قالها رَديارد كِبلِنغ (1936-1865) المولود في مومباي بالهند أيام الإمبراطورية البريطانية اللا تغرُب الشمس عن أرجائها، وقد تشرّب روحَ الاستعمار والاستعلاء، إذ كان يرى نفسَه، وهو البريطاني، أعلى من مستويات الهنود من حوله، وبقية العالم من حولهم جميعاً. ولكن هل يصُحّ الترحُّم على هذا الكافر الآبق، في رأي فقهاء آخر زمان؟
قبل أكثر من مِئة عام كان هذا الرجل الهندي-الإنكليزي يكتب القصة القصيرة والرواية والشعر كذلك. وفي واحدةٍ من قصائده التي اشتُهرت يقول: الشرقُ شرقٌ والغربُ غربٌ/ وأبداً لن يلتقي الإثنان. وإذا استعرضنا حوادث وآراء بعض أصحاب الرأي في بلادنا على امتداد قرنٍ، أو ما يزيد على قرنٍ من الزمان، نجد ما يصوِّر كلامَ ذلك الإمبراطوري عن الإختلاف، بل التعارُض الشديد، بين الشرق والغرب. ومناسبةُ هذا الكلام رسالةٌ وصلتني على الإنترنت من سيّدةٍ أمريكيةٍ “لا أعرفها من آدم”.
عنوان الرسالة: “من مؤلِّف إلى مؤلِّف: دخلٌ مُتزايد”. وترفق الرسالة بصورتها وهي في ربيعها الثمانين من العمر، أو أكثر، بكامل القيافة والمكياج! وتشرح هذه المخلوقة أنها قد أسّست مع زوجها المرحوم “منتجع الصخر الرملي” في كاليفورنيا، لتشجيع الحبّ المتحرّر والثورة الجنسية. وتقول إن المنتجع قد ازدحم بالكثير من كبار الشخصيات ونجوم هوليوود. لذا فهى تطلب مساعدتي واقتراحاتي حول مشروعها الكبير هذا، وهي سترحّب كثيراً بتوجيهاتي بوصفي مؤلِّفاً!!!
كانت ردّة فعلي الغاضبة أوّلا أن أجيبَها بعباراتٍ شديدةٍ من التعنيف على وقاحتها في مخاطبةِ شخصٍ لا تعرفه، وهي تقيم في نيفادا الأمريكية، وأنا لم أصِل إلى تلك الأصقاع ، حتى ولا في الخيال. وكيف عرَفَت أنّي مؤلِّف، وهي صفةٌ لا أدّعيها وتُهمةٌ لا أتبَرّأ منها؟ أم إنّه الكمبيوتر الذي “لم يترك سِترٍ مغطّى”؟ ولما هدأت ثائرتي قلتُ لابأس أن أُجيبَها، على مبدأ: وإذا حُيّيتُم بتحيّةٍ فحيّوا بأحسن منها… أو ردّوها. فرَدَدتُها بما استطعتُ من تخفيف الكلمات القاسية، ولكن أوضحتُ لها أنّ ما تقومُ بهِ يقَعُ تحتَ عنوان كبير: التَهَتُّك والخلاعة!
في شَرقِنا الباحثِ عن كُلِّ فَضيلة، عند غير أبي زيد الهلالي، مع الاعتذار من روح نزار، عندنا فضيلة الشَرَف وحماية الأُسرة والتستُّر على ماضي الزوجين. ولكن هذه كُلُّها لا تختلفُ فقط، بل تتعارضُ مع الفضائل التي عَرفها الغرب، منذ بداية العصر الحديث. وفي أمريكا، منذ بداية القرن السابع عشر، صار المُتمَسِّكون بتلك الفضائل العتيقة يُتَّهمون بأنهم من بقايا البيوريتان، أو الطُهريّين، وهي تُهمةٌ تفيد التَخلُّف وعدَم مواكبة العصر. فالحضارة الحديثة لا تمانع أن يكون الزوجُ خليعاً ولا أن يكون الزوج، حتى لو كان رئيس جمهورية، زيرَ نساء، يُتابع شهَواتِه في قُدس أقداس الديمقراطية والحرّية. والحرّية الشخصية في الغرب لا تمانع أن تسير الفتاة “على حلّ شَعرها” إذا بلغت الثامنة عشرة من العُمر. ولا تُمانع أن يُغادر الشاب دارَ أهله “إذا بلغ سنّ الرُشد” ليعيش حيث يشاء ويعمل ما يشاء لكي يتحرّر مما يقدِّم له الأهلُ من أسباب المعيشة. فلو حدثَ مثل هذا في شرقنا المُتخَلِّف حضارياً لنَزلت على تلك الأسرة وأبنائها وصمةُ عارٍ تُصاحبُهم إلى الأبَد.
