يواصل القاص محمد الشايب مسيرته السردية، بإصدار قصصي تحت عنوان «الشوارع» ـ عن دارسليكي أخوين في طنجة ـ الذي يطرح كشوارع قصصية، صيغت بين الواقع والمتخيل. إنها بهذا التوصيف تتخلق أمامنا، في انفتاح على الهوامش أساسا، انطلاقا من شارع الحرية الذي يحتوي على كل شيء ولا شيء. أي أن قيمة الحرية مفتقدة، كما كشف السارد في آخر تجواله وبحثه عن الشارع ذاك. إلى قصة «فرح» التي تصور عرسا في حي شعبي، في رصد دقيق للتفاصيل. إلى الوقوف حول بعض الساحات ورصد حكاية شخصين مترابطين (بائع الحلزون وبائعة الرغيف). لم يتوقف الكاتب حول شوارع عينية، بل سافر في التاريخ عبر قصة «شارع الغريب» مستحضرا صفحة متعلقة بالمعتمد بن عباد، وهو يعود متصفحا التحولات والتبدلات التي غدا معها غريبا، إضافة إلى صفحات من الذاكرة كالعلاقات الإنسانية المتعلقة بالفقد والارتباط.
لنخلص بعد عرضنا لنماذج من المتن الحكائي إلى أن هذا المؤلف اختار ثيمته بدقة «الشوارع» وهي متنوعة في موضوعاتها. لكن كل واحدة تطرح كرصيف للتجوال والسفر بين الداخل والخارج، بين الشارع الموصوف والمحيل على اليومي في زئبقيته، لأن الكاتب سعى ـ في ما يبدو ـ إلى تحويل وتحوير كل شارع إلى ماء، وما يحمل من رمزية، للغوص فيه، عبر طبقات من التأمل وطرح السؤال حول المتشكل بتلك الطريقة. قلت بين شارع موصوف وآخر معاش عبر التمثل والسفر الداخلي، أي في الذات، ضمن حالات نفسية بارقة.
طبعا مثل هذه القصص الغاصة بالمشاهد الطاوية على ما هو بصري وحركي. تمركز اليومي في العيش، كطريقة ما في رصد الواقع عبر متخيل ما، إنها شوارع أولا ترصد تجارب إنسانية محيلة على انغراس مجموعة بشرية في الشوارع كأمكنة لها خصوصيتها، بهدف تدوين المنسي والساقط الذي لم يقل، بهدف الحفظ والرسوخ، ولو بطريقة سردية تصر على عبور الأشياء عبر المتخيل. وقد يدفع ذلك إلى التساؤل حول معنى الفرح والحب، والموت والحرية… نقرأ في المؤلف قيد التحليل: «مررت على المساجد والأضرحة، وسمعت الأذان والأدعية والابتهالات، ولم، مررت على الملاهي المشتعلة رقصا وغناء، ولم، تجاوزت الحدائق، ومجالس الحب والعتاب، ولم، مررت على المقاهي والحانات ولم، تجاوزت المدارس والمعاهد، ولم.. خيل إليّ أني مشيت الليل والنهار، وطويت كل الدروب والساحات، وعشت الفصول كلها باحثا عن شارع الحرية، ولم..
أدمى المسير قدمي، ونال مني التعب، وهدني البحث. ولم أعد قادرا على مواصلة الطريق، ولما رأيت شرطيا ينظم حركة المرور، توجهت نحوه، وسألته: أين يوجد شارع الحرية؟ نظر إليّ مليا، ثم أجابني: لا يوجد في هذه المدينة شارع الحرية».
كل قصص هذه المجموعة أو شوارعها القصصية، تضع لنفسها داخلا يرتاده السارد، لإبراز المفارقات، سعيا إلى تشخيصها، عبر مشاهد، ما أدى إلى نوع من التصعيد الدرامي في كل قصة، أدى بدوره إلى نهايات صادمة، لما تطرحه من وضع مفارق للتأمل. في هذا السياق اشتغل الكاتب على بعض الرمزيات كالماء الذي تبدو معه كل قصة معطى مائيا، وما يقتضيه ذلك من توظيف استعاري للغة؛ استنادا إلى الغرابة والقلب، لتخفيف اللغة من حمولاتها المألوفة الباردة. وهي عناصر عابرة غير مقيمة؛ أتمنى أن تحضر بشكل أساسي في المقبل من أعمال قصصية.
