بغداد ـ «القدس العربي»: أصدر «مرصد الحريات الصحافية» في العراق، تقريراً بشأن قانون الجرائم الإلكترونية، حيث سلط الضوء على «الثغرات» فيه، خصوصاً، في ظل وجود مواد صيغت بعبارات «فضفاضة وعمومية».
التقرير، بين أن «السعي لتشريع قانون جرائم المعلوماتية، جاء في أعقاب حملة شرسة استهدفت الحريات الصحافية، خلال العامين الماضي والجاري، قُتل خلالها صحافيين اثنين هما أحمد عبد الصمد ومصوره صفاء غالي في محافظة البصرة جنوبي العراق، واغتيال الخبير الأمني المعروف هشام الهاشمي واختطاف الصحافي توفيق التميمي والكاتب والناشر مازن لطيف في بغداد، مع حرق مقار وسائل إعلام محلية وأجنبية عاملة في العراق وترويع العاملين فيها وتهديدهم الأمر الذي اضطر بعضهم إلى مغادرة مدنهم أو الهجرة لدول أخرى».
«سيئ الصيت»
وزاد: «في حين لم تتوصل الجهات الأمنية والقضائية بعد إلى المتورطين في أشرس حملة تضييق على حرية الصحافة والتعبير عن الرأي شهدها العراق قبل أشهر، يتحدى البرلمان العراقي الرأي العام المحلي والدولي بحراك، مفهوم الدوافع، لتشريع قانون جرائم المعلوماتية سيئ الصيت».
وحسب المرصد «يتضمن القانون، الذي طرحت مسودته الأولى في الدورة البرلمانية السابقة (2010 ـ 2014) وسُحبت لاحقاً، مواداً عدة تفرض في النهاية تكميم الأفواه وإسكات أي صوت معارض أو منتقد لمشاكل تقع ضمن قضايا جوهرية تمس الحياة العامة في العراق».
وبين أن «بعض هذه المواد التي تمت صياغتها بعبارات فضفاضة وعمومية، كما أقرّ عدد من النواب، ولم تجرِ مناقشتها مع المعنيين سواءً صحافيين أو منظمات حقوقية، تفرض عقوبات تصل إلى السجن مدة 10 سنوات، وفرض غرامات بالملايين على من دخل عمداً موقعاً أو نظاماً أو أجهزة الكومبيوتر أو ما في حكمها بقصد الحصول على معلومات تمس الأمن القومي أو الاقتصاد الوطني، دون أن يوضح أكثر. ورد ذلك في الفقرة ثالثا من المادة الخامسة لمسودة القانون».
كما يحتوي القانون «مواد تعطي إمكانية أن تعتبر السلطات المعنية والقضاء العراقي، على سبيل المثال، الحديث عن انتهاك قد يقوم به عنصر أمن بحق مواطن أو سجين أو متظاهر مساساً بالأمن الوطني، وكذلك عند انتقاد السياسيات المالية والاقتصادية وبيان وجود خلل ما أو قصور فيها، وكذا الحال عند الكشف عن حالات فساد حصلت أو قد تحصل مستقبلاً».
يشار إلى أن العراق جاء في المرتبة السادسة عربياً والـ13 عالمياً، كأكثر دول العالم فساداً وفق ترتيب أصدرته منظمة «الشفافية العالمية» عام 2019.
ويأتي السعي لتشريع قانون «جرائم المعلوماتية» في أعقاب حملة شرسة استهدفت الحريات الصحافية، خلال العامين الماضي والجاري.
كما أدرج في الفقرة الرابعة من المادة (8) ضمن مسودة القانون قانون «جرائم المعلوماتية» الذي يعتزم البرلمان تشريعه، فرض عقوبة السجن لمدة تتراوح ما بين 7-10 سنوات مع فرض غرامات مالية بحق من يستخدم شبكة الإنترنت بـ«قصد الاعتداء على المبادئ والقيم الدينية أو الأسرية أو الاجتماعية».