يعرف المُنصفون في الغرب، وبخاصةٍ المُثقّفون منهم، وحتى أنصاف المُتعلّمين، أن حضارة الغرب منذ عهد الإغريق كانت قائمةً على حضارة الشرق السابقة عليها. ومن الطبيعي أن تَتَطوّر وتَتحوّل المظاهر الحضارية الشرقية حسب المحيط الجديد، إغريقياً كان أم لاتينياً. فما يزال الغرب يستعمل “الأرقام العربية” وكلمة: كتاب “بايبل” مأخوذة من كلمة “بيبلوس” المدينة الفينيقية الشرقية، التي تعلّم الإغريق عن طريقها الكثير من علوم سومر وأكد، وتطوّرت عندهم بطبيعة الأحوال.
وثمة مسألة يختلف الغرب فيها عن الشرق اختلافاً لا أستطيع تفسيره. فمن المعروف أن الديانة المسيحية هي الأكثر انتشاراً في الغرب الأوروبي والأمريكي، ولكن المسيحية عندهم قد أُلبست ثوباً غير ثوبها الذي نشأت فيه. ففي العالم الجديد صاروا يُغيّرون ويُبدّلون في هذه الديانة الجديدة، بعد أن قامت حركة الاحتجاج في ألمانيا بقيادة مارتن لوثر، الذي قال إني أحتَجّ أي: بروتِستو، على كنيسة الكاثوليك، فصار يُسمى بروتستانت، أي المُحتَج. ولكن هذا الاحتجاج اللوثري تطوّر في أمريكا بحيث صارت تَصعُب الإحاطة بأنواع “المسيحيّات” فيها الا للمختصين.
وأذكُرُ من أمثلة الاختلاف الشديد في فَهم المسيحية بين أمريكا وبين المسيحية الأولى التي نشأت في بيت لحم الفلسطينية. ففي بداية دراستي العليا في أمريكا كنتُ أرى الكثير من مظاهر الحياة والتصرّفات غريباً على من نشأ في المشرق العربي مثلي. نَصحتني سيدةٌ فاضلةٌ كانت تُعنى بمعرفة الاختلاف بين تفكير وتصرّف الإنسان الشرقي العربي من أمثالي وبين ما يَجد في محيطه الجديد ، فنصحتني بالذهاب إلى المتنزّه الكبيرفي المدينة لأ شاهد الزينات بمناسبة اقتراب عيد الميلادالمجيد. فلما عدتُ أخبرتُها بأني وجدتُ تماثيل الحِملان عند المِذوَد لها رؤوس طويلة مُدبّبة وذيول طويلة، مما يجعلها أشبَه بالذئاب منها بالحِملان، وهذا يُفسِد الرمز من قول السيد المسيح: أنا حَمَل الإله. ثم وجدتُ صورةَ السيدة العذراء ذات عينين زرقاوين وشعرٍ أشقر منسدلٍ على الكتفين. وهذه الصورة لا تُشبه مريم الفلسطينية على الإطلاق. فقالت مضيفتي: نحن هكذا نفهم المسيحية. فسألتها: هل أن مسيحَ الغرب غير مَسيحِ الشرق؟ فلم تعرف مضيفتي كيف تجيب.
ومرّةً كنتُ أسير مع طالبٍ وصلَ حديثاً من بلادنا، وكنتُ أعينُه في تفسير بعض الأمور، فتَدَخّل رجُلٌ سبقَ أن تعرّفتُ عليه مرّةً، وبادَر بمحاضرةٍ عن المسيحية والكنيسة ليكمل دوري في إرشاد هذا الشاب الجديد، حاسباً أن كل القادمين من بلاد العرب مسلمون ويجب هدايتهم. كان زميلي يبتسم ويهزّ رأسه إعجاباً أو استغراباً. ولمّا بدا للرجل أنه قد أكمل مهمّته في هداية الغرباء، قال لصاحبي: آمل أن نجتمع ثانيةً لإكمال الحديث عن الدين القويم. عندها توقّف صاحبي عن الإبتسام وهزّ الرأس ونطق بجملة واحدة في وجه هذا المتطفِّل خفيف الدم. قال: ولكنني مسيحي فلسطيني من بيت لحم، فماذا تريد أن تضيف إلى معلوماتي عن المسيحية؟ لم يبدُ على الرجل أي حَرَج بل قال: هذا غير مُهِم، ثم انصرَف!
وثمه مسألةٌ لا أحسب أن الشرق والغرب يمكن أن يلتقيا حولها. أذكُر أنّي سمعتُ مرَّةً حواراً بين اثنين من الطلبة الأمريكان في الجامعة التي كنتُ فيها. قال أحدُهما للآخر: اليوم رأيتُ جولييت الحلوة خارجةً من البنك. فقال الآخر: ومن هي هذه الحلوة؟ أجاب الأول: جولييت ذات العينين الخضراوين بخضرة الدولار، والتي سَلبَت لُبّ الطالب البريطاني، وسوف يتزوجان في أول الصيف في بريطانيا، لأن والد الخطيب يحمل لقب كونت ويقيم في لندن. فسأل الآخر: وما هو دخل الكونت السنوي في بريطانيا؟
هل يمكن مقارنة هذا الموقف من الجمال والزواج في حضارتين واحدة غربية والأخرى شرقية؟ وكيف تريد سيّدة منتجع الصخر الرملي أن تُدخل رسالتها في عقول الآخرين، أم أنها ليست في هذا الوارد؟