إخفاقات الدولة الوطنية في اليمن وحدت الداخل والخارج لمكافحة الإرهاب عبر الديمقراطية

حجم الخط
0

إخفاقات الدولة الوطنية في اليمن وحدت الداخل والخارج لمكافحة الإرهاب عبر الديمقراطية

د. ياسين سعيد نعمانإخفاقات الدولة الوطنية في اليمن وحدت الداخل والخارج لمكافحة الإرهاب عبر الديمقراطيةمصطلح الإصلاح ليس مصطلحاً حديثاً كما يتبادر إلي الذهن، والذي يذهب معناه إلي الفعل الإرادي الذي يرتب نتيجة مقصودة أو متوخاة من القيام به تستلزمها الحاجة إلي ترميم شيء معطوب أو تهيئته وبإعداده لعمل أو مهمة أكبر مما صمم لها. وقدر ورد في القرآن الكريم وأصلح بالهم وهي تختلف في معناها عما قصده المشرع العظيم بقوله وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ذلك أن أصلحوا هنا تذهب بمعناها إلي قيمة أخري وهي المصالحة وهي تختلف في مضمونها عن الإصلاح فالمصالحة هي التوافق بمضمون أو محتوي يعكس السكوت، أما الإصلاح وإن اتجه في معناه أحياناً إلي معني قريب من التوافق لكن بمضمون مختلف تماماً، مضمون يعكس الحركة والدينامية.والإصلاح إذا اتجه نحو المصالحة فقد قيمته ومعناه، أي أنه يتراجع عن إنتاج الشروط التي تكسبه صفة التغيير ويتجه إلي التصالح مع ما هو قائم، وحتي إذا قبلت بعض شروطه فإنما لإكساب هذا القائم منعة ضد التغيير ودون أن يؤثر ذلك علي جوهره.والوحدة اليمنية التي تحققت يوم 22 ايار (مايو) 90 كانت بمثابة إصلاح كبير بمحتواه الذي استهدف انقلابا جذرياً في حياة اليمنيين السياسية وما يستتبعها من تحولات جذرية علي كافة الأصعدة الأخري. غير أن هناك من أرادها أن تكون مصالحة بين نظامين لتنتهي إلي نفس المأزق والذي وصلا إليه بإعادة إنتاج أزمتها.وفي هذا السياق تكالبت العوامل المقاومة للإصلاح، والتي راح نتيجتها الواقع الموضوعي -في صور شتي بما في ذلك الحرب- ليرغمها علي التخلي عن مشروعها الإصلاحي وتكييف نفسها مع بني سياسية واجتماعية سابقة لهذه العملية الموضوعية التاريخية لتتصالح مع الواقع بشروطه المقاومة للإصلاح وصارت جزءاً منه.لقد نظر الثوريون في مرحلة ما إلي الإصلاح علي أنه تصالح مع منظومة القيم السائدة، فهاجموا دعاة الإصلاح بحجة أنهم إنما يهدفون إلي تمييع الحالة الثورية التي تفرض التغيير الجذري لمنظومة القيم تلك، وهي الحالة التي تنشأ عن تناقض القيم والعلاقات الاجتماعية السائدة مع التطور الاقتصادي والمادي حيث يتدخل المصلحون لحل هذا التناقض بأدوات تعطل هذا التفاعل الثوري وتفعل شروط حل إشكالية هذا التناقض بما يسمح بالانتقال إلي طور جديد من النظام الاجتماعي أي بتعبير علماء الرياضيات مواصلة التحرك علي نفس المنحني بدلاً من الانتقال إلي منحني أعلي.والإصلاح بنظر هؤلاء لا يقود إلي التغيير ولكنه ينتج آليات تعمل لصالح القيم والعلاقات الاجتماعية السائدة، فالنخب المهيمنة سياسياً واقتصادياً أقدر من غيرها علي تمييع توجهات الإصلاح بمساومات تفضي في نهاية المطاف إلي تصالح من نوع ما، ويستدلون علي ذلك بأن دعوات الإصلاح التي انتظرت موافقة النخب الحاكمة والمهيمنة قد ابتلعها الزمن ولم ترتب أثرا يذكر في مسيرة حياة الشعوب بعد أن طويت مسبباتها في مخطوطات حرم تداولها وأعفي العقل من الإطلاع عليها بفرمانات استنجدت بالمقدس في أسوأ توظيف لهذا المقدس لصالح غير المقدس الذي هو صنيعة الإنسان والعقل البشري.