ما إن تغلق الصفحات الأخيرة من الرواية، حتى يظل إحساسك معلقا بين الدهشة والسعادة، بين سحر الأمكنة ونغم المشاعر التي تأخذك طوعا بين ربوع جيفرني، التي هي بدورها تجعلك أسيرا إلى ذلك البهاء والعطاء الكبير.
وكما قيل في صفحات جريدة «لورور» عام 1908 «مع مونيه، نحن لا نرى العالم الحقيقي، لكننا ندرك مظاهره».
هكذا حملنا الكاتب الفرنسي ميشيل بوسي في سلسلة من الأحداث الدرامية المتتالية، التي تبدأ بجريمة قتل تهز أوساط القرية الصغيرة، لطبيب عيون مشهور يُدعى «جيروم مورفال» الذي كان مهووسا بالفن واقتناء كل ما يخصه.
تلعب «ستيفاني دوبان» دورا مؤثرا في تغيير مسار الرواية عن طريق أقوالها التي كانت متعثرة ومليئة بالتزوير، وهذا ما اكتشفه المفتش «سيريناك» بخفة وذكاء في آن، لاسيما بعدما قام بتحريات دقيقة لتحركات الطبيب الشخصية، والتواصل مع عشيقاته اللاتي كن مختلفات عن بعضهن بعضا.
تصل أحداث الرواية إلى أوج ذروتها من خلال عمليات التحقيق الموسعة التي قام بها المفتش ومعاونه للوصول إلى الجاني عن طريق البحث عن جزم أحذية رجالية ذات مقاس محدد، تشابه فردة حذاء عُثر عليها في موقع الحادثة، ليغلق بعدها مسار التحقيق، وتسجل القضية ضد مجهول، لكن الحقيقة تظهر بعد سنوات، باعترافات «جاك» بالشروع بقتل ثلاثة ذكور في حقب زمنية مختلفة، من أجل أن يحظى بحب «ستيفاني» للأبد.
بينما أنت تقرأ الرواية وتتبع مسار خيوطها بذلك الأسلوب المشوق والرصين، بحوارات الأبطــــال والشخصـــيات التي ظهــرت على غفلة، تكتشف عمق المكان والأحــداث التي تراكمت من خلاله، بمــزيــج بين الفـــن والجريمة، بتفاصيل معقدة، لا تخطر في بالك أنها يمكن لها أن تكون دليلا قاطعا لمجرم محترف، إلا عن طريق عمليات من التحليل البوليسي والرجوع إلى سجلات متهالكة. كما تجد نفسك في الوقت ذاته، بين لوحات مونيه وشغفه المرهف، الذي أثرى به الساحة الفنية، بولادة الانطباعية التي أنجبت لوحة «شروق الشمس» عام 1972 ليواجه الحياة بإشراقة مذهلة، وروح مبصرة بالأمل، وبريق أنثوي دافئ، توج بـ 272 لوحة تحمل عنوان زهرة «النيلوفر» الشهيرة بكل ألوانها المتناسقة. شكرا بوسي إنها رحلة حالمة حقا!
٭ كاتبة وإعلامية من البحرين