ويرى المرصد ـ غير حكومي ـ أن «لم يوضح كاتب مسودة القانون تلك النقطة بأبعد من ذلك، الذي أقرّ نواب في البرلمان لاحقا أن ما يعنيه بتلك (المبادئ والقيم) أعرافاً منها الثأر العشائري أو جرائم (غسل العار) ونحوها، إضافة إلى بعض (النصوص الدينية) التي تبيح دماء وأموال الآخر المختلف».
«شرخ كبير»
ويصف القاضي رحيم العكيلي، رئيس هيئة النزاهة العراقية الأسبق، مشروع القانون أنه «خطر جداً» محذراً من أنه سيكون «شرخاً كبيراً في حرية التعبير إذا شُرع، وحراباً قاسية بيد السلطة لطعن أي متحدث أو معبر عن رأي».
وأكد على أن «أهمية القانون لا تعني القبول باستخدامه حجة لمصادرة الحريات وتكميم الأفواه» موضحاً أن الانتقاد لا ينصب على القانون كأصل بل على «صياغاته الفضفاضة وتعابيره غير المنضبطة، التي ستجعلنا جميعاً تحت حراب الاستبداد والتعسف والقمع والتنكيل باسم القانون».
وقبل 4 أيام، كتب مقدّم البرامج السياسية محمد جبار منتقداً الحراك البرلماني لتشريع «جرائم المعلوماتية» قائلاً إن حرية التعبير «الشيء الوحيد» الذي كانت الطبقة السياسية «تمّن» به على العراقيين بعد 2003، ستصادر من خلال هذا القانون، مضيفاً أن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي سيشعرون عند دخولهم إلى هذه المواقع، بعد تشريع القانون، أنهم دخلوا إلى مكتب مكافحة إجرام.
وفي 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 أعلنت الدائرة القانونية في مجلس النواب إقامة دعوى قضائية لدى محكمة تحقيق الكرخ في بغداد ضد إعلامي يعمل في قناة «زاكروس» العربية بتهمة «التطاول على رصانة المؤسسة التشريعية وعلى أعضاء المجلس» قائلة إن «مجلس النواب والقضاء العراقي سيكون له القول الفصل في الحد من التجاوز والتشهير الذي يصدر بحق المؤسسة التشريعية».
لائحة سوداء
ومنذ عقد مضى و«مرصد الحريات الصحافية» يقف بالضد من قانون «جرائم المعلوماتية» الذي ألغي تشريعه عام 2013 بمبادرة من قبل رئيس لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان السابق، عن كتلة اتئلاف «دولة القانون» علي الشلاه. وأكد المرصد أنه «يجدد موقفه الرافض لهذا القانون بعد طرحه مرة أخرى».
واعتبر المرصد أن دفع قانون «جرائم المعلوماتية إلى التشريع، جاء في ظل النقاش الحافل على مواقع التواصل الاجتماعي حول الأوضاع السياسية في البلاد بعد تظاهرات تشرين 2019 التي اتخذ الكثير من الزعماء السياسيين موقفاً سلبياً إزاءها، وكذلك بشأن الانتخابات المقبلة ومدى إمكانية إحداث تغيير في وجوه الطبقة السياسية الحاكمة منذ «2003.
وبين أن كلّ «نائب يروج لتشريع قانون جرائم المعلوماتية، الذي ناقشه البرلمان، سُيدرج اسمه في لائحة سوداء يعدّها المرصد لهذا الغرض ويضعها تحت مرأى المنظمات الحقوقية العالمية».
في السنوات القليلة الماضية، لاحظ المرصد «تضييقاً مارسته أجهزة رسمية مدنيّة وعسكرية من أجل السيطرة على المعلومات والحد من حرية الصحافة، إذ سعت هذه المؤسسات، من خلال جهود مستديمة، الى فرض قيود على تدفق المعلومات والهيمنة على شبكة الإنترنت، بالتعاون مع وزارة الاتصالات والحد من مستوى المعرفة لدى سكّان العراق، وفرض الرقابة والسيطرة على الشبكة الدولية للمعلومات الإنترنت في البلاد وحجبت مواقع الكترونية تابعة لمؤسسات إعلامية إخبارية».