ولم يكن الثوريون في نقدهم للإصلاح أوفر حظا في إنتاج الآليات المناسبة لالتقاط اللحظة الثورية وإنتاج الشروط الضرورية للتغيير وفق منهج يقود في نهاية المطاف إلي إكساب عملية التغيير صفتها الثورية، فقد كانت الدعوة لإصلاح الثورات بعد فترة من قيامها دليلاً علي غياب ركن من أركان نجاح عملية التغيير وهو الإرادة الشعبية وعدم إفساح الفرصة الكافية لها لتأخذ مكانها في هذه العملية التاريخية المعقدة وبالتالي فهي لم تختلف كثيراً بنتائجها عما حذرت منه في حالة تصدي الإصلاح لعملية التغيير.إن هذه المساجلة بين الإصلاحيين والثوريين في العالم العربي لا تقدم دليلاً علي صحة أي من الحجتين، فلا دعوات الإصلاح عبرت عن مضمون حقيقي للإصلاح علي النحو الذي شهدته تجارب إنسانية أخري، ولا التجارب الثورية استطاعت أن تجسد الفعل الثوري الحقيقي علي النحو الذي نشاهد منجزاته الكبري في تجارب مختلفة.لقد كون الإصلاح الذي شهدته تجارب إنسانية أخري بمجموع عناصره ونتائجه حركة تغيير تاريخية تفاعلت بعواملها الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تقترب من الفعل الثوري، بل كانت هي الفعل الثوري بشحمه ولحمه، وكانت رافعتها الإرادة الشعبية الناهضة علي قاعدة العقد الاجتماعي (كإطار سياسي وقانوني) من ناحية وتطور القوي المنتجة التي دفعت بتطور مصاحب في العلاقات والقيم السائدة من ناحية أخري.وفيما أنتج هذا النوع من الإصلاح والذي ساد في أوروبا، الدولة الديمقراطية فإن تجاربنا بشقيها الإصلاحي والثوري قد أفسحت الطريق لإعادة إنتاج الدولة المستبدة. وفيما يشبه الحركة الدائرية المولدة لشروط الأزمة الثورية لم تكن الدولة المستبدة سوي بمثابة المحرك الأساسي لدولاب هذه الحركة، حيث راحت تعيد إنتاج أزمتها البنيوية في صور شتي من عوامل التخلف والقهر الاجتماعي والسياسي والفساد وتفقد بالتالي شروط استمراريتها كمنظمة لحركة المجتمع نحو التطور والتقدم.وكان هذا واضح المعالم في عدد كبير من البلدان العربية، بما فيها تلك التي تحررت من الاستعمار وتسلمت السلطة فيها نخب وطنية عسكرية أو مدنية، عبر انقلابات عسكرية أو كفاح مسلح أو غير ذلك مما اتفق علي تسميته بالثورات. وبغض النظر عما أحدثته هذه العمليات الموضوعية من تغيرات بنيوية هامة علي صعيد الدولة المستبدة فإنها لم تلبث أن أعادت إنتاج الإستاد علي نحو لم يختلف كثيراً عن النظام الذي ثارت عليه وكان أبرز صور الدولة المستبدة تلك المتلفعة بالأيديولوجيا (الدوغما).