القاهرة ـ «القدس العربي»: طالبت 17 منظمة حقوقية في بيان أمس الأربعاء، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالضغط على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لوقف انتهاكات حقوق الإنسان، قُبيل زيارة الأخير المرتقبة إلى باريس، المقررة في السابع من الشهر الحالي، وحثه على إطلاق سراح النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان المحتجزين تعسفً في مصر.
ووقع على البيان الأورو ـ متوسطية للحقوق، ورابطة حقوق الإنسان، والشبكة العربية للمعرفة بحقوق الإنسان، وسيفرورلد، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، وفرونت لاين ديفندر، ومبادرة الحرية، المبادرة المصرية الفرنسية للحقوق والحريات، ومنّا لحقوق الإنسان، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، والمنبر المصري لحقوق اﻹنسان، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش.
وقالت المنظمات إن من المقرر أن يصل السيسي إلى باريس في 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري، في زيارة تستغرق يومين، بعد ثلاثة أسابيع فقط من حملة الأجهزة الأمنية المصرية لقمع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إحدى آخر المنظمات الحقوقية المستقلة العاملة المتبقية في البلاد، والتي اعتقلت السلطات المصرية ثلاثة من مديريها.
انتقام مباشر
وتابع البيان: يبدو أن هذه الاعتقالات جاءت كانتقام مباشر عقب اجتماع للمبادرة مع عدد من الدبلوماسيين الأجانب، بما في ذلك البعثة الفرنسية في القاهرة، أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. كما تحتجز السلطات المصرية تعسفا الحقوقي المصري الفلسطيني البارز رامي شعث ـ متزوج من مواطنة فرنسية ـ منذ أكثر من عام دون محاكمة.
واتهمت المنظمات الدبلوماسية الفرنسية بالتساهل بشكل واسع النطاق مع قمع السيسي القاسي لأي شكل من أشكال المعارضة.
وزاد البيان: طالما برر ماكرون دعمه لحكومة السيسي باعتباره شريكا في الحرب الإقليمية ضد الإرهاب، لكن مصر برهنت بوضوح أنها تسيء استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب وتتعمد توظيفها للقضاء على العمل الحقوقي المشروع واجتثاث أي معارضة سلمية.
فرصة لا تتكرر
واعتبر أن الزيارة المرتقبة فرصة لماكرون لن تتكرر للدفاع عن التزامه المعلن بتعزيز حقوق الإنسان في مصر.
وزاد: خلال هذه الزيارة أمام فرنسا فرصة وواجب لاتخاذ موقف علني قوي يتماشى مع القيم التي أكد عليها ماكرون خلال زيارته للقاهرة في يناير/ كانون الثاني الماضي، والإشارة إلى نظيره المصري بأنه لا يمكن الحفاظ على المستوى نفسه من التعاون الدولي في ظل استمرار استخفاف السلطات المصرية بالقانون الدولي، بما في ذلك الاعتداء غير المسبوق على إحدى أبرز منظمات حقوق الإنسان في مصر، وما يمثله من تعد على القيم الحقوقية.
وحسب المنظمات الموقعة، تداعيات عدم الإفراج عن النشطاء والمدافعين المحتجزين تعسفًا في مصر، بل ومكافأة الذين سجنوهم ظلما بصفقات الأسلحة والثناء، ستدمر ما تبقى من حقوق الإنسان وتقوّض التزامات الرئيس ماكرون الحقوقية في مصر.
تتزامن مع حملة أمنية شرسة ضد الحقوقيين في مصر
وزاد بين 15 و19 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ألقت قوات الأمن المصرية القبض على المدير التنفيذي للمبادرة المصرية جاسر عبد الرازق، وكريم عنارة ومحمد بشير، مديرَي العدالة الجنائية والشؤون الإدارية في المنظمة. وأمرت النيابة العامة حسبهم احتياطيا على ذمة التحقيق في تهم تنطوي على جرائم تتعلق بالإرهاب، وذلك فقط بسبب عملهم الحقوقي.
وحسب البيان، تمثل هذه الاعتقالات الأخيرة تصعيدا جديدا في حملة السلطات المصرية للقضاء على حركة حقوق الإنسان في البلاد، بداية من تجميد الأصول وحظر السفر، وصولاً إلى الإخفاء القسري، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي المطول في ظروف مزرية وسط تفشي جائحة كورونا.
