ورشة تنقيب في أسطورة جلجامش بين دمشق و مسرح الشمس الباريسي: الانطلاق من الارتجال إلي النص ساهم برفع الجرعة الكوميدية
أنور بدرورشة تنقيب في أسطورة جلجامش بين دمشق و مسرح الشمس الباريسي: الانطلاق من الارتجال إلي النص ساهم برفع الجرعة الكوميديةدمشق ـ القدس العربي في إطار المرحلة الأخيرة من برنامج التعاون بين المركز الثقافي بدمشق ومسرح الشمس في باريس بإدارة آريان مونشكين ، تابعنا لثلاثة أيام متتالية عرض جلجامش- ورشة تنقيب علي خشبة مسرح اتحاد نقابات العمال بدمشق، وهو العرض الذي توّج دورتي محترفات في أيار/ مايو- 2004 وشباط/ فبراير- 2005 في مسرح الشمس/ كارتو شري فنسين، حيث أتيح لمجموعة من الممثلين السوريين الانخراط في الحياة اليومية وتجارب الارتجال والتآلف مع أشكال مسرحية تقليدية، وبشكل خاص مسرح الكاتاكالي المعروف في جنوب الهند. وإذا كان فن الكاتاكالي يعتمد علي الأقنعة والرقص والأداء الحركي للجسد لرواية قصص وأساطير مشابهة لملحمة جلجامش، فإنّ العرض الذي شاهدناه استفاد من هذه العناصر- بدون قناع- إضافة لنجاح الممثلين السوريين بإدارة كاترين شوب في تبيئة مسرح الشمس سورياً، وكما أوضح الفنان جمال شقير الذي أدي دور أنكيدو لقد حاولنا إسقاط مجموعة خبراتنا علي النص، نحن لم ننطلق من النص إلي العرض، بل انطلقنا من التجريب والارتجال باتجاه النص، ودمجنا عدة عناصر من المسرح القديم- الكاتاكالي- ومن سواه، مما شكل إضافة وتعاملا جديدا مع النص الملحمي، حتي أنّ الغناء في بداية العرض هو غناء سومري وليس بابلياً .قالت كاترين شوب في المؤتمر الصحفي الذي أعقب العرض: إنّ هذا النمط من العمل المسرحي يحتاج إلي جهد جماعي في العمل علي النص وصولاً للإخراج ، مضيفة إنّ معرفة الأشكال المسرحية التقليدية- وفي هذه الحالة الكاتاكالي- تساعد الممثل بشكل كبير علي تمثيل وتجسيد النصوص القديمة الملحميّة أو التراجيدية، وممارستها تنتقل بالعدوي وبشكل رائع ضمن العمل الجماعي . لذلك اكتفت كاترين شوب بتوقيع الإدارة الفنية وتصميم الرقص، ولم تحتكر الإخراج لنفسها.وكاترين شوب التي انضمت لفرقة مسرح الشمس عام 1985 تعتبر الآن من ابرز عناصره، حيث صممت رقصات جوقة التراجيديات الإغريقية التي أخرجتها آريان مونشكين ، وفيما بعد مع المخرجين بول غولوب- سيمون ماك بيرتي- وسيمون آبكاريان ، وهي تعتبر أنّ المسرح والرقص فنان مرتبطان بشكل وثيق.تقول حول عرض جلجامش: عدنا إلي ورشتنا كممثلين وبدأنا التنقيب علي غرار علماء الآثار، وبواسطة التاريخ ارتقينا إلي أصول الكتابة، وبواسطة الكاتاكالي ارتقينا إلي أصول المسرح ونقبنا في قلب الإنسان، في مشاعر البطولة والخوف، الحب والكراهية، الحكمة والغضب، الحياة والموت…. باعتبارها المواضيع الجوهرية لوجودنا .كما أكدت أنّ ملحمة جلجامش بالأساس ليست نصّاً مسرحياً، لكننا كممثلين استخدمنا أدواتنا الطبيعية لسرد مقاطع من هذه الملحمة، متسائلين: كيف يُمكن أن نقدّم هؤلاء الأبطال الأسطوريين مع الوسائل التي وهبتنا إياها الطبيعة من غناء وموسيقي ورقص؟ نقطة البداية كانت في وعينا للعلاقة مع الجمهور، إذ حاولنا أن نقدم له فناً ونتشارك معه بتحريض الخيال، بشرط أن لا ننسي أننا ممثلون علي خشبة العرض في النهاية، كما ابتعدنا عن الفردية، لم نكن بصدد تقديم أفراد لأنّ جلجامش عمل ملحمي وجماعي .