لندن – “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا لمراسلها في إسطنبول كريم فهيم قال فيه إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي وسع من مشاركاته العسكرية للتأثير في شمال إفريقيا والقوقاز اعتمد على سلاح قوي لحرف ميزان الحرب وفي الوقت نفسه تعبئة الدعم الشعبي له وهو: الطائرات المسيرة المصنعة محليا.
وكان أثر هذه الطائرات جوهريا ولعبت دورا مهما في الأشهر الأخيرة بحرف ميزان الحرب لصالح الحكومة الليبية التي تدعمها تركيا في طرابلس. وساعدت أذربيجان، حليفة تركيا، في الانتصار على القوات الأرمينية في إقليم ناغورو قرة باغ. وفي شمال سوريا لعبت الطائرات المسيرة دورا مهما في سلسلة من الهجمات المدمرة على قوات النظام السوري المدرعة والتي أدهشت المراقبين العسكريين وساعدت على وقف الحملة العسكرية لقوات النظام السوري ضد آخر معقل للمقاتلين في محافظة إدلب.
وفي تركيا أصبحت الطائرات المسيرة رمزا للإبداع التكنولوجي التركي والاعتماد على الذات وزادت من الثقة بالنفس وسط تراجع اقتصادي وتوتر في علاقات أنقرة مع حلفائها في الناتو. لكن النجاحات التركية في السياسة الخارجية تمثل تحديا لإدارة جوزيف بايدن المقبلة: ما الذي يجب عمله مع سياسة تركيا التوسعية والتي وضعتها في مواجهة مع عدد من حلفاء الولايات المتحدة بمن فيها اليونان والإمارات العربية المتحدة؟
ويقول جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق في أنقرة وعمل حتى وقت قريب مبعوثا لإدارة دونالد ترامب في سوريا، إن التوسع في السياسة الخارجية التركية أعاق الطموحات الروسية في مناطق مثل سوريا وليبيا و”هذا أمر ليس سيئا”. وفي نفس الوقت “يخيف أردوغان معظم من في الشرق الأوسط.. فهو متقلب وطموح ويتحرك في الفراغ”. وأدى التطور السريع في مجال الطائرات المسيرة لجعل تركيا منافسا لمنتجي الطائرات المسيرة غير المسلحة مثل إسرائيل والصين. وأثارت قلق منظمات حقوق الإنسان من وقوع ضحايا مدنيين أثناء استهداف المتشددين عبر الحدود والقتل المستهدف. وأعلنت شركتان أجنبيتان زودتا تركيا بمكونات للطائرات المسيرة في الأسابيع الماضية عن تعليق مبيعاتها لتركيا، قائلة إن منتجاتها هي للأغراض السلمية.
لكن الطائرات المسيرة لم تثر أي جدل داخل تركيا فهي مصدر للفخر الوطني ومثال عن قدرة تركيا الاعتماد على نفسها، كما يقول البروفيسور أحمد قاسم هان، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ألطينباس في إسطنبول. وكانت أول إشارة عن قدرة الطائرات المسيرة قد حدثت في الشتاء الماضي بعد مقتل 36 جنديا تركيا فيما قالت أنقرة إنها غارات سورية على محافظة إدلب، وهي أعلى نسبة قتل تتكبدها تركيا منذ عقود. وردت تركيا بعملية انتقامية استخدمت فيها المدرعات والمصفحات وتم “تحييد” مئات من الجنود السوريين. وكشفت الصور التي التقطت من الجو سلسلة من الأهداف التي دمرت. وأخبر المسؤولون الأتراك الصحف أن العمليات العسكرية نفذتها “أسراب” من الطائرات المسيرة.
وفي الوقت الذي يقول فيه المحللون إن التقارير التركية مبالغة إلا أن العملية أظهرت قدرة تنسيق الطائرات المسيرة مع الأسلحة التقليدية الأخرى. وقال شان كسابوغلو، مدير معهد إيدام لدراسات الأمن والدفاع: “كان هذا اختراقا مفهوميا” و”دمجت تركيا أنظمة الصواريخ والبطاريات المدفعية مع الطائرات المسيرة”. واتفقت بعد أيام روسيا التي تدعم النظام السوري وتركيا على وقف إطلاق النار في إدلب وأوقفت تقدم قوات النظام الذي هدد حياة ملايين المدنيين في الإقليم. وقال هان إن أنقرة تعلمت من دروس العملية في إدلب: “كسرت تركيا ظهر النظام السوري وهو ما أعطاهم الثقة” أي الجيش التركي و”مع زيادة الثقة تتغير نظرتك للمشكلة التالية ويصبح اللجوء للأساليب الإكراهية سهلا”.