صحيح أن هذه الدولة انفتحت علي قاعدة اجتماعية أوسع إلا أنها لم تستطع أن تمنح هذه القاعدة الحرية الكافية لإنتاج تعبيراتها السياسية والفكرية المناسبة، ولم تتمكن المنجزات الاجتماعية من تفويض الحاجة الفكرية والسياسية التي نمت علي نحو متسارع علي هامش هذه الدولة وبعيداً عن عيونها، ثم لتطوقها بعد ذلك بعدد من الاختلالات الناجمة عن الإرادة المفرطة لتشكيل المجتمع سياسياً واجتماعياً وثقافياً دون الأخذ بعين الاعتبار، تأثير العوامل الموضوعية في هذه العملية، الأمر الذي افقد هذه الدولة شروط مواصلة إنتاج المنجزات التي تمحورت حول فكرتها وبدأ الخارج يملي عليها شروط الإصلاح الذي أخذ عنواناً اقتصادياً، لكن مضمونه الحقيقي سياسي ـ اجتماعي، وكان من نتيجته أن تخلت هذه الدولة عن وظيفتها الاجتماعية فقط، دون أن تتقدم أي خطوة علي طريق الإصلاح الاقتصادي، وتحملت الطبقات الفقيرة التي كانت في الأساس قاعدتها الاجتماعية كامل العبء الذي نشأ عن تلك الإصلاحات. كانت الإصلاحات علي النحو الذي تم هي نقطة البداية في تصفية هذه الدولة، فالتي لم تشهد انقلاباً عسكرياً شهدت تحولات سياسية درامية. كلا الطريقين جاءا بنخب سياسية وعسكرية حاكمة تمثلت نموذجاً للحكم استلهمته من حاجة الخارج الذي كان يجهز دولاً بأنظمة خاصة لمواجهة حاسمة علي الصعيد الدولي. لقد اتجهت هذه الدولة، بدعم من الخارج لإصلاحاتها نحو الاقتصاد وعلي النحو الذي أنتج الفئات والأنشطة الطفيلية بما تمخض عنها من بني فوقية في الحقوق والقانون والسياسة أقل ما توصف به أنها مائعة وغير مؤسسة لقيام دولة وطنية قادرة علي مواجهة تحديات البناء الاقتصادي والاجتماعي؛ التحديات التي أشهرت في وجه الدولة المنقلب عليها.وكانت أكبر المظاهر ميوعة قد برزت في العنصر السياسي من البناء الفوقي حيث رفعت هذه النخب شعارات الديمقراطية دون أن تحدث أي تعديلات جوهرية في النظام الحقوقي الذي اتجه نحو مزيد من تقييد الحريات السياسية والثقافية وغيرها من القيود المكبلة للحقوق المدنية. وكان هذا النوع من الديمقراطية هو المعادل الموضوعي لطبيعة الإصلاحات الاقتصادية التي كانت الخصخصة واحدة من علاقاتها المعبرة عن تصفية الطابع الاجتماعي للدولة المنقلب عليها، دون وجود أي مؤشر علي أن الدافع الرئيسي لذلك كان إحداث تغييرات هيكلية جوهرية في مكونات عمليات التنمية الشاملة بقدر ما كان استجابة لضغوط خارجية هدفها تصحيح المسار السياسي بأدوات اقتصادية.لقد تلقفت نخب الحكم هذه الروشته وأعلنت حرية التجارة وحرية السوق تحت عنوان أكبر، مشوش المعني وهو الحرية الاقتصادية ودون أن تمهد لذلك بانتقال حقيقي يضمن إنتاج شروط داخلية ولو بحدها الأدني تجعل من الحرية الاقتصادية عنواناً لمرحلة جديدة من التحول السياسي والاجتماعي يؤمن تناغمها حقيقياً بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية.