عززت تطورات ومواقف سياسية مؤخرا خطر إنتاج صورة لتقارب واقعي وآيديولوجي بين «الإخوان» وتنظيم «داعش» وأخواته، وسط بوادر واضحة على تخبط سياسي وإصرار أجنحة في الجماعة على حالة من الإنكار. وتنبع خطورة تلك الصورة من الأسئلة المشروعة التي تطرحها، بشأن تأثيرها على مستقبل الإسلام السياسي بشكل عام، وقد بنى «شرعيته» على صورة من الوسطية الرافضة لكافة أشكال التطرف الآيديولوجي والعنف. كما انه شأنها ان تشكك في إمكانية محاربة «داعش» بدون مواجهة الحاضنة الثقافية او السياسية أو الاجتماعية التي قد يوفرها الإسلام السياسي، وهو ما قد يستفز إجراءات ضده عربيا ودوليا.
وهذه أبرز المحاور التي ينبني عليها هذا النقاش.
أولا: أعلنت جماعة الإخوان تأييدها للمشاركة (السلمية) في ما يسمى بـ»انتفاضة الشباب المسلم» المقرر ان تندلع اليوم الجمعة في مصر، رغم أن الجبهة السلفية التي دعت اليها أعلنت صراحة عزمها «اسقاط النظام عبر رفع المصاحف دفاعا عن الهوية الإسلامية»، في نهج طائفي واضح، رغم تأييدنا غير المشروط للحق الدستوري لكافة المواطنين في التظاهر السلمي حصرا. وعلى الرغم من مقاطعة اغلب القوى السياسية، وتوقع اغلب المراقبين ووسائل الإعــــلام، بمن فيهم المقربون من الإخوان، مثل وكالة أنباء الأناضول التركية، الفشل لتلك «الانتفاضة»، إلا أنه يبقى متوقعا ايضا تفجر مواجهات مسلحة مع الشرطة والجيش.
وهو ما يثير أسئلة بديهية عن السبب الذي جعل الإخوان يورطون انفسهم في هكذا (انتفاضة) تكتنفها الشبهات على اقل تقدير؟ خاصة بعد مظاهرات قيل انها لأنصار الإخوان في حي المطرية الشعـــبي في القاهرة الاسبوع الماضي رفعت أعلاما لتنظيم «داعــــش»، كمــــا ان فيــــلم «صــــولة الأنصار» الذي انتجته جماعة «أنصار بيــــت المقدس» لدى مبايعتها تنظيم «داعــــش» أعلن صراحة ان ما يقوم به التنظيم من أعمال إنما يهدف إلى إطــــلاق سراح «الإخوان الأســـرى»، كما قال زعيمها حرفيا.
أما على المستوى السياسي فإن ثمة حالة من التفكك او التخبط داخل الجماعة أدت إلى تهميش أصوات عاقلة تدعو إلى مواجهة الواقع وفقا لمقاربة سياسية جديدة، لا تقوم بالضرورة على إعادة محمد مرسي للحكم. بينما تصر أصوات تقليدية أخرى على حالة من الإنكار السياسي يعتبرونها ضرورية لتأمين استمرار حصولهم على الدعم المادي والإعلامي، حتى اذا كانت النتيجة على أرض الواقع انتاج مشاغبات هنا وهناك، مع تكريس للصعوبة البالغة وربما شبه المستحيلة لعودة الجماعة إلى المشهد السياسي.
ثانيا- جاءت التصريحات الصادمة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي زعمت انه «لا توجد مساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام، وانه على النساء ان يجلسن في بيوتهن» لتكرس الصورة الخطيرة نفسها لتقارب ايديولوجي بين الإسلام السياسي و»داعش» الذي يمارس ويبني اضطهاده للمرأة ونظرته العنصرية المهينة ضد النساء على القاعدة نفسها. وتزامنت هذه التصريحات مع اتهامات نشرتها صحف تركية تعتبر ان اردوغان أصبح حليفا واقعيا لتنظيم «داعش»، وهو ماينكره الرئيس التركي. لكن تبقى المحصلة ان اردوغان المؤيد الاكبر للاسلام السياسي وتنظيماته بمن فيها الاخوان على اساس ايدولوجي اصبح يمثل خطرا على صورته ومستقبله بسبب هكذا ارتباط ، خاصة من جهة استعداء غرب يشعر بذعر حقيقي من تنامي خطر الإرهاب، ولن يتوانى عن مواجهته بكل أطيافه وأنواعه واسمائه.