قصص المجموعة تبنى عبر حكايا، محكومة بتسلسل خطي، لكن ليس بالمعنى التقليدي للخطية؛ بل ترى الكاتب معمقا للحظة والمشهد. فتكون القصة كلحظات غاصة بالشخوص والأفعال.
ورد في مجموعة «الشوارع»: «جاءني الليل قطارا فائق السرعة، فركبته، وطرت إلى قرية نائية، تصر على أن تقف بين الوادي الهادر، والمقبرة القابعة في التل، والغابة التي تلامس الطريق المعبدة. وصلت، فوجدتها عارية تستحم بمطر دافئ، وضفائرها ترقص على إيقاع رياح تهب من جهة البحر».
قصص المجموعة تبنى عبر حكايا، محكومة بتسلسل خطي، لكن ليس بالمعنى التقليدي للخطية؛ بل ترى الكاتب معمقا للحظة والمشهد. فتكون القصة كلحظات غاصة بالشخوص والأفعال. السارد يتحول معها إلى خيط يخيط المشاهد في تعميق للحالات واللحظات. من خلال تأملات تنم عن خلفية فكرية للسارد كأداة طرح وبحث، طرح السؤال والبحث في هذه الشوارع عن قيم مفتقدة كالحرية والحب: «تراكمت العقود، وأغلقت كتب، وفتحت أخرى، وذهبت عهود، وحلت عهود، أزيحت مدن، وعوضتها مدن، ضعف الأقوياء، وتقوى الضعفاء، ونمت أنا في القبر الغريب طويلا، وحين استفقت هبت عليّ ريحك من جديد، فانطلقت أقرأ فراشات الطريق، وأبحث عن خرائط المدن، أغمات ماتت، ومراكش صارت قبلة الغواية، وإشبيلة خلعت ألوانا، ولبست أخرى، وأنا عدت لأسير في شارع الغريب، وأبحث عنك». يغلب على ظني، كما رصدت في العديد من الأوراق أن القصص عبارة عن إطارت أو محتملات حكائية؛ قد تنطلق من الواقع. لكن هذا الأخير يتحول من خلال رؤية فكرية لها تقنياتها الجمالية، إنه الإيهام الواعي الذي يبني واقعا جديدا على النقيض، كأن الأمر يتعلق بالانطلاق من الواقع والعودة إليه، بعد عمليات تحولات تخييلية تمر عبر الوصف والغرابة ورسم لوحات الشخوص، إضافة إلى جماليات المكان والزمان.. لا بد إذن من هذه الجماليات حتى لا تذوب الأعمال في الخطابات الجاهزة وفي سطحية الواقع. وهو ما نلمسه حقا في الكثير من الأعمال الغافلة التي تتحول إلى آلات تصوير تجعل اللغة في مستواها الأول. والحال أن الأدب حارس اللغة ومطور لأدائها. موسعا لطاقاتها التعبيرية والتواصلية، بدون استيلاب نظري يتحول معه العمل إلى تعلة فقط للتبرير وتمجيد الأصول النظرية. أقول أحب أعمال هذا الرجل التي أدرج عليها متى ظهرت، لأنه يجتهد في قصته على ضوء تطوير واضح الجهد على مستوى الرؤية الفكرية والجمالية. لهذا نراه منشغلا بجوانب القصة، ولو في أصولها الراسخة كالفكرة والوصف ورصد المشاهد والنهاية… نعم يمكن الحديث عن اجتهاد أيضا في الكتابة. ويغلب ظني أن لا أدب بدون اجتهاد أو عرق، للبحث عن خصوصية؛ قصد المساهمة في ذاك المحتمل الأدبي الذي يتمثل في خلق منعطفات أدبية، ولو على مستوى جانب أو تقنية ما، في السرد.
٭ شاعر وناقد مغربي