكرة التي دعمها بعض رجال الأعمال، المهووسين بالأعجوبة، ما أسفر في النهاية عن بناء “الكنيسة المارادونية”، يقومون فيها بأداء طقوس معينة سنويا في عيد ميلاده، ووصل عددهم من 120 ألفاً في 2008 إلى مليون تابع للديانة الجديدة هذا الشهر، وفقا لوكالة الأنباء الأمريكية.
فلسطيني القلب
كان من أكثر المشاهير المتضامنين مع القضية الفلسطينية، كما انتقد ما فعلته إسرائيل في قطاع غزة أعوام 2012 و2014، بوصف ما حدث بالعار، وكرر تضامنه في 2018، على هامش اجتماعه بالرئيس محمود عباس في كأس العالم، وآنذاك قام بإشارته الشهيرة بأن قلبه فلسطيني، غير أنه كان صديقا لعديد من الزعماء السياسيين، أبرزهم صديقه الكوبي فيديل كاسترو، الذي التقى به عام 1987، وكان يضع وشم صورته على ساقه حتى يوم وفاته، الذي تزامن مع نفس يوم رحيل كاسترو، كما كان يضع وشما آخر على ذراعه لملهمه تشي غيفارا، وكان أيضا يحظى بعلاقة جيدة بالرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز.
قالوا عنه
بشهادة ألد الأعداء البرازيل، هو “أعظم لاعب في كل العصور”، كما وصفه سقراط، وشاطره روماريو الرأي بأن “دييغو أعظم من أنجبتهم اللعبة”، فيما اعتبره مؤسس نهضة برشلونة الراحل يوهان كرويف بـ”لاعب القرن”، أما بعد خبر الوفاة، قال كريستيانو رونالدو: “وداعا لعبقري الأبد”، وميسي وصف اليوم بالحزين لكرة القدم، بينما توجه الكبيران ريال مدريد وبرشلونة بشكر له لما قدمه للعبة، ونابولي بدأ في إجراءات تغيير ملعبه باسم الراحل العظيم، وغيرها من ردود الأفعال والتعليقات المستمرة حتى وقتنا هذا، لكن التعليق الذي أثار إعجاب السوشيال ميديا ووسائل الإعلام، ما قاله بيليه: “أتمنى أن نلعب في السماء”… ارقد بسلام يا دييغو.