الذي حدث هو أن الحرية الاقتصادية جرت إعادة بنائها في إطار أنظمة شمولية مما أفقدها تأثيرها في اطلاق أنشطة إبداعية علي صعيد العملية الاقتصادية برمتها، فالحرية الاقتصادية لا تدار بالأوامر الإدارية، وإنما تقوي السوق وأدواته المالية والنقدية والاقتصادية والتي لم تكن قد تكونت علي النحو الذي يؤمن لهذه الحرية تحقيق أهدافها، وعوضاً عن ذلك فقد كرست بنية اقتصادية مشوهة طغي عليها النشاط الطفيلي وكان أن طفت علي سطح الحياة الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم السياسية فئات وشرائح من المجتمع تسيطر علي الجزء الأكبر من الدورة النقدية التي تتم خارج الاقتصاد الوطني وتمارس عليه الضغوط المتضخمة في صورة أنماط استهلاك امتصت موارده مما أدي إلي إفقار القاعدة الأوسع من المجتمع. وتمكنت هذه الشرائح والفئات من السيطرة التدريجية علي مراكز القرار السياسي بأشكال مختلفة وتحت عناوين كبيرة أبرزها ديمقراطيتها الخاصة الشكلية غير المعربة عن الإرادة الشعبية.لقد عملت بكل قوتها وبدعم خارجي علي إغلاق حلقة النظام السياسي الذي تديره عند هذه النقطة. لقد عبر هذا النمط من الدولة عن تراجع خطير في القيم السياسية التي مثلت علي الدوام حاملاً للدولة الوطنية في مرحلة معينة وأدي تحالف الشرائح التي أنتجها الاقتصاد الطفيلي مع نخب الحكم العسكرية علي وجه الخصوص إلي صياغة نظام جديد للقيم ممهدة بذلك الطريق لسياستها بتفكيك وإضعاف الإرادة الشعبية.لقد أجهزت في هذا السياق أولاً علي مفهوم المنجز الاجتماعي التقليدي بهدف ضرب وتصفية الجذر الوطني لهذه القاعدة الشعبية، واتجهت بالحرية الاقتصادية نحو مسار مغاير تماماً بتشجيع الأنشطة الريفية وأنشطة التهريب وتفكيك الروابط الداخلية للاقتصاد، ولم يتمكن هذا النوع من الاقتصاد من تخليص الوظيفة العامة من هيمنة الدولة، فقد احتفظت الدولة بهيمنتها علي الوظيفة العامة باعتبارها أداتها الفعالة في تشكيل الحياة السياسية وقمع أي محاولة للتكون السياسي خارج مظلة السلطة الحاكمة، وتناقضت بهذا موضوعياً مع حديثها عن الحرية الاقتصادية، فالحرية الاقتصادية هدفها علي المدي البعيد تأمين الشروط الضرورية للحرية السياسية. وبقدر ما تشوهت الحرية الاقتصادية، فقد تشوهت معها الحرية السياسية. لقد اخفق هذا النمط من الدولة في جعل الحرية الاقتصادية حافزاً لإنتاج شروط الحرية السياسية والفكرية. والحقيقة هي أنها لم تكن مؤهلة من الناحية الاجتماعية لاستيعاب شروط الحرية الاقتصادية التي حملتها تاريخياً طبقة برجوازيه صاحبة مشروع وطني يبدأ بالتصنيع لا بالإستهلاك ويتحرك علي قاعدة شعبية في تفاعل متبادل من إنتاج المصالح.إن ما قدمته نخب هذا النمط من الدولة من دليل علي تناقض أهدافها من الناحية الموضوعية مع الحرية الاقتصادية هو إصرارها علي قمع الإرادة الشعبية بمختلف الوسائل بما في ذلك الإفساد وتشجيع الأنشطة الطفيلية وتفكيك البني القيمية المؤهلة لمختلف منتسبي المجتمع المدني إقامة منظماتهم المهنية والنقابية والسياسية والإبداعية وان سمحت أحياناً تحت ضغوط معينة فإنها تفرغها لتبقي هياكل بلا روح وبلا تأثير، الأمر الذي أخرجها من دائرة الفعل السياسي وجسد علي نحو مروع حقيقة الإصلاح الذي قبلت به الدوائر السياسية الخارجية وهي تعمل في ظروف الحرب الباردة من أجل صياغة مركز انطلاق للمواجهة (صراع القطبين) في هذه المنطقة الهامة من العالم.