في الوقت الذي تحرث فيه داعش اراضي العراق وسوريا، وفي غزة يقومون باخلاء دمار الحرب، وفي القدس تحدث انتفاضة القلائل – يسجل تاريخ صغير بعيدا عن ذلك، في تونس. خلال شهر واحد توجه الناخبون لصناديق الاقتراع مرتين – من اجل انتخاب ممثلي البرلمان، وللمرة الاولى في تاريخهم – ايضا لانتخاب رئيس.
كانت هذه انتخابات حرة، وتمت أمام الصحافة العالمية وآلاف المواطنين، البعض منهم غربيين. لم تخف تونس عملية فرز الاصوات وأثبتت للعالم ولا سيما للاخوان العرب أنه بالامكان عمل انتخابات حرة والعودة إلى البيت بسلام. اذا لم تحدث حوادث، والجولة الثانية تنتهي بسلام، فسيكون بالامكان الاعلان عن تونس كدولة عربية اولى قامت بالخطوة الحقيقية باتجاه الديمقراطية، أكثر من العراق، الذي يهدده المخربون، وأكثر من السلطة الفلسطينية التي حدثت فيها انتخابات حرة للبرلمان قبل تسع سنوات، ولكنها منذ ذلك الحين منقسمة إلى قسمين، وأكثر من مصر التي عُزل فيها الرئيس محمد مرسي من قبل الجنرالات وأخذ مكانه أحدهم.
مرشح بدون كاريزما
من قال إنه عندما تكون ديمقراطية يدخل الإسلاميون من الباب الرئيس؟ في الانتخابات للبرلمان التونسي التي تمت قبل شهر لم يعد حزب النهضة الديني هو الحزب الرئيس، وكان الثاني بعد منافسه العلماني. في الانتخابات للرئاسة التي افتتحت في يوم الاحد من هذا الاسبوع قرر المتدينون أن يتنازلوا للآخرين. من بين 27 مرشحا لم يكن إسلامي واحد، ولم يبلغوا أنصارهم لمن يصوتوا. والاثنان اللذان حصلا على اغلبية الاصوات وانتقلا إلى المرحلة الثانية هما علمانيان وأحدهما كان شيوعيا في السابق. وهو الدكتور منصف المرزوقي إبن الـ 69 ويشغل منصب الرئيس للمرحلة الانتقالية منذ ثلاث سنوات. المرزوقي عُين لهذا المنصب من قبل البرلمان المؤقت الذي تم انتخاب اعضاءه من قبل الجمهور. في الانتخابات التي تمت هذا الاسبوع حصل المرزوقي على 26.9 بالمئة من الاصوات. وفي المرحلة الثانية سيواجه منافسة صعبة جدا أمام الباجي قائد السبسي. السبسي حصل على 47.8 بالمئة من الاصوات وكان الاول.
د. المرزوقي هو طبيب بمهنته ونشيط لحقوق الانسان وأمضى حياته كمعارض في باريس. ومع إقالة الرئيس الازلي زين العابدين بن علي قبل اربع سنوات عاد إلى الوطن وشارك في بنائه من جديد. مواطنو تونس عرفوه جيدا بسبب ظهوره الدائم على التلفاز. والفترة التي كان فيها رئيسا مؤقتا كانت معقدة جدا وفيها صراعات للقوى بين المتدينين والعلمانيين وجهود الجيش واجهزة الأمن لقمع اعمال العنف المتطرفة التي كان أكثرها عمليات القتل السياسي وعمليات دموية في مراكز المدن. الجالية اليهودية الصغيرة بالذات تعلمت احترامه، شيوعي سابق ورجل موالي للغرب، تعرف المرزوقي على اليهود في تونس وخارجها وتبنى علاقات جيدة مع الجالية بعيدا عن الاضواء.
ولكن ما يميز المرزوقي هو السنوات التي كان فيها رئيسا مؤقتا كشفت ميزته الابرز وهي غياب الكاريزما. اعتاد التونسيون دائما على قائد قوي، حتى وإن كان يضع يده ويد زوجته ويد أولاده في جيب الجمهور. زين العابدين بن علي وقف على رأس مؤسسة قوية ومستقرة، وقام بتصفية المعارضين وحكم بقبضة حديدية. المرزوقي مثقف غربي كان بعيدا عن ذلك. أساس التأييد الذي يحظى به هو الشباب، وقد تحدث كثيرا عن مباديء الثورة في دعايته الانتخابية، أي التسريع بالعملية الديمقراطية واضعاف الاجهزة الأمنية القمعية.
وقد حذر من رموز السلطة القديمة ملمحا بذلك لمنافسة السبسي، ولكنه لم يقدم دعاية مقنعة بما فيه الكفاية، وأيامه في السلطة كانت رمادية سواءً بسبب الخلل الذي ورثه عن السلطة القديمة والعنف الذي أوجد الثورة، أو بسبب شخصيته الرمادية.
