الفيلم السينمائي الروائي، على وجه التحديد، ليس سوى نص بصري إبداعي يحمل في مستويات تركيبته الفنية، رؤية ذاتية إزاء العالم المحدد الذي يرصده، لكنه لا يبوح بشكل مباشر بما يضمره خطابه، بل يمنح مساحة مفتوحة من الحوار بينه وبين المتلقي، لاكتشاف دلالات جديدة في مستويات بنيته القائمة على فعل الانزياح، وفق هذا المنظور فإن الفيلم يمارس دوره في تهيئة المتلقي حتى يستقبل الرؤية الموجهة إليه، وصولا إلى ملامسة ثقافته وإحداث التغيير فيها، على مستوى الذائقة والأحاسيس والوعي، بمعنى أن الفيلم يلعب دورا حيويا في تحديد موقعنا من هذا العالم، وأهمية هذا المعنى تأتي من بنيته الفنية، والكيفية، التي يتشكل فيها خطابه، فالشكل يمثل بؤرة مركزية في الإيفاء بما يمكن أن تفضي إليه رؤية صانع الفيلم، نظرا لما يمتلكه من إمكانات فنية توفر للمتلقي المتعة، وما ينتج عنها من تواصل وجداني، ولن يخرج عن إطار هذا الفهم في القراءة النقدية الفيلم الأمريكي «mosul» الذي انتجته شركة نتفليكس عام 2019 والذي عرض مطلع عام 2020 لأن حكايته ورغم مبناها التقليدي، وعلى ما جاءت عليه من شكل تبسيطي، فقد اختزلت بين مشاهدها رؤية سعى من خلالها المخرج إلى تمرير اللاواقعي عبر فعل يبدو واقعيا.
عنوان فضفاض
بدءا يمارس عنوان الفيلم «mosul» دورا تضليليا على المتلقي بشكل مسبق، حيث يضعه في اطار محدد وفضفاض في آن، فقضية مدينة الموصل بفصولها الملتبسة ومآلاتها، أمست مخزونة في الذاكرة العالمية، مع أن ستار النهاية لم يسدل عليها بعد، ولم تعد هذه المدينة مجهولة لكل من يسمع بها، وفي الحال تستحضر ذاكرته الإنسانية صور الموت الجماعي والاغتصاب والإرهاب التي عاشها سكان هذه المدينة العراقية، منذ أن سقطت في العاشر من يونيو/حزيران 2014 تحت سلطة تنظيم الخلافة «داعش» بذلك يكون عنوان الفيلم قد حدد للمتلقي أفقا من التصورات الفنية التي يتوقع مشاهدتها، على اعتبار أن قيمة وأهمية الحكاية في السرد السينمائي ليست في إعادة سردها، إنما في كيفية سردها، وربما قد تساهم هذه الكيفية في بلورة أفكار جديدة تتعلق بمحنة هذه المدينة، انطلاقا من الفهم العام لدى جميع المتلقين، من أن الفن السينمائي بما يمتلكه من تقنيات في السرد، قادر على أن يمنح الحكاية المتداولة مسارا آخر غير مسارها في الواقع الذي استُلهمت منه، وهذا يتأتى عبر الحبكة التي ترسمها خطوط السيناريو، بالتالي فإن أي تناول سينمائي للحكاية الشائعة، لا بد له من أن يتعامل مع المادة ذات المرجعية الواقعية، اعتمادا على ما تملكه سلطة التخييل من إمكانات لا حدود لآفاقها في إعادة بناء الأحداث وصياغتها فنيا، وعدم السقوط في دائرة استنساخ الواقع، ومحصلة ذلك أن سياق الأحداث وبناءها دراميا لن يصب في إطار الأفكار المخزونة في ذاكرة المتلقين، إنما ستنتقل عبر حبكة الفيلم إلى صياغة جديدة يرتجى منها أن تضعنا في مواجهة نقدية أمام أنفسنا، وقد تدفعنا إلى أن نعيد النظر لما نحمله من تصورات، وهنا يبرز السؤال: هل استكمل فيلم «mosul» هذه المهمة الفنية باعتباره عملا إبداعيا؟ وللإجابة على هذا السؤال ستكون قراءتنا للشكل الفني الذي صيغت بموجبه حكاية الفيلم عونا لنا في هذا المسعى.