ثالثا- يحاول البعض داخل الإخوان حاليا ان يفعل ما كان يفترض ان يكون هدفا رئيسيا للجماعة عندما كانت في الحكم، وهو إعادة إحياء روح ثورة يناير بغض النظر عن الاختلافات الايديولوجية، بدلا من روح الاستئثار والاستقطاب والاقصاء والاستعلاء، التي ميزت سلوكهم السياسي في الحكم، وهو ما يعترف به بعضهم الآن. ولعل هذا كان السبب الرئيسي للاعتقالات الأخيرة لبعض قياداتهم في مصر، وهذه يجب ان تكون دليلا على ان هذا هو التوجه الصحيح الذي يجب ان تصر عليه الجماعة، بدلا من الوقوع في فخ «انتفاضة» طائفية ستمثل فرضة اعلامية وامنية للنظام على اي حال، وخاصة في تبرير المزيد من إجراءاته القمعية تحت عنوان «مكافحة الإرهاب».
رابعا- على المستوى الإقليمي، بدأ الحضور السياسي الدولي لجماعة «الإخوان» دفع الثمن لهكذا اخطاء، ومثال ذلك اعتقال نائب المراقب العام للإخوان في الأردن.
ولعل الحضور الضعيف لاجتماع إخواني تضامني معه في عمان قبل عدة أيام، يشير إلى اتفاق أجنحة داخل الجماعة نفسها على خطأ هذا التوجه، وخطره على مستقبل الجماعة في الأردن. أما في تونس فقد خسرت حركة النهضة في الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية كما توقع المراقبون (باستثناء من يبنون تحليلاتهم على التفكير الرغائبي).
وكانت الهزيمة نتيجة لعوامل عديدة، منها «تأثير الدومينو» بعد انكسار الإخوان في مصر، كما اشرنا في مقال سابق، إلا ان ثمة من ربط ايضا بين وجود النهضة في الحكم هناك، وتوفير الأجواء الملائمة لتدفق نسبة قياسية من المقاتلين على «داعش وقتئذ من تونس. وهو ما يشبه التحالف «غير المقدس» الذي أقامه الإخوان خلال حكمهم في مصر مع تيارات سلفية عنفية مثل الجماعة الإسلامية وغيرها. اما في سوريا، فقد غابت صورة الإسلام السياسي المعتدل او تكاد على الأرض، لمصلحة ميلشيات مسلحة ما يكرس توجها انتحاريا وكارثيا نحو ما يمكن تسميته بـ»عسكرة الإسلام السياسي» او «دعشنة الإخوان».
أخيرا وبالعودة إلى مصر، فقد يدافع البعض سرا عن اللجوء للعنف اليوم باعتبار انه مستحق ردا على عنف النظام وقمعه، وبالفعل فقد ارتكب النظام انتهاكات حقوقية عديدة ، او يعتبرون انه يبقى خيارا حتميا للحفــــاظ على ما تبقى من تماسك الجماعة التنظيمي، إلا ان الواقع هو ان هذا النوع من التفكير «الانتحاري» سياسيا قد يكون ما أوصل الجماعة الى المأزق الحالي.
وهو ما يطرح سؤالا بديهيا: الا تكفي كل هذه الخسائر والاخطاء ليخرج جيل جديد من قيادات الإخوان يملك فضيلة الجرأة على التوقف والمراجعة لانقاذ ما يمكن انقاذه؟
٭ كاتب مصري
خالد الشامي