الباجي قائد السبسي هو صاحب الحظ الاكبر لمنصب الرئيس المنتخب الاول في تاريخ تونس. عمره 88 سنة، وهو أشبه بشمعون بيرس التونسي. في ايام إبن علي شغل مناصب عدة قربته من الرئيس ومن ضمنها وزير الخارجية ورئيس البرلمان. وفاز حزبه، «حزب النداء التونسي» في الانتخابات البرلمانية، وكان حزب النهضة الإسلامي هو الحزب الثاني في الانتخابات. عندما صعد السبسي إلى الجولة الثانية في الانتخابات فان هذا اشارة إلى ما يريده الناخب التونسي في القيادة: كبير في السن ومسؤول، علماني، شخص يمثل تونس الهادئة والمستقرة، ولكن ليس قمعيا. لذلك ركز السبسي في دعايته الانتخابية على ضرورة اعادة سلطة الدولة على الحياة اليومية وفرض القانون والنظام، الامر الذي دفع المرزوقي إلى أن يقول إن منافسه يمثل السلطة القديمة، وأن انتصاره قد يعيد السلطة القديمة من الباب الرئيس.
في ظل غياب مرشح إسلامي مناسب فقد وجد السبسي الإسلامي المستتر في منافسه العلماني د. المرزوقي «هذا مرشح المتدينين السلفيين»، إتهم وأضاف «جميعهم أحاطوا به. وستُقسم تونس في الجولة الثانية إلى قسمين: الإسلامي من جهة والديمقراطي الغير إسلامي من جهة اخرى». وبكلمات اخرى حاول السبسي أن يصور منافسه بصورة دينية في محاولة لابعاد الناخبين الليبراليين عنه. وقد اتهم أنصار المرزوقي المعسكر المنافس بتزوير الانتخابات.
بائع الخضروات الذي بدأ بكل شيء
منذ الآن معروف أن الرئيس القادم لتونس لن يبقى طوال حياته كما هو معتاد في الانظمة العربية. المدة المحددة هي خمس سنوات فقط وبعدها يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع كما في الديمقراطيات، وهذه الانتخابات هي نتيجة متأخرة للثورة التي اندلعت في كانون الاول 2010 والتي عُزل فيها إبن علي وزوجته الفاعلة من خلال أحداث قتل فيها المئات.
كل شيء بدأ في مدينة نائية، وهي سيدي بوزيد. حيث تعامل رجال البلدية بصلف مع بائع الخضروات اليتيم إبن الـ 27 والذي باع بدون رخصة من اجل العناية بوالدته وأخيه. وقد صادر رجال البلدية بضاعته وضربوه على وجهه وهو من ناحيته – محمد بوعزيزي – أحرق نفسه في شوارع مدينته حيث اندلعت الاحتجاجات العنيفة وامتدت إلى مدن اخرى. وحملت تراجيديا بوعزيزي في طياتها حقيقة جيل كامل في المجتمع العربي وليس فقط في بلاده: صعوبات الحياة، عبء عائلي كبير وعدم الشعور بقيمة الذات أمام السلطة.
بعد ثلاثة اسابيع من الاحداث الدموية التي وصلت ايضا إلى العاصمة تونس، أوصى رؤساء اجهزة الأمن إبن علي وزوجته التي يكرهها الجمهور، ليلى طرابلسي، بالخروج لعدة ايام إلى دولة صديقة. واستجاب الزوجان فذهبا إلى تركيا – لكنهما لم يستطيعا العودة من هناك.
الجميع يذكرون أن موجة العنف انتقلت إلى مصر وانتهت بعزل الرئيس واستمرت إلى ليبيا، سوريا، اليمن والبحرين – لكن هذا بدأ في دولة تعيش اليوم في هدوء نسبي. في تشرين الثاني 2010 قبل الحادثة بببضعة اسابيع اندلعت مواجهات الخبز في الجزائر التي حكمها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وتم قمعها لكن شرارتها ذهبت إلى تونس الجارة وأشعلت النار الكبيرة.
مع انتهاء المرحلة الثانية لانتخابات الرئاسة في منتصف كانون الاول ستنتهي تونس رسميا من الفترة الانتقالية التي أعقبت عزل إبن علي، وستبدأ رسميا طريقها الجديد. والسؤال هو هل الطريق الديمقراطية حسب النمط الغربي مضمونة أم أنه سيهددها المتطرفون الانتقاميون واولئك الذين لم يعتادوا الليبرالية ويعتبرون العنف وسيلة لتحقيق أهدافهم. المجتمع التونسي متأثر من الاجواء الحرة نسبيا منذ حكم الحبيب بورقيبة، والتعبيرات المتطرفة في السنوات الاربعة الاخيرة كانت صعبة جدا لكنها لا تقارن بما حدث في مصر والعراق وسوريا.
جاكي خوجي
معاريف 27/11/2014
صحف عبرية