نمطية الحكاية وجاهزية الشكل
مختصر حكاية الفيلم أن وحدة قتالية تابعة للشرطة الاتحادية العراقية ينتمي معظم أفرادها إلى مدينة الموصل يسعون وبقرار فردي من قائد المجموعة إلى أن يثأروا لأنفسهم من تنظيم الخلافة، أثناء عملية تحرير المدينة، بعد أن كان التنظيم قد تسبب في مقتل عدد من أهاليهم وأقاربهم.. من هنا نجد أن المتن الحكائي كان على درجة من الضعف في التعامل مع موضوع الصراع الفعلي المجسد على أرض الواقع، طالما قد اختزله بمسألة الثأر الشخصي، بمعنى أنه لم يكن محكوما بمادة درامية مركبة من خطوط فكرية متقاطعة، كما تعكسها طبيعة الصراع القائم بين تنظيم الخلافة، وبقية أطراف الصراع في الواقع، إضافة إلى أنه استنسخ في معالجته الفنية صورة نمطية من ذاكرة السينما الأمريكية في تعاملها مع موضوع الحرب محورها «الاكشن» وهكذا انحرف السيناريو إلى زاوية الخضوع لما هو جاهز ومستهلك في المعالجات الأسلوبية مستجيبا بذلك لمنطق شباك التذاكر، الذي تتقن السينما الأمريكية قراءته واستحضاره باحترافية عالية، لكن على حساب التفريط بما يمكن أن تفضي إليه أي مغامرة فنية من قراءة جديدة للقضية المطروحة، وعلى ذلك بقيت الحبكة الدرامية محكومة ببساطة الفكرة، التي تهيكل فيها السيناريو، وكان من المنطقي أن يأتي الشكل الفني على تلك الصورة النمطية التي كرستها السينما الأمريكية في أفلام الـ Action .
إن معركة تحرير مدينة الموصل، التي تشكل خلفية أساسية للحدث الرئيس للفيـــلم، اضطلعت فيـــها بدور رئيـــس قوات مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، ولم يكن للميليشيات التابعـــة للحشـــد الشـــعبي وبعناوينـــها الصريحـــة أي دور فيها، لأن دورها كان قد اقتصر على الأقضية والنواحي التي تبعد مسافة بعيدة عن مركز المدينة.
الأفق الدرامي للحوار
في أي عمل إبداعي يكون الشكل بمثابة الجَسَد الذي يستوعب المحتوى ويعبر عنه، بما يحمله من وظائف يسعى الفيلم إلى إيصالها عبر عناصره الفنية، وما تضمنه محتوى هذا الفيلم من أفكار كان على درجة من التبسيط، لا تنسجم مع موضوع معقد تختفي بين سطوره مآس إنسانية وأسرار مرتبطة بدهاليز السياسة، فلا غرابة إذن في أن يجيء التناول الشكلي لهذا الفيلم متهيكلا وفق بنية هوليوودية، من غير أن يكون هناك اهتمام بدواخل الشخصيات، والانعطافات التي قد تمر بها نتيجة ما يصادفها من مفارقات في مسار الحبكة الدرامية. وفي هذا المنحى لم يذهب الحوار أيضا بالاتجاه الذي يُدخل المتلقي إلى مناطق غير متوقعة من دواخل الشخصيات والأحداث، لأجل أن تحدث فيه حالة تأملٍ لذاته، وما تحمله من قناعات، إزاء حدث واقعي استند إليه السيناريو. وما يلاحظ على بنية الحوار أنها تجاهلت أن الجملة في الحوار الدرامي ليست مُقتطعة من الحياة اليومية، والكاتب الدرامي يتقصد في أسلوبه اصطفاء لغته، لأجل أن تكون تصعيدية بهدف تطوير الفعل الدرامي، ومن أولويات لغته أن تتجاوز ما يردده الإنسان من صيغ جاهزة خلال أحاديثه الواقعية، وينبغي للحوار الدرامي أن يضطلع بمهمتين أساسيتين، الأولى أن يكون أبلغ تعبيرا من الأحاديث اليومية، والثانية أن يحقق الإيهام بأنه ينقل الحوار من الواقع، وهذا ما لم نجده متحققا في هذا الشريط، حيث بقي الحوار بعيدا عن الأفق الدرامي وممكناته في دفع الحبكة إلى النمو والتطور، ولم يبتعد عن حدود إعادة استنساخه كما في الممارسة الواقعية، وهذا يعني أن الفيلم لم يقترب من سياق الوظيفة الفنية للعمل الإبداعي، خاصة أنه حاول أن يتصدى لقضية ذات حساسية إنسانية عالية مثل قضية الموصل، بينما كان المتوخى منه أن يعيد النظر فيها بهدف الكشف عن جوانب خفية لم تستطع الحقول الإبداعية الأخرى الاقتراب منها، فالرسالة التي تصل إلى المتلقي في خطاب الفيلم السينمائي تتجاوز ما يمكن أن يتلقاه من محتوى عبر وسائل الإعلام، أو عبر الأشكال الفنية الأخرى.