النص المعتمد في العرض من ترجمة الباحث السوري فراس سواح، وهو يحكي عن العلاقة بين البشر والآلهة القديمة في أثناء رحلة جلجامش للبحث عن الموت… وصولاً إلي الخلود المنشود، وكيف خلقت تلك الآلهة أنكيدو الذي رضع من وحوش البراري وعاش معها ليعادل قوة وبطش جلجامش، لكنهما تآخيا في معاركهما اللاحقة، وكان أنكيدو لجلجامش الخل الوفي والصديق الند والحبيب، حتي قضت الآلهة بموت أحدهما، وإذ كان جلجامش من نسل الآلهة، فليحق الموت علي أنكيدو.بررت كاترين شوب اختيارها هذا النص الذي يعود لخمسة آلاف سنة تقريباً، بمحاولة الدفاع عن المسرح، وبأنه ليس فناً ميتاً، بل هو أساسي جداً، وقد بدأ مع الإنسان البدائي، و هذا النص ما زال يلقي صداه حتي الآن، لأنه يتحدث عن مشاعر إنسانية ما زالت مستمرة حتي الآن، فرغم التطوّر والحضارة والمكتشفات التكنولوجية ما زلنا نشعر بالحب والكراهية، أو بالفرح والحزن، بنفس الطريقة التي عرفها الإنسان البدائي. .كما أنّ ملحمة جلجامش تعتبر من أولي النصوص المقدسة التي اكتشفت عبر التاريخ، وإن حاول العرض التعاطي مع بُعدها الأسطوري، وبشكل خاص في حوارية رشيقة بين الآلهة، ساهمت بتحطيم ذلك البعد المقدس للنص، وقد توافر في العرض مقدار عال ٍ من الجرأة في تناول هذه الملحمة، كما اشتغل الممثلون علي نمط من الارتجال ساهم بكسر الحالة الدرامية، فكان أحدهم يخرج عن الدور حين يلقي بنكتة ما، أو يصحح عبارة لزميله الممثل، ثم يعود للدور، مما أوجد شكلاً من التغريب أو كسر الإيهام الدرامي، لكنه ساهم برفع السويّة الكوميدية للعرض قياساً علي مشروع العرض الذي قدّم في العام المنصرم. وحول هذه النقطة أكدت كاترين شوب أنّ العمل ككل أعيد طرحه بشكل مختلف وبشكل أعمق، و قد وجدت جرعات كوميدية في المشاهد الأخيرة قد تميل إلي التهريج، لكننا إذا حلّلنا النصوص التراجيدية اليونانية عند إسخيلوس مثلاً سنكتشف دائماً وجود موقف كوميدي قبل الموت .ومع ذلك تقول كاترين: إنّ الهدف من هذه المواقف الكوميدية كان في استجلاء أغوار النفس الإنسانية أكثر مما هو سعي للإضحاك أو لتقديم عمل هزلي، وكنا نجد أنفسنا في الكثير من المواقف الطريفة إن صح التعبير. كما ساهمت بعض المواقف والتعليقات بكسر حالة الإيهام، لأننا نروي مقاطع من تلك الملحمة ولا نمثل تلك البطولات، ولسنا بصدد عمل أطروحة عن جلجامش، لأننا بالأساس لا نعمل علي نص مسرحي، ولا توجد علامات إخراجية تساعدنا في مسرحة هذا النص، وبالتالي كنا أحراراً في اقتباس ما نشاء من النص، وإعداده إخراجياً، أو تقديم رؤيتنا نحن من خلاله، وهذه الحرية تقود الفنان مخرجاً وممثلاً إلي الإبداع والابتكار، وبشكل خاص فيما يتعلق بحركة الجسد، ومنحه قدرات تعبيرية أعلي .يُذكر أنّ هذا العرض سيقوم بجولة في بعض المحافظات السورية (السويداء- اللاذقية) كما سيقوم لاحقاً بجولة عربية في اليمن وتونس، وستكون نهاية المطاف في فرنسا مسرح إيبي دوبوا في كارتو شري فنسين بتاريخ (19 ـ 20 ـ 21 نيسان/ أبريل 2006) وهي نهاية منطقية للتعاون بين هذا المسرح وبين المركز الثقافي الفرنسي بدمشق، علماً بأنّ العمل والجولة الدولية له قد استفادا من دعم مجلس الشيوخ الفرنسي، ومن تمويل مفوضية البعثة الأوروبية بدمشق.بطاقة العمل: العرض: جلجامش- ورشة تنقيبالإدارة الفنية وتصميم الرقص: كاترين شوبالتأليف الموسيقي: نعمي عمرانتمثيل: أمل عمران- جمال شقير- حلا عمران- كامل نجمة- مازن عباس- نعمي عمران- مصطفي الخاني وناندا محمد.مسؤولة الإنتاج: ريم خطابإضاءة: ربيع شقير0