ويرتبط تطور الصناعة الدفاعية التركية بحظر تصدير السلاح بعد تدخل تركيا في الحرب بجزيرة قبرص عام 1975، واعتبر حظر السلاح صدمة استراتيجية في نظر النخبة التركية، كما يقول كسابوغولو. وبدأت صناعة الطائرات المسيرة بعد توقف أنقرة عن شراء الطائرات الإسرائيلية لأسباب سياسية ومنعت من شراء الطائرات الأمريكية بريدتور. وفي تعليقات لرئيس الصناعة الدفاعية التركية إسماعيل ديمر بمعهد في واشنطن، عام 2016، شكر الولايات المتحدة على حثها برنامج الطائرات المسيرة وقال إن صعوبة الحصول على الطائرات الأمريكية المسيرة “أجبرتنا على تطوير طائراتنا”.
وساعد سلجوق بيرقدار، المهندس الذي درس في معهد أم أي تي الأمريكي، على تحويل شركة عائلته لمزود إلى الجيش التركي وطائرته المسيرة تي بي 2. ودفعت هذه الطائرة التي تستطيع الطيران لـ 27 ساعة مجهزة بذخيرة موجهة بالليزر إلى جعل بيرقدار، وهو صهر أردوغان، بطلا وطنيا ووجه تركيا في مغامراتها العسكرية. وعلق أردوغان العام الماضي أن بلاده بدأت بإنتاج نسبة 20% من الطائرات بدون طيار وأصبحت تنتج الآن نسبة 70% من مكونات الطائرات هذه. وتهدف تركيا كما يقول للوصول إلى مرحلة “لن نحتاج فيها لأحد”. وكانت تعليقاته أو بعضها موجهة للولايات المتحدة التي هددت بمنع تركيا امتلاك مقاتلات أف-35 التي تشترك بتطويرها بعد شرائها نظام أس-400 من روسيا.
وفي الوقت الذي أصبحت فيه السياسة التركية أكثر استكشافا باتت الطائرات المسيرة تلعب دورا مهما فيها. فهي لا تحتاج لمصادر بشرية كثيرة ولا تؤدي إلى خسائر تركية بشكل يعبئ المعارضة السياسية الداخلية. وبعد أشهر من عملية إدلب نشرت تركيا طائراتها المسيرة في منطقة بعيدة في المنطقة الغربية من ليبيا. وتدخلت تركيا في الحرب الليبية إلى جانب الحكومة بطرابلس لمواجهة التأثير الإماراتي الداعم للجنرال المتمرد خليفة حفتر.
ويرى ولفرام لاتشر، الخبير بالشؤون الليبية بالمعهد الألماني للشؤون الأمنية والدولية، أن جزءا من تدخل تركيا كان منع دولة معادية لها من الحصول على قوة في الشرق الأوسط. وكان استخدام الطائرات المسيرة في ليبيا. ولم تقدم تركيا الدعم العسكري لحلفائها في طرابلس إلا بعد موافقتهم على معاهدة ترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الطاقة في البحر المتوسط. ولم توفر تركيا أي جهد عسكري لدعم طرابلس، فنشرت الطائرات المسيرة لإرباك الجيش الوطني الليبي واستعانت بالمقاتلين السوريين. وجاءت اللحظة عندما شنت تركيا هجوما في أيار/مايو أسهم في سيطرة قوات الحكومة على قاعدة الوطية وأنهى حصارا استمر لعام أو يزيد للعاصمة طرابلس. ثم جاء التطور الجديد في ناغورو قرة باغ الذي أعطى دورا للطائرات التركية المسيرة.
واستخدمت الحكومة الأذرية طائرات بيرقردار تي بي2 وكاميكاز الإسرائيلية لضرب الدفاعات الأرمنية. وبحسب تقدير خسرت أرمينيا 200 دراعة و90 عربة مصفحة و182 قطعة مدفعية. وأعطت سيطرة أذربيجان على نسبة 40% من ناغورو قرة باغ انتصارا استراتيجيا لتركيا. إلا أن روسيا استفادت من النزاع بلعب دور صانع السلام، وبعد توقيع الاتفاق أحبطت موسكو محاولات تركيا إرسال قوات حفظ سلام. وفي مناطق أخرى كافحت تركيا لتحويل انتصارات المعركة إلى نجاح كما في إدلب حيث لم يتغير فيها الوضع، ذلك أن النظام السوري الذي تدعمه روسيا مصمم على استعادة المحافظة.