الحقائق بين التزييف والتسويق
إن معركة تحرير مدينة الموصل، التي تشكل خلفية أساسية للحدث الرئيس للفيـــلم، اضطلعت فيـــها بدور رئيـــس قوات مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، ولم يكن للميليشيات التابعـــة للحشـــد الشـــعبي وبعناوينـــها الصريحـــة أي دور فيها، لأن دورها كان قد اقتصر على الأقضية والنواحي التي تبعد مسافة بعيدة عن مركز مدينة الموصل، بينما الفيلم قفز فوق هذه الحقيقة، وحتى الجدل الذي احتدم بين «الرائد جاسم « قائد المجموعة العراقية والضابط الإيراني الذي يقود هذه الميليشيات، لم يستطع أن يخفي محاولة الفيلم التسويق لدور إيراني متخيل في عملية التحرير، وهذه القراءة التي صيغت في حبكة الفيلم، أرادت أن تروج لحكاية مفترضة، كان في محتوى قصديتها أن تمنح إيران دورا لم تلعبه في الواقع، ولم يفلح المنطق الدرامي في رمزية مشهد الخلاف بين الضابط العراقي والإيراني في التغطية على رسالة التزييف التي حاول سيناريو الفيلم ترويجها.
تساؤلات حول المصداقية
ما يثير التساؤل في هذا الشريط أنه لم يول أهمية للجانب الإنساني، وسقط في دائرة التركيز على العنف، الذي كان يواجهه أفراد المجموعة العراقية، وتغافل عن استنطاق المشاعر الإنسانية للمدنيين المحاصرين في المدينة، بل إنه تجاهلهم تماما ولم يقترب منهم، باستثناء مشهد الحوار الذي دار بين الضابط العراقي والطفلين اللذين كانا يضعان جثة والدهما القتيل فوق عربة خشبية لأجل دفنها، وهذا ما يعزز فكرة انشغال السيناريو في الارتكاز على تقنيات الفيلم الأمريكي القائمة على الإسهاب في تقديم العنف، ضمن إطار طبخة جاهزة قوامها الإثارة والتشويق، بدون الاهتمام بإنتاج عمل فني يحقق المتعة القائمة على تحفيز الوعي.
أما عن العلاقة ما بين أحد افراد المجموعة القتالية العراقية وزوجته، عندما يتمكن مع رفاقه من تحريرها مع ابنته الصغيرة، بعد أن ينجحوا في اقتحام بيته الذي غاب عنه ما يزيد عن السنتين ونصف السنة، وقتل العنصر الإرهابي الذي كان يتواجد فيه وهو شبه عارٍ مع زوجة الضابط، فقد بدت هذه العلاقة مستلة من المخزون السينمائي المتخيل والمتراكم في العديد من الأفلام الأجنبية، ولا ترتبط ردود الأفعال التي ظهرت على الشاشة بأي تفصيلة قد تنتجها الشخصية العراقية ضمن حدود العلائق المجتمعية في البيئة المحلية، بمعنى أنها كانت مجردة من مرجعيتها الاجتماعية الواقعية، خاصة ما يتعلق بردود أفعال الضابط العراقي بعد أن تخبره زوجته بأنها تحمل في بطنها جنينا من العنصر الداعشي، إذ نجد أنفسنا أمام رد فعل متخيل رسمه كاتب السيناريو، لا صلة تجمعه مع مصداقية التعبير عن الواقع العراقي المحكوم بميراث من الموروثات الدينية والعشائرية، بذلك فشل الفيلم في أن يكون واقعيا، وسقطت حبكته الدرامية في شطحة من التخييل الفني، الذي لا يجمعه رابط منطقي مع البيئة الاجتماعية واشتراطاتها الواقعية، بالتالي غاب التوافق ما بين الحل الدرامي في الصورة السينمائية ومرجعيتها الواقعية.
٭ فيلم «mosul» من إنتاج شركة«Russo Brothers» ، تأليف دانيال غابرييل، إخراج ماثيو مايكل كارناهان، المنتج المنفذ محمد الدراجي، فريق الممثلين: سهيل دباش، آدم بيسا، إسحق الياس، قتيبة عبد الحق، أحمد الغانم، هشام ورقة.
٭ كاتب عراقي