لقد كانت هذه هي الصورة للدولة العربية التي كرستها عوامل ونتائج الصراع الدولي باعتبارها الإفراز الطبيعي لسياسة خارجية أخذت علي عاتقها مسؤولية تسييل المشاريع الوطنية في صراع الأقطاب علي النحو الذي لم تستطع معه الأنظمة أن تجد في نتائجه قدراً من الدليل علي أنها لم تكن صياغة مؤقتة فقدت معه هويتها وراحت تتخبط بين مواجهة التزامات هذا الخارج الذي بات يطالبها باستحقاقات جديدة مختلفة عن ظروف الحرب الباردة من ناحية والاحتقانات الاجتماعية السياسة الداخلية الناشئة عن فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتدهور الحياة المعيشية للناس، ناهيك عن قمع الحريات السياسية والفكرية من ناحية أخري. أصبحت هذه الدولة في نظر حليفها القديم عبئاً عليه، بعد أن استنفدت وظيفتها التاريخية من منظور حاجته إليها في معارك الحرب الباردة، وأضحت من وجهة نظره مصدر تهديد دائم لأمنه القومي باعتبارها منتجة للإرهاب ولم يعد في وضع يسمح له بالدفاع عن فسادها وإخفاقاتها وأزماتها المنذرة بصدامات اجتماعية وحروب وانقسامات بل وربما بثورات تأتي إلي الحكم بقوي نقيضة، تهدد مصالحه في هذه المنطقة.ويمكن القول ان هذا الافتراق شكل واحداً من شروط الإصلاح الحقيقي لهذه الدولة ونظمها السياسية في المنطقة العربية. ذلك أن الخارج الذي ظل يحميها ويحمي استبدادها وفسادها أخذ يتفق مع القوي الديمقراطية ودعاة الإصلاح. ولأول مرة يلتقي الطرفان في تقييمهما للمأزق الذي وصلت إليه، وعدم قدرتها علي مواصلة السير دون إصلاح سياسي يمهد لإصلاحات وطنية شاملة. لقد أثبتت الإصلاحات التقليدية التي تمت برعاية الدولة المستبدة وفي صورها التي عكست هروباً من معالجة المشكلة الحقيقية والكامنة في بنية النظام السياسي إلي العناصر الجزئية للمشكلة، أثبتت أنها لم تؤد سوي إلي إنتاج مزيد من عناصر تعقيد المشكلة، وكان أسوأ ما أنتجته هذه الإصلاحات الشكلية هو الفساد وتبييته في جسم الدولة. وصارت له آلياته التي تعمل بشروط وقواعد الأنشطة الطفيلية التي استطاعت أن تدفع بقواها إلي مراكز القرار السياسي في أكثر من مكان. كان واضحاً أن جذر المشكلة كامن في مكان آخر غير الاقتصاد أو الإدارة فالإصلاحات في هذا الميدان لن تولد أكثر مما تسمح به الإرادة السياسية، والإرادة السياسية في هذه البلدان قد تشابكت بمصالح قوية مع البنية الاقتصادية والإدارية القائمة في عملية دائرية أشبه بالحلقة الشريرة (المفرغة) وهذا يعني أنه لكي تصلح هذا الوضع لا بد من دخول هذه الحلقة من النقطة الرئيسية التي تتحكم في بقية حلقات الدائرة.إن النظام السياسي بآلياته المنتجة لهذه الحلقة المفرغة هو النقطة الرئيسية التي يجب البدء منها.ونحن هنا لا نتحدث عن كسر الحلقة بلغة الثوريين ولكن عن تفكيكها بلغة دعادة الإصلاح.ولكن لا تتكرر مشكلة الأزمة الثورية ومعالجتها بالانقلابات والمجيء بنخب تعيد إنتاج الاستبداد، فقد توافقت الضرورات السياسية علي أهمية السير في طريق الإصلاح من منطلق أنه يعيد الاعتبار للإرادة الشعبية ووضعها في مكانها الصحيح بين منظومة العناصر المكونة للدولة الحديثة الديمقراطية.وهو هدف مشترك لكل القوي السياسية الديمقراطية، وميدانه الحقيقي هو العمل السياسي والبرامج السياسية والاجتماعية وصناديق الاقتراع عبر انتخابات حرة ونزيهة يتقرر فيها مستقبل النظام السياسي والتداول السلمي للسلطة ومستقبل التعددية السياسية والفكرية وحرية الرأي وحرية الصحافة.والإصلاح من هذا النوع يتم من داخل المنظومة السياسية والدستورية ولكن بأدوات سياسية وفكرية وقانونية مشتقة من الحاجة الموضوعية لإصلاح النظام السياسي كحلقة مركزية في الإصلاح الشامل كما يراه دعاة الإصلاح، وعليهم من أجل ذلك النضال السلمي الديمقراطي مع الجماهير من أجل تحقيقها.والعقل الذي سيحمل مشروع الإصلاح علي هذا النحو لا بد أن يتمتع بالحرية الكافية كشرط ضروري لضمان السير بهذه العملية حتي النهاية، وبالتالي فإنه لا بد من تحريره من كل ما من شأنه أن يعطل وظيفته كحامل لهذا المشروع التاريخي.إن العقل الخائف لا يستطيع أن يصلح، والخوف هنا ليس من سطوة أجهزة القمع المادي فحسب ولكن من مراكز الإرهاب الفكرية والمعنوية أيضاً. وهي أكثر أنواع القمع استهتاراً بالعقل وأشدها تدميراً لقدراته الإبداعية.والعقل المثقل بجمود التعاطي مع كل موروث يقيم حاجزاًُ سرمدياً بينه وبين المستقبل يتعثر بمسؤولياته في بداية الطريق.إن الانطلاق نحو الإصلاح السياسي يحتاج إلي رافعة فكرية يمهد لها إصلاح هذا العقل من داخله لا من خارجه.لقد كان شرط الإصلاح في اليمن هو توافق القوي السياسية علي قاعدة الانتصار للخيار الديمقراطي الذي مثل قاسماً مشتركاً لكافة القوي الداعية للإصلاح وهذا هو الشرط الذي أخذ يتشكل في قلب عملية النضال السياسي اليومي لهذه القوي من منطلق الحاجة لميزان تنتظم في إطاره الحرية السياسية المتجهة صوب الحياة الديمقراطية، كما أن احياء روح المشروع الإصلاحي للوحدة هو غاية نضالية لا يمكن النظر إليها إلا بأنها امتداد لكفاح الحركة الوطنية التي قدمت التضحيات الجسيمة من أجل هذا الهدف النبيل.ولما كانت المنابت الفكرية لهذه القوي قد شكلت مناهجها السياسية في مراحل سابقة من الحياة السياسية اليمنية وهي المناهج التي غلب عليها الطابع الأيديولوجي الاقصائي فإن أول إصلاح حققته هذه القوي قد عالج المسألة الفكرية المرتبطة بقضية الخيار الديمقراطي والحريات والقبول بالآخر، والتعايش علي قاعدة التنوع والتعددية السياسية والفكرية. ومن الطبيعي أن يكون الانتقال السياسي أسرع من الانتقال الفكري، إلا أن العناصر الحاسمة في هذه العملية قد سجلت علي صعيد الواقع العملي حراكاً إلي الأمام لقاطرة الانتقال من الخنادق الأيديولوجية إلي الحياة السياسية بإيقاعات الناظم الديمقراطي، وهذا يعني أن القوة المؤثرة في عملية الانتقال قد حسمت لصالح الديمقراطية الأمر الذي أثار حفيظة السلطة الحاكمة لأسباب تتعلق بالموقف من الديمقراطية.وطابع المفارقة في الموقف هنا جدلي في الأساس، ونقد الموقف لا يحمل إدانة من أي نوع بقدر ما يعني تفكيكه إلي عناصره الأساسية ليتسني لنا تحليله بموضوعية ونحن نتحدث عن أهمية الإصلاح السياسي.