وذكر بأن، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة دق ناقوس الخطر، واضعًا هذه الاعتقالات الأخيرة ضمن نمط أوسع من تخويف المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان واستخدام تشريعات مكافحة الإرهاب والأمن القومي لإسكات المعارضة، ما كان له أثر مخيف وعميق على المجتمع المدني المصري الضعيف أصلا. وقد تم الاعتراف علنا بالطبيعة الانتقامية لهذه الاعتقالات وشجبها علنا في مختلف أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.
مصداقية فرنسا
واعتبر البيان أن استقبال السيسي في زيارة رسمية دون إثارة المخاوف بشكل كافٍ حول احتجاز العديد من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان بسبب عملهم الحقوقي، بتهم تتعلق بالإرهاب وإضافة بعضهم إلى قوائم الإرهابيين، من شأنه أن يقوض مساعي فرنسا لتعزيز حقوق الإنسان في إطار شراكتها مع مصر، ويزعزع مصداقية فرنسا لدى العديد من دول المنطقة.
وكانت وزارة الخارجية الفرنسية نددت في بيان لها في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، باعتقالات مديري المبادرة المصرية، مشيرة إلى أنها حافظت على «حوار صريح وصارم مع مصر حول قضايا حقوق الإنسان». ولكن إذا اقتصرت ردود الفعل الفرنسية على التنديد اللفظي ولم ترقَ إلى خطورة الوضع في مصر، ستفقد مثل هذه الإدانات معناها، وفق البيان، الذي تناول عواقب غياب إجراءات ملموسة إزاء توسّع انتهاكات حقوق الإنسان وتصاعد خطورتها في مصر، بالإضافة إلى تمادي السلطات في تخطي سيادة القانون. كما أن استقبال الرئيس ماكرون للرئيس السيسي في فرنسا مرارا وتكرارا دون أن تطلق مصر سراح النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، بل واعتقال المزيد منهم، يتعارض مع الأصوات المهمة داخل حركة ماكرون السياسية.
ولفت البيان إلى توقيع 66 نائبا فرنسيا من مختلف الأطياف السياسية مؤخرا على رسالة علنية في مختلف أنحاء أوروبا تدعو السيسي إلى الإفراج عن سجناء الرأي، وكانت غالبية الموقعين من حزب الرئيس ماكرون (الجمهورية إلى الأمام) من بينهم أعضاء في لجنتَي الدفاع والشؤون الخارجية.
مبيعات الأسلحة
وفي تقرير برلماني فرنسي حديث حول مبيعات الأسلحة الفرنسية، تم التأكيد على الضرر الذي يلحق بسمعة فرنسا وزيادة التكلفة السياسية التي ستتكبدها على الأرجح بسبب استمرار مبيعات الأسلحة وتكنولوجيا المراقبة لمصر.
وأقر بسجل مصر الحقوقي السيئ والتقارير الموثوقة حول استخدامها الأسلحة الفرنسية في القمع العنيف للاحتجاجات والجرائم المرتكبة في سياق عمليات مكافحة الإرهاب في سيناء، بما في ذلك القتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، والاعتقالات التعسفية.
وحسب التقرير، باعت فرنسا الكثير من الأسلحة لمصر، متجاوزة الولايات المتحدة، لتصبح المورد الرئيسي للأسلحة لمصر بين 2013 و2017.
ولفت إلى أنه في عام 2017 وحده، سلّمت فرنسا معدات عسكرية وأمنية لمصر بقيمة تزيد عن 1.4 مليار يورو. كما وفّرت فرنسا لمصر السفن الحربية، والطائرات المقاتلة، والعربات المدرعة، فضلاً عما ورَدته الشركات الفرنسية ـ بموافقة الحكومة ـ لمصر من أدوات للمراقبة والسيطرة على الحشود، في سياق يفتقر للشفافية ودون مراقبة كافية للاستخدام النهائي لهذه الأسلحة التي يُزوَّد بها الجيش والشرطة، الضالعون في انتهاكات خطيرة.