إن السياسي الذي يضع رغباته موضع الحقائق هو سياسي صالونات، هناك يستطيع كيف شاء أن يسقط الواقع علي رقعة رغباته التي تتسع وتضيف وفقاً للحالة الذهنية التي يكون عليها، أما النضال في الواقع فله شروط مختلفة تماماً.من هنا يصبح تحليل هذا الواقع بموضوعية شرط حاسم في اختيار أدوات النضال، فالدولة ونظامها السياسي في اليمن بما يزخر به من ضيق بالديمقراطية ليست استثناء عندما يتعلق الأمر بنشوء الدولة العربية والعوامل التي تحكمت في هذه العملية، كما أن عدم الاستقرار الذي صاحب هذه الدولة العربية يعود في الأساس إلي عدة أسباب منها أن طابعها انتقالي لم يتأسس علي شرعية ثابتة مستمدة من الإرادة الشعبية وأن وظيفتها بسبب ذلك لم تستقر علي حال فقد كانت تنحو بسبب الروابط الخارجية الناشئة عن استحالة استمرار النظام السياسي بدون دعم خارجي إلي إبهات الطابع الوطني لهذه الوظيفة استجابة لرغبة الخارج، أما مراكز الحكم فقد كانت الشرعيات الانتقالية تمنحها صلاحيات مطلقة ولا تعني بمحاسبتها، مما يوفر شروطاً مغرية للتآمر علي الحكم باعتباره مغنماً لا يقابله أي مغرم. ولذلك فقد ظلت مراكز الحكم موضوع صراعات داخلية وانقلابات دموية وتآمرات أرهقت الشعوب واستنزفت مواردها وعطلت طاقاتها وإبداعها، وتوقفت عملية التطور من مستويات متدنية بما لا يسمح بتوليد فرص عملية إعادة إنتاج موسعة تستوعب ولو القدر اليسير من الحاجات المتجددة للناس مما أدي إلي اتساع الفجوة بين القدرة الكلية للاقتصاد وحاجة المجتمع، ناهيك عن تسارع الاستقطاب الطبقي بين الفقر والغني وثلاشي الطبقة الوسطي باعتبارها حامل مشروع التسوية الاجتماعي الذي لا غني للمشروع السياسي الديمقراطي عنه. من زاوية أنه المنظم الفعلي للحراك الاجتماعي بعيداً عن دائرة الصراع التي من الممكن أن يقود إليها مثل هذا الاستقطاب. لقد كان كل هذا كفيلاً بإيصال المجتمع إلي حالة من الجمود بل والتراجع عن الحد الأدني لمعايير قياس الكفاءة والأداء التي تستخدمها المنظمات الدولية. إن مركز الحكم بطبيعته الاستثنائية في الدولة العربية عموماً يلعب الدور الأعظم في المجري العام لعملية التطور الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك فإنه يصبح من المستحيل عند تخيل واقع هذه العملية واتجاهاتها وما وصلت إليه من طريق مسدود، إهمال هذا العنصر الحاسم وهو ما يعني أن الحديث عن الإصلاح يصبح لا معني له إذا لم يبدأ من هذا المركز من خلال إعادة بنائه موضوعياً في الإطار العام لفكرة الإصلاح أولاً ومشروعه ثانياً، وهذا في حقيقة الأمر ما عكسه مشروع الإصلاح السياسي والوطني للقاء المشترك والذي تناول هذه المسألة من الناحية الموضوعية.ہ الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني والمادة ورقة قدمها لندوة التداول السلمي للسلطة، نظمتها منظمة (صحافيات بلا قيود